عبدالفتاح كيليطو: الحكاية كنز والتأويل فعل اكتشاف

"مَن نبحث عنه بعيدا يقطن قريبا منّا" ولعبة التماثلات والتراسلات.
الخميس 2019/10/24
عبد الفتاح كيليطو يسعى للبحث عن المؤلف المجهول

علاقة الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو بالتراث، علاقة وثيقة وممتدة، فهو دائم البحث والتنقيب في التراث منذ دراساته عن المقامات وألف ليلة وليلة، والجاحظ وغيرهم. يمكن وصف ما يقدّمه بأنه مشروع متداخل وممتد في آن واحد، يروم إلى استكشاف الرؤى المغايرة للنصوص القديمة، عبر قراءات طباقية، تتداخل مع نصوص من آداب إنسانية مختلفة.

في كتابه الأحدث، الذي يستعير عنوانه من يوميات كافكا “من نبحث عنه بعيدا يقطن قريبا منا“ والصادر بترجمة إسماعيل أزيات، عن دار توبقال للنشر 2019، يعود كيليطو من جديد إلى مؤلَّفه الأثير “ألف ليلة وليلة” الذي تناوله في كتابيه “أنبِئُوني بالرؤيا” و”بحبر خفي” عبر مسار البحث في الهوامش، واقتفاء الأثر والظلال لتفكيك حكايات الليالي مقدِّما قراءات هي الأخرى جديدة، كاشفا من خلالها عن المعاني المكتنزة في داخل الحكايات القديمة، والأنساق المضمرة وما تخلقه من امتدادات وتماثلات مع نصوص دينية وتاريخية وثقافية. وكأنها تشير، بهذه الدلالات المتولدة، إلى لا نهائية من الليالي، أو “ليال بلا عدّ لا تحصى” كما يقول بورخيس، وربما هو سرّ خلودها وديمومتها، فالمعاني الجديدة تتوالد، على نحو ما تتوالد حكايات ألف ليلة وليلة.

لعبة التأويلات

معاني مكتنزة داخل الحكايات القديمة
معاني مكتنزة داخل الحكايات القديمة

يأخذنا كيليطو في لعبة من التأويلات لا تبعُد عن المعنى المقصود من حكاية هذا البغدادي في “حكاية إفلاس رجل من بغداد“، الذي ارتحل إلى القاهرة استجابة لرؤية أرشدته إلى أن رزقه في القاهرة، وما أن يصل إليها حتى يغلبه النوم في أحد المساجد، والذي لحسن حظه وليس لسوء حظه، كما ظن في بادئ الأمر، يتخذه اللصوص وسيلة للعبور إلى بيت مجاور لسرقته، وعندما تصل شرطة الوالي للقبض على اللصوص يكونون قد رحلوا عن المكان، ولم يبقَ في المكان غير البغدادي الذي هدّه تعب السفر فنام، فيُقتاد إلى الحبس، وهناك يسأله الوالي عن حكايته، فيسخر الوالي منه.

في الحقيقة لا يتوقف كيليطو عند هذه الحكاية وهو يفكك العلاقات بين الأطراف (الحالم الأول- البغدادي، والحالم الثاني- الوالي)، والأسباب (الانصياع للرؤية في حالة الأول ورفضها في حالة الثاني)، والنتائج (العثور على الكنز بالنسبة إلى الحالم الأول)، بل يقدّم تقاطعات مع قراءات متعددة تكشف لنا عن المنهج الذي يعتمده كيليطو في حفرياته عن التراث.

وكأنه يُفصح عنه هدفه الذي لا يتوقف عند الحكاية في أصلها القار، بل يتخذها نافذة، لينفذ إلى حكايات تتشابك بعلاقات التشابه، تتخذ من السّفر والرحلة بحثا عن الكنز بنية لها، ليفكك ويعيد صياغة حكاية الرجل المُفلس وفق سياقات جديدة، وكأنه يسعى لقراءة الليالي وفق مقاربات النصوص الغربية في تأكيد أن الآداب الإنسانية تُفسّر بعضها بعضا.

فمع أن أدوات المنهج التفكيكي هي ظاهرة في التحليل، إلا أن كثرة التقاطعات مع نصوص أخرى، من أزمنة مختلفة وإن كانت تتشابه في السياقات، بدءا من القرآن الكريم، والكتاب المقدس ومدونات تاريخية كـ”لطائف أخبار الأول من تصرف في مصر من الدول” للإسحاقي، ونصوص حديثة كدون كيشوت وحكاية الصياد عند نيوكولاي دلفيدسكو، وبلزاك في قصة أوجيني غراندي، وجاك القدري وسيده وغيرها؛ تكشف عن حضور النقد الثقافي، بهذه التماثلات والتوزازيات بين النصوص، حيث يلتفت إلى أشياء قد لا تلفت القارئ العادي، وهذه الإشارات يستطيع أن يقيم من خلالها علاقات وروابط بين النصوص.

إضافة إلى تقاطعه مع نص بورخيس الذي قام بالتلاعب في النص، فأعطى للحالم اسما على غير طبيعته في الليالي، وهو ما دفع بكيليطو إلى تأويل هذا إلى رغبة بورخيس من اختيار اسم محمد لشخصية الحالم، وهو الاسم قليل الشيوع في الليالي، هل لتوكيد الطابع التبشيري أو التنبؤي للحلم؟ هل كان يرمي إلى نص المعراج، الرحلة الليلة وارتقاء النبي محمد إلى السماء؟

الليالي في مرآة الآخر

لا يقرأ كيليطو الحكاية في صورتها الليالية فقط، وإنما يعرج إلى الاختلافات التي طرأت علي الحكاية في رحلة الترجمة، بدءا من العنوان في تسع ترجمات مختلفة ما بين “الحلم الذي تحقق” لإدوارد وليام لين، و”حلم” عند غوستاف فايل، و”الحلم بالكنز” عند بورخيس و”حكاية الحالمين” عند جمال الدين بن الشيخ، وأندري ميكيل، وأيضا الإضافات التي لحقت بنية القصة على نحو ما فعل بورخيس بوصف صاحب الصوت الهاتف هكذا بأنه “رجل تقطر من فمه قطعة ذهبية”، إلى إضافته تفصيلة غير موجودة في النص العربي تتمثل في أن الحالم الأول المفلس فقدَ كل ثرواته “باستثناء بيت أبيه” أو إشارته إلى شجرة التين بالقرب من عين الماء في البيت.

معرفة كيليطو الدقيقة بكل ترجمات الليالي، سهّلت عليه استلماح الفروق بدقة، بين النسخ، فمثلا يشير إلى أن الإبرة العملاقة التي ستفقأ عين السيكلوب هي عين وحيدة في الأودية وبالمثل في السندباد، لكنها ستتحول إلى عينين في نسخ أخرى. وبالمثل يتحوّل اسم السندباد البحري في ترجمة غالان إلى هندباد.

لا تُفصل الحكايات عن دلالاتها أو عن القيم التي تصل إلى المتلقي، فمن حكاية الحالم الأول المفلس الذي رحل دون أن يبيع بيته في بغداد وهو “بحوش وجنينة وفسقيّة” يستنتج أنه ينبغي الافتراق ليتحقق الاجتماع، وكذلك ينبغي الخسارة ليتحقق الربح، والأهم ينبغي التيه ليتحقق اللقاء. وفي ظني أن هذه الفكرة مبنيّ عليها الكثير من حكايات الليالي نفسها، فالتيه شرط من شروط اللقاء.

تستحضر حكاية الحالمين خاصة السّفر حكاية السندباد وتنقلاته، لكن هذا التنقل يكون سببا لهلاك السندباد، عندما يخبره الملك “بأنك صرت واحدا منا”، وهو ما كان مقدمة لإجباره على الزواج، الذي يكتشف أن فيه هلاكه، بسبب عاداتهم الغريبة، بأن يدفن الرجل حيا إذا ماتت زوجته والعكس بالنسبة إلى الزوجة، فهما شريكان “في الحياة وفي الممات”، وما أن يسعى للاحتيال يذكر أن له زوجة في بلده الأصلي، كما ذكر أنطوان غالان في ترجمته، ومع أن هذا غير سائغ لدى قرّاء غالان، فاضطر إلى الإشارة إلى أن “السندباد محمديّا، والمحمديون لهم نساء عديدات”، وبالمثل تستدعي الأوديسة ورحلة أوديسيوس الذي يتحرق شوقا لرؤية إيثاكا وبعد سنوات من التيهان يعود إلى أرض أبائه. وبالمثل تتوازي رحلة السندباد مع روبنسون كروز.

سعي تام للتأكيد أن الآداب الإنسانية تُفسّر بعضها بعضا
سعي تام للتأكيد أن الآداب الإنسانية تُفسّر بعضها بعضا

فرحلة السندباد الأخيرة التي ترجمها جمال الدين بن الشيخ وأندريه ميكيل باسم “آخر بحار الدنيا” تستغرق وحدها سبعا وعشرين سنة، في حين السفرات الست السابقة لم تحدد مدتها، مقابل أن مقدار مكوث روبنسون كروز في جزيرته يقدر بثمان وعشرين سنة. ويشترك كروز والسندباد في أن كليهما تمنّى العودة ولقاء أهله.

التماثلات بين الآداب الأجنبية وحكايات الليالي، لا تتوقف عند كاتب واحد أو جنسية معينة، بل هي ممتدة وتتكاثر باطّراد، وكأن النصوص جميعها على اختلافها مستمدة من مصدر واحد. فجلجامش العظيم الرجل الذي لم يكن يريد أن يموت ما أن تموت رفيقته إيكندو، وجد نفسه يواجه الطبيعة الحتمية لفنائه الشخصي، فانسلخ من ثيابه الملكية، مؤقتا، وكسا جسمه بجلد الوحوش، وهام في الصحاري والبراري.

هذا التبدل يراه كيليطو حاضرا في افتتاحية ألف ليلة وليلة حيث الملك شهريار بعد أن اكشتف خيانة زوجته، يقول لأخيه الذي عاش تجربة مماثلة “قم بنا نسافر إلى حال سبيلنا” ففي نظره الموت خير من حياتنا، فأقبل على حياة التطواف والتيهان، عازما أن يسبح “في حبّ الله“، وإن كان ثمة فوارق فجلجماش يخشى الموت أما شهريار فيتوق إلى الاندثار. وبالمثل أصداء حكاية جلجماش المتمثل في الخلود تتردد في حكاية بُلُوقِيا في الليالي؟

محاولة كيليطو لتفكيك حكايات الليالي واستحضار المتماهي معها من الآداب الإنسانية، أشبه بالسعي للبحث عن المؤلف المجهول الذي صاغ الكتاب، الذي جعل بورخيس وهو في سن السادس والثمانين يتعلم العربية لقراءته، حتى غدت أمنية الكتاب بأن تكون الليالي “الكتاب الذي كانوا يتمنّون كتابته” ليست أمنية فرد بقدر ما هي أمنية جماعة زمرة” لكن من هم؟ يقارن كيليطو بين حال العرب في العصور الوسيطة، حيث لم يكونوا مهتمين بهذا التراث الفريد، بل كانوا يعتبرونه كتاب هذر، في حين أقبل عليه الغرب وترجموه بل إن بلزاك ينعت الكوميديا الإنسانية بـ”ألف ليلة وليلة الغرب” في إشارة إلى الاعتراف بقيمة الكتاب.

ومن ثم يرى كيليطو أنه قبل أن يحلم الغرب بالهيمنة على الشرق بأزمان، فإن الشرق، في إغفاءته، غزا الغرب بالليالي. فالغرب اكتشف أن شيئا ينقصه فاندمج بالشروق واستعاد نصفه. ومن هذه اللحظة فصاعدا ارتبط الغروب بالشروق، فكما يقول جوته في الديوان الشرقي “من يعرف نفسه والآخرين يعترف هنا أيضا أن الشرق والغرب لا يمكن أن يفترقا”.

قارئ كيليطو يكتشف أن نصوصه متراسلة، لا تقف عند عنوانها الخارجي، أو حتى عند متنها، وإنما هي تتداخل مع النصوص السابقة وتستحضرها، وإن كانت برؤية جديدة تتناسب مع الاستدعاء.

15