عبدالفتاح كيليطو: الكاتب هو ذلك الشخص الذي لا يعوض

الجمعة 2015/02/27
عبدالفتاح كيليطو: الكاتب هو من يكتب لقراء يتعاطفون معه

الدار البيضاء (المغرب) - دعا عبدالفتاح كيليطو الكتاب والمبدعين إلى عدم الإدلاء بالكثير من الحوارات، لأن الكاتب يكرر نفسه لا محالة، إذ غالبا ما تشغله الأسئلة ذاتها والقضايا عينها. وكما أن الكاتب يبقى سجين أسئلة محددة، فإن محاوريه حينما يسألونه يواجهونه بالأسئلة نفسها. تلك هي الخلاصة التي انتهى إليها كيليطو، وهو يعود إلى جمع حواراته ولَمِّ إجاباته وأسئلته من جديد. وهي الحوارات التي صدرت أخيرا في كتاب بعنوان “مسار”، يضمّ عشرين حوارا من أصل 100 من الحوارات تقريبا أجراها كيليطو. حوارات تحكي مسار كاتب وقارئ جيّد اسمه كيليطو، يرفض حتى أن نسميه كاتبا أو ناقدا، وهو يصبو إلى أن يكون قارئا جديرا بهذه التسمية لا غير.

حتى عندما يكتب، فما يريده عبدالفتاح كيليطو هو القارئ الجيد، كما يروي ذلك نقلا عن مترجم بورخيس، عن بورخيس أنه قال: “أن تجد قارئا جيدا أصعب من أن تجد كاتبا جيدا”. بهذه العبارة لبورخيس، استهل كيليطو شهادته في الدورة الأخيرة من معرض الكتاب بمدينة الدار البيضاء في يومه الأخير، من الأسبوع الأخير، وهو يقدم كتابه الأخير أيضا؛ “مسار”، الذي جمع فيه حوارات أجراها على مدى 30 عاما تحديدا، من سنة 1984 إلى سنة 2014.


قارئ وكاتب


عن هذه التجربة، وانطلاقا منها، يحذر كيليطو الكتاب والمبدعين من الإفراط في الحوارات، حتى لا يكرروا أنفسهم، بمقدار ما يكرر المحاورون الأسئلة نفسها. هنا يستحضر كيليطو كيف إنه لم ينج في الكثير من الأحيان من السؤال عن سبب اهتمامه بالأدب القديم.

ويعلق كيليطو بأن “من قرأ كتبي لا يمكنه أن يطرح علي مثل هذا السؤال”. ويقول كيليطو إنه كثيرا ما وجد نفسه أمام محاورين لم يقرؤوه، “وهم يعتقدون أنهم سيفهمونك عندما يحاورونك”، يقول كيليطو.

هذا “التحذير الكيليطي” من الحوارات يعود إلى أن الأسئلة تتكرر، لتتكرر معها الأجوبة. بل إن الكاتب إنما يكرر نفسه أصلا، وهو محكوم بالتكرار دائما.

"مسار" يضمّ عشرين حوارا من أصل 100 من الحوارات تقريبا أجراها كيليطو

عن ذلك يقول كيليطو إنه مذ كان صغيرا وهو يقرأ باختين او بورخيس، “كنت اغتاظ عندما أقرأهم لأنهم كانوا يكررون أنفسهم من كتاب إلى آخر، ويكررون أنفسهم ويعيدون ما قالوه من قبل. ومن حينها عاهدت نفسي على أن لا أكرر نفسي”.

ثم يحدثنا كيليطو عن تجربته في كتابه الأول “الأدب والغرابة”، ومدى حضور هذا الكتاب وأفكاره في الكتب الأخرى التي ألفها من بعد، متسائلا “هل كررت نفسي في الكتب الموالية؟”.

يجيب الكاتب بأن الطريقة الوحيدة أمام الكاتب لكي يتجنب التكرار هي “التوقف عن الكتابة”، لأنه “لا يمكن لك أن تكتب إلا إذا كررت نفسك”، يضيف كيليطو.

من هنا ومن أجل عدم الإمعان في التكرار، وحتى لا تتحول حوارات هذا الكتاب إلى نصوص تكرر نفسها، فقد تدخل كيليطو في هذه الحوارات، حيث “لم يكن ممكنا أن أتركها كما هي، احتراما للقراء”.

أما أن تكون كاتبا جيدا، فتلك حكاية أخرى. غير أنها ليست من الحكايات التي تغري عبدالفتاح كيليطو، بل إن كيليطو كما في أحد حواراته يرفض أن يسمي نفسه كاتبا، ويرفض وصفه بالناقد أيضا؛ وهو يفضل أن يكون محللا للنصوص. أي أن يكون قارئا جيدا، كما يخبرنا بذلك. أما أن يكون الإنسان كاتبا فقد يفعل ذلك، غير أنه من الصعب أن يقدّم لنا أدبا.

يحكي لنا كيليطو في هذا الباب عن ملاحظة سمعها أخيرا من امرأة مهتمة بالمقامات، التي كتب عنها كيليطو أطروحته الشهيرة. قالت هذه السيدة وهي تخاطب كيليطو إنه ينبغي التمييز بين الكتابة وإنتاج الأدب، فكل واحد يمكن أن يكتب عن حياته أو عما يريد، أو أن يكتب حتى لا ينسى مثلا. أما إنتاج الأدب فشيء آخر، إنتاج الأدب في ما يرويه لنا كيليطو عن هذه المرأة هو “أن يصير العالم كتابة، وتصير الكتابة عالما”. وبماذا أجبت تلك السيدة؟ يجيبنا كيليطو في النقاش الذي جمعنا به في معرض الدار البيضاء، بأنه لم يجد الجواب بعد، “غير أنه بالفعل، عندما ننظر إلى المؤلفين الكبار، على غرار كافكا وماركيز، فإن عالمهم كتابة، وكتابتهم عالم في حدّ ذاته”.

فمن هو الكاتب الجيّد يا ترى؟ إنه حسب كيليطو، هو “القارئ الجيد”. ويعود الرجل إلى ساحره بورخيس ليردّد ما جاء على لسانه “ليفخر البعض بكتاباتي، أما أنا فأفتخر بقراءاتي”، وهذا هو “سر الإبداع”، يعلق كيليطو.

إنتاج الأدب هو "أن يصير العالم كتابة، وتصير الكتابة عالما على غرار المؤلفين الكبار مثل كافكا وماركيز"


صديق بارت


كما لا يتوقف كيليطو عن الإحالة إلى بورخيس، يظل اسمه مرتبطا أيضا بالناقد الفرنسي رولان بارت. عن هذه العلاقة يقول كيليطو إنه لا يمكن أن ندرس الأدب المغربي دون الإحالة على بارت؛ “مع رولان بارت انطلق النقد الجديد في المغرب”، يقول كيليطو. عندما قدم هذا الناقد الفرنسي إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، حيث درس في موسم 1969-1970. كان كيليطو حينها أستاذا مساعدا في الكلية إلى جانب رولان بارت. ويتساءل كيليطو بدهشة “عندما أحكي بإعجاب عن مجاورتي لرولان بارت في الجامعة، يتمّ النظر إلي أنا بإعجاب، وأصير أنا إنسانا عظيما بدلا من رولان بارت، هل يصح لك؟”.

في تلك الفترة التي يحكي عنها كيليطو، داخل شعبة الأدب الفرنسي، كان الطلبة يتمتعون بجرأة، كانوا مشاغبين ومشاكسين، على حدّ قوله، إلى درجة أنهم واجهوا رولان بارت بالسؤال عن جدوى البنيوية، وكانوا يتحدّون أيضا.

أما عن فن المقامات، والتي اشتغل عليها كيليطو في أكثر من كتاب، يقرّ كيليطو باستحالة أن نحذف المقامات من الأدب العربي. والمقامات عنده هي “ازدهار الأدب العربي وخلاصته”، خاصة مع الحريري. غير أن ما حصل هو أن “الحريري لم يجد مترجمه بعد”.

كما حصل مع ألف ليلة وليلة التي وجدت مترجما بحجم أنطوان غالو. من هنا فإن المقامات بقيت تجلس في غرفة انتظار مترجمها.

كما تنتظر المقامات من يعيد إبداعها وتجديدها، والإضافة إليها، تبعا لرهانات كيليطو. كما يرى عاشق المقامات أن الرواية العربية هي مقامات اليوم، والمقامات هي طفولة الرواية العربية.

وما جدوى الكتابة؟ يجيب كيليطو بأن الكاتب هو من يكتب ويفترض أنه يكتب لقراء يتعاطفون معه. ولا يمكن للكاتب أن يكتب ما لم يفترض وجود قراء يتعاطفون معه، مهما كان عددهم. ولا يقتضي الأمر وجود قراء كثيرين بالضرورة. وهنا لا تصبح للشهرة أهمية في حياة الكاتب. في هذا السياق، يتساءل كيليطو عن عدد قراء ابن خلدون مثلا، وهل كان يكتب كل ما كتبه لأن هنالك قراء كثيرين؟ بخلاف اليوم فإن الكاتب يمكن أن يتعرف إلى عدد قرائه والمتعاطفين معه عن طريق ناشره. لكن ينبهنا كيليطو إلى ما ورد في خاتمة مقامات الحريري، حيث يتحدث الحريري عن اجتماعات كان يعقدها مع بعض المتأدبين، ويشرح لهم ما كتب. ومرة اقترح عليه أحدهم تعديل عبارة معينة وتغيير كلام ورد في إحدى المقامات بكلام آخر، فأجابه الحريري “كلامك أحسن من كلامي، ولكنني لن أغير كلامي، لأنني أجزت 700 نسخة من هذا الكتاب”.

ويختم كيليطو الحديث معه وحكايته بتوجيه نصيحة إلى من يريد تقليده، ويريد أن يكون مثله، بعبارة لم يعد يذكر أين قرأها: “اجعل نفسك بحيث لا تعوّض”، أي أن على الكاتب أن يجعل نفسه شخصا عصيّا على التعويض، أي كاتبا لا يعوّض، مثلما هو عبدالفتاح كيليطو.

15