عبدالقادر الجزائري وعصر الزعماء المومياءات

السبت 2014/05/10
أمير خرج ببلاده إلى العالم بعد أن عرف متى يوقف الحرب

لا مثيل لروح الأمير عبدالقادر في رحلتها من “معسكر”، في الصحراء الجزائرية، إلى أوروبا ثم دمشق، ثم العالم والتاريخ، فقد كان وحده رسالة الجزائر عبر مئتي سنة مرت، رسالة ترسّخ المدنية والتحضّر، مع التمسك بالأصالة والثورة، فتمكن وحده من خوض كل تلك المغامرة، وتخلى عن الزعامة في وقت يتمسك فيه الزعماء بمناصبهم جارّين خلفهم أرجل الشيخوخة والمرض وأمراض الأنظمة المترهلة المتهالكة.

محطات حياة الأمير عبدالقادر واسعة وعديدة، مليئة بالتفاصيل، بدأت حكايته بمولده ولم تنته إلى هذه اللحظة، فقد ولد في قيطنة في العام 1808، وعاش في وهران، متصلا بنسبه إلى الأشراف الحسنيين، وتعلّم في تونس وجامع الزيتونة، وكان والده محيي الدين شيخ الطريقة الصوفية القادرية، وقائدا لسرايا المقاومة ضد المحتلين الفرنسيين، أخذه في رحلة حج إلى مكة، مرورا بالبلاد العربية ومصر والشام وبغداد، وقد طالب الشعب الجزائري الشيخ محي الدين مرات بالحكم، سيما بعد أن تم خلع الحاكم العثماني الداي حسين في العام 1830، ولكنه اعتذر ورشّح ابنه عبدالقادر لتبايعه القبائل الجزائرية على الإمارة في العام 1833، فقالوا له “أنت سلطاننا” ولكنه قال “بل أميركم” وأصبحت قيادة الجزائر كلّها بدءا من تلك اللحظة بيد الأمير ناصر الدين عبدالقادر الحسني”.

تعلّم الأمير عبدالقادر الكثير على يد فقهاء وعارفي الجزائري وتونس، فاطلع على الفكر والفلسفة وفيثاغورس ورسائل إخوان الصفا، وغيرها من ذخائر المعرفة، وحفظ صحيح مسلم والبخاري، وأخذ يدرّسهما لطلبة العلم، وحين تولى الإمارة قال في خطابه الأول:”قد قبلت بيعتهم وطاعتهم، كما أني قبلت هذا المنصب مع عدم ميلي إليه، مؤملا أن يكون واسطة لجمع كلمة المسلمين، ورفع النزاع والخصام بينهم،..وحماية البلاد من العدو، وإجراء الحق والعدل نحو القوي والضعيف، واعلموا أن غايتي القصوى اتحاد الملة المحمدية، والقيام بالشعائر الأحمدية، وعلى الله الاتكال في ذلك كله”.


دولة الأمير عبدالقادر


شاب في العشرينات، عارف ومثقف، يمسك بزمام الجزائر، فلماذا لا يؤسس دولة تحفظ القواعد التي ثبّتها على نفسه وشعبه في خطابه الأول؟ ولهذا ومن أجله أخذ الأمير عبدالقادر يؤسس لتلك الدولة الحلم، فقسّم الأمير الجزائر إلى ثماني وحدات “مليانة، معسكر، تلمسان، الأغواط، المدية، برج بو عريريج، برج حمزة (البويرة)، بسكرة، سطيف”، وبنى مصانع للأسلحة ورفع الحصون والقلاع (تأقدمات، معسكر، سعيدة) وشكّل وزارته التي ضمّت خمس وزارات، ونظّم ميزانية الدولة وفق مبدأ الزكاة لتغطية نفقات الجهاد، ووضع رموز العلم الوطني وشعار الدولة “نصر من الله وفتح قريب”، ونظم الجيش وقسم المهام، وعاشت دولته سبعة عشر عاما متواصلة، وأنشأ لها بحكم ظروف البلاد عاصمة متنقلة هي الأولى في التاريخ، “الزمالة”، فعقدت معه فرنسا اتفاقية هدنة عرفت باتفاقية “دي ميشيل” في العام 1834، واعترفت بدولته، وكتب أحد مؤرخي فرنسا يصف عهد عبدالقادر:”يستطيع الطفل أن يطوف ملكه منفردا، على رأسه تاج من ذهب، دون أن يصيبه أذى”.

بعد مبايعته بدأ الأمير عبدالقادر يؤسس لأول دولة حديثة في الجزائر، فقسم البلاد إلى ثماني وحدات وبنى مصانع للأسلحة ورفع الحصون والقلاع وشكل وزارته التي ضمت خمس وزارات، ونظم ميزانية الدولة، ووضع رموز العلم الوطني فعاشت دولته 17 عاما متواصلة

انهارت بعد أقل من عام اتفاقية “دي ميشيل” وعادت الحرب من جديد، فحقق الأمير عبدالقادر انتصارات كبيرة دفعت بفرنسا لتغيير قيادتها العسكرية، ووصل الجنرال بيجو الذي عقد مع الأمير “معاهد تافنة” في العام 1837، لينشغل عبدالقادر بإصلاح الخراب الناجم عن الحرب الماضية، ويتابع بناء الدولة، ولكن بيجو كان مصرا على القضاء على مشروع عبدالقادر، فنقل شكـل الصراع من حـرب بين فرسان إلى حـرب قذرة استهدفت النساء والأطفـال والآمنين، وتدمير المـدن والقرى، فغادر الأميـر إلى المغرب، ولكنه عاد منه بعد أن قرّر ألا يعرّض بلدا جارا للأذى على يد الفرنسيين، فقرر الأمير عبدالقادر إنهاء الحرب غير المتكـافئة، وعـدم إفنـاء شعبـه، وحقن دماء الأبرياء، واضطر في النهاية للتفاوض مع القائد الفرنسي الجنرال “لامور يسيار” على الاستسلام على أن يسمح له بالهجرة إلى المشرق العربي حيث الإسكندرية أو عكا ومعه من أراد من أتباعه، ووعـده الفرنسيون بذلك فاستسلـم في 23 ديسمبـر من العام 1847.

ولكن الفرنسيين لم يفوا بعهدهم مع الأمير عبدالقادر فنقلته السفينة التي كانت متجهة إلى عكا إلى سجن قلعة آمبواز، فبقي فيه خمس سنوات، حتى أصبح مشكلة أخلاقية كبرى للدولة الفرنسية، التي واجهت الإحراج الكبير من زوار الأمير عبدالقادر في سجنه، وكانوا من كبار الشخصيات ورجال الدين المسيحيين، والطبقة المثقفة.


مع نابليون الثالث


كان ممن زار الأمر عبدالقادر في أمبواز رجل أصبح في العام 1852 إمبراطورا لفرنسا، وكانت قد نشأت صداقة وطيدة بين الرجلين، وهكذا كان لنابليون الثالث القدرة على اتخاذ قرار إمبراطوري بإطلاق سراح الأمير عبدالقادر، فعرض عليه الجنسية الفرنسية وطلب منه الاستقرار في باريس، ولكنه اعتذر واستأذن في الرحيل إلى المشرق من جديد، وغادر بعد أن قضى في باريس وقتا بين سياسيي فرنسا ورجالات الحكم والفن والفكر فيها.

عندما وصل الأمير عبدالقادر إلى استانبول، بدأ السفراء الغربيون بلقائه والتواصل معه، وهو في ضيافة العثمانيين، فشعر أنه سيتسبب بحساسية لدى السلطان، فغادر إلى بورصة، التي كانت تعاني من الهزّات الأرضية، وما لبث أن غادرها إلى دمشق في العام 1855.

وصل الأمير عبدالقادر إلى دمشق، وكان قد طلب أن يكون أول مكان تطأه قدماه هو ضريح الشيخ محيي الدين بن عربي في الصالحية، فزاره واستقر قريبا منه، قبل أن يبني بيوته في العمارة وفي دمر، وبدأ يعيش حياة العلماء والتدريس في الجامع الأموي وفي المدرسة الحقيقية والمدرسة الأشرفية، وأعاد طباعة كتب الشيخ بن عربي على نفقته بعد أن كانت قد اتلفت ومنعت زمنا طويلا، وبدأ عصره في دمشق وفي المشرق العربي، كرجل تأثير وتنوير.


في دمشق وطوشة النصارى 1860


كانت دمشق ونطاقها وصولا إلى بيروت وحلب، مركزا من مراكز التجارة العالمية في القرن التاسع عشر، بفضل ما سمّي بـ”نفط” ذلك الزمان، وهو صناعة الحرير والنسيج، تلك الصناعة التي كانت في أوج ازدهارها في دمشق، ومنها يتم التصدير إلى الغرب والشرق، وقد بدأت بعض البنوك الأجنبية تفتح فروعا لها في حلب ودمشق وبيروت إثر انتعاش الاقتصاد، وكان غالبية صنّاع الحرير والنساجين من مسيحيي القصاع وباب توما والقيمرية، وصارت دمشق تشكل أكبر مركز صناعي لإنتاج الحرير والاتجار به في العالم، بالإضافة إلى صناعة بقية أنواع الأقمشة والمنسوجات.

اختار الأمير عبدالقادر الابتعاد عن زج الأبرياء في الحرب، فقرر حقن دماء مواطنيه وعدم توريط المغرب في صراع غير متكافئ مع الفرنسيين، وأعلن استسلامه ووقف الحرب

وهذه النهضة الصناعية كانت تتطور وتواكب آخر التطورات التقنية الصناعية العالمية في ذلك الوقت، أي نظام الجاكار الميكانيكي الذي كان أول من أدخله إلى دمشق في خمسينات القرن التاسع عشر “الصناعي حنا بولاد وأخوته المشهورون بإنتاج “حرير البولاديّة”، الأمر الذي توجّب تدميره بأية صورة كانت، فكان الحل دفع هؤلاء إلى الهجرة، ولم يكن صعبا افتعال حرب أهلية طائفية لأسباب سخيفة، يتم تضخيمها في ما بعد، لتؤدي الغرض، فاندلعت أحداث دامية بتغذية من الفرنسيين والبريطانيين، في لبنان بداية ستينيات القرن التاسع عشر، وامتدت إلى دمشق، وكانت أطرافها الدروز المسلمون من جهة والمسيحيون من جهة أخرى، ولكنها سرعان ما توسّعت، وقد طالب الباحث إلياس بولاد في محاضرة مطبوعة ألقيت في شتاء العام 2006 في قاعة محاضرات بطريركية الروم الكاثوليك في دمشق، في مقدمة الكتاب الذي ترجمه إلى اللغة العربية وكان بعنوان تاريخ الفنون والصناعات الدمشقية “تأليف توفيق يوسف بولاد المتخصص بالتاريخ”: بدراسة تلك الحوادث بتعمق، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، لأن معظم الكتب التي تناولتها غالبا ما قامت بعرض توصيفي للأحداث والمذابح بتفاصيلها اليومية والواقعية من الناحية الطائفية فقط، حيث لم يتعرض أحد حتى الآن في بحث تحليلي لأسبابها الخارجية والحقيقية، وأبعادها الدولية والاقتصادية، وإن أشار بعضهم بصورة سطحية عابرة تفتقد للبحث العلمي إلى وقوف قوى خارجية طامعة وراء الأطراف المتنازعة”. وورد في قاموس “الجغرافيا القديمة والحديثة” المطبوع في باريس عام 1854 تأليف ميساس وميشلو إصدار مكتبة هاشيت، حول مدينة دمشق:”أنها المدينة الأكثر أهمية والتي تأتي في المرتبة الأولى في الصناعة في الشرق كله، فقد أعطت اسمها للمنسوجات الحريرية، والتي يأتي الغرب للبحث عنها وشرائها.

كما أنها تتاجر بالأسلحة الفولاذية ذات النصال القاطعة، وتتاجر أيضا بالأصداف وأنواع متعددة من الحرير، وماء الزهر، كما تمر بها القوافل إلى حلب وبغداد وتتجمع فيها قوافل الحجاج” وقال “ألفريد مارتينو” في كتابه التجارة الفرنسية في الشرق 1902: ”إن فرنسا كانت تستورد كامل الكمية الفائضة من إنتاج ورشات الحرير المحلية بدمشق وذلك بعد تلبية هذه الورشات لحاجة الأسواق المحلية، وحاجة تجارها”، وجاء في كتاب “لفرانسوا بيرنو، طرق الحرير، إصدار أرتيميس”: “أُصيبت صناعة الحرير في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر بكارثة كبيرة، فقد أصاب مرض خطير دودة الحرير فيها، وكذلك أصاب المرض نفسه دودة الحرير في الصين في وقت كانت فرنسا تستورد نصف حاجتها من الحرير الصيني عن طريق وسطاء تجاريين دمشقيين، فارتفعت أسعار الحرير بشكل جنوني في السوق العالمية.

ويقول المؤلف إن فترة الأزمة امتدت من عام 1845 إلى عام 1869، مما أثر على أسعار الحرير المستورد إلى ما بعد افتتاح قنال السويس عام 1869 لاحتكار فرنسا تجارة الحرير بحكم سيطرتها على القنال، بحيث انتقل هذا الارتفاع في الأسعار إلى أسواق أوروبا كلها، كما زاد الطلب على هذه المادة خلال الحرب العالمية الأولى في الأسواق الخارجية، وكان دافعا إضافيا لفرض الانتداب على سوريا ولبنان كمنتجة أساسية لهذه المادة، وكمنطقة استراتيجية تتحكم بطرق التجارة العالمية.

أما فرانسوا لونورمان، فيروي كيف أنه زار القرى اللبنانية التي أتت عليها الحوادث، حيث زار قرية حمّانا اللبنانية ولاحظ بأنها قد دُمِّرت بالكامل ما عدا مبنَيين لاستخراج خيوط الحرير، وعندما سأل الحرس الموجود على مدخلهما: “لماذا لم يلحق بهما أذى، في حين أن جميع المباني الأخرى قد أُحرقت، جاءه الجواب بأن ملكيتهما تعود لرجل فرنسي يدعى السيد “بيرتران” وقد جاءتنا الأوامر بألا نتعرض لهما”.

وكان دور الأمير عبدالقادر في تلك الأحداث هاما ومحوريا، فقد قام بحماية المسيحيين، وآواهم في بيوته، وخرج على رأس حملة عسكرية إلى منطقة رياق، لمنع تقدم الفرنسيين الذين أعلنوا أنهم قادمون لحماية مسيحيي دمشق، وهددهم بالعدول عن معاهدة الهدنة في الجزائر، وقال إنه سيعود إلى بلاده ليحاربهم من جديد إذا ما تقدموا عسكريا، ثم قام بمنع المسيحيين الدمشقيين من الهجرة، بعد أن عرضت عليهم فرنسا وبريطانيا أن يتم ترحيلهم عبر البحر إلى فرنسا والجزائر ليواصلوا مهنتهم في صناعة الحرير.

كانت لدى الأمير عبدالقادر تطلعات لإعادة طريق الحرير، وتحقيق حلمه الذي انهار في الجزائر، فتوسط لدى السلطان العثماني الذي منح لفرديناند دي ليسيبس ترخيص حفر قناة السويس، وتم تنفيذ المشروع ودعي الأمير عبدالقادر مع ملوك وأمراء العالم من قبل الخديوي إسماعيل لحضور حفل الافتتاح في 16 نوفمبر من العام 1869

وتم تكريم الأمير عبدالقادر على دوره في إطفاء الفتنة الأهلية، وإيقاف الحريق، ومنح أرفع الأوسمة الإمبراطورية والملكية وكتبت صحافة العالم عنه ونشرت له “نيويورك تايمز” مقالاته في حينها.


أهم مشاريع المشرق المدنية


وصل أحد المهندسين الفرنسيين إلى دمشق، في زيارة خاصة للقاء الأمير عبدالقادر، وكانت معه مخططات لمشروع حضاري هام أمل أن يساعده الأمير بتنفيذه. وكان المهندس فيردنيناد دي ليسيبس يحمل مشروع حفر قنال السويس، وكانت لدى الأمير عبدالقادر تطلعات لإعادة طريق الحرير، وتحقيق حلمه الذي لم يتحقق في الجزائر، فتوسط لدى السلطان العثماني الذي منح لدي ليسيبس ترخيص حفر القنال، وتم تنفيذ المشروع ودُعي الأمير عبدالقادر مع ملوك وأمراء العالم من قبل الخديوي إسماعيل لحضور حفل الافتتاح في 16 نوفمبر من العام 1869.


الزعامة في الواقع والتاريخ


اختار الأمير عبدالقادر الذي توفي بدمشق في العام 1883 ودفن كما أوصى قرب الشيخ محي الدين بن عربي، ثم تم نقل رفاته إلى الجزائر بعد استقلالها، أن يحتل مركز زعامة يصعب محوه، رغم كل المحاولات التي مارستها حكومات الجزائر الحديثة المتعاقبة، لإبعاد أسرة الأمير عن العمل السياسي، ولكن إرث عبدالقادر الجزائري مستمر في التأثير والفعل، وإن كثر الحديث عن اتجاهه الفكري، والاتهامات المختلفة له بالماسونية وغيرها، مع العلم أن الفرماسونية لم تكن في القرن التاسع تهمة، بقدر ما كانت تجمّع طبقة أو نخبة ضمّت كثيرين من علماء النهضة في العالم. فبقي الأمير عبدالقادر مقدرا وجليلا من العرب والعالم، للأدوار التاريخية التي لعبها، سواء في حربه مع أعدائه أو في علاقاته مع أصدقائه وفضائه العربي والإسلامي والعالمي.

12