عبدالقادر بدر فنان ليبي متوسطيّ الهوى لونا وشكلا

الفنان التشكيلي الليبي يشكل بالتجريد بحور أمنيات ورموز.
الجمعة 2020/09/11
سلاسة الجمع بين أصالة الزخرف العربي والتجريد

على صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يستعرض الفنان التشكيلي الليبي عبدالقادر بدر بين الفينة والأخرى لوحة من لوحاته المشبعة بالدلالات والرموز، لوحات تعجّ بألوان ترابية وأخرى حارقة وثالثة باردة، أو بعبارة أدق، فاترة، وفق تكوينات جمالية مترابطة ومتناسقة لتغدو وكأنها لوحة واحدة، وما هي كذلك مطلقا.

يعدّ الفنان التشكيلي الليبي عبدالقادر بدر واحدا من أنشط الفنانين التشكيليين ببلده وهو العصامي التكوين رسما، المتوسطيّ الهوى لونا وشكلا، إذ لا يكاد يمرّ يوم دون أن يوشّح صفحته الخاصة على فيسبوك بلوحة من إنجازه.

لوحات يحضر فيها، اللون الأزرق في تدرّجه اللوني بين الأبيض الجيري والأصفر الترابي المخضّب بحمرة الحناء الأمازيغية والأزرق اللازوردي في إحالة إلى بحر صاخب الحركة لا يكاد يُرى على سطح اللوحة، في حين يُسمع لطم موجه صوتيا وتُرى أسماكه بصريا.

عن السرّ وراء ذاك الحضور الدائم للأسماك والمراكب في لوحاته، يقول الفنان الليبي مجيبا عن سؤال “العرب”، “الأسماك تعتبر من الرموز والدلالات في الفن الشعبي العربي والليبي خاصة، وتوجد بكثرة في السجاد وزخرفة النسيج في الوطن العربي، وفيها رمز الوجود المتجدد وعلامة من علامات الرزق الوفير والخصوبة، وهي في الغالب تعتبر تعويذة وفألا حسنا لحاملها”.

ويُضيف “أعمالي متعلقة بلوحات البحر وبمشاهد البحر والقوارب ومعاناة الصيادين واهتمامهم بقواربهم وأعمال صيانتها، وذلك راجع ربما أيضا لاهتمامي الشخصي برياضة البحر والشراع وممارستي لها لفترة طويلة حتى يومنا هذا”.

دلالات وإيحاءات

قوارب حلم مسافرة إلى أوطان بديلة
قوارب حلم مسافرة إلى أوطان بديلة

بعيدا عن البحر ورموزه تحضر العمارة بزخارفها الضاربة في أعماق التاريخ البربري والعربي على السواء. قلاع ومبان ومساجد وأقواس وأبواب، تظهر حنكة عبدالقادر بدر الفنية في الجمع بين أصالة الزخرف العربي والمدارس الفنية الغربية كالتجريدية والتكعيبية، لتبدو رسوماته تعبيرة جمالية مخصوصة له دون سواه.

رسومات قال عنها التشكيلي العراقي يوسف الناصر “يحاول بدر أحيانا تأكيد شكل ما، باب أو سياج، أو شجرة، لكن حساسية المتلقي المُتعاطفة تنسب ذلك دائما إلى زيادة في كرم الضيافة وجد طريقه إلى بناء اللوحة دون عسف أو إخلال بوحدة سطحها أو بنيتها”.

ويُضيف “ها هنا بيوت، قباب، نوافذ، زخارف، أبواب، وسعف نخيل وأشياء أخرى، هيئات اقتصّت منها الحياة فشذبتها وعمل فيها مقص الزمن، هل تواردت هكذا في ذهن وعواطف الرسام مجتزأة ومبتورة؟ أم أنه رسمها أولا كاملة صريحة ثم تتبّع خطى زمانه محوا وإزالة وتقطيعا؟ هل كانت تلك الأشكال هنا قبل أن يصطحبنا الرسام معه في رحلته الشيّقة المُربكة؟”.

هذه الأسئلة مجتمعة ربما تُجيبنا عنها لوحات عبدالقادر بدر التي أنجزها بضوء مغاربيّ حارق، سواء في وطنه الأم ليبيا أو من خلال زيارته الفنية المتكرّرة لتونس والمغرب، كأنه يجعل من فرشاته وألوانه وسيلة لتوثيق الموروث الثقافي المغاربي، والإضافة عليه دون تقليده، وهو الذي يرى أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال الحفاظ على القديم دون تجديده.

ويقول مؤكّدا “من خلال اهتمامي بالعمارة القديمة في ليبيا وشمال أفريقيا والمغرب العربي بهرتني العمارة الإسلامية وزخارفها المميزة كثيرا، ومدى قدرتها على التفرّد والإبداع وإظهار القيم الجمالية الأصيلة لتراثنا البصري والمعماري من قلاع ومبان ومساجد وأقواس وأبواب، علاوة على جمال طبيعتنا المتوسطية وسطوع ألوانها التي أثرت في مخيلتي، فاستلهمت منها الكثير من لوحاتي التجريدية والتكعيبية التي أنجزتها داخل ليبيا وتونس والمغرب”.

وسائط متعدّدة

السمك رمز للوجود المتجدد
السمك رمز للوجود المتجدد

هذا الاشتغال الجمالي لبدر على المعمار الإسلامي بأقواسه وقبابه، خاصة، يُحيلنا بشيء من رجع الصدى إلى تجربة التشكيلي التونسي الراحل نجيب بلخوجة، فهل تُراه تأثّر برسّام “المدن العائمة”، إن صحّ التوصيف؟

لا يُخفي بدر تأثّره ببلخوجة، الذي يراه مرجعا أساسيا في الأعمال التجريدية لكل فناني الوطن العربي، ورغم ذلك يقول “لكنني من أشدّ المتأثرين بفناني تونس الكبار أمثال الهادي التركي والحبيب بيدة ونجا المهداوي، حيث لم تكن عندنا في ليبيا الكثير من المجلات والكتب الخاصة بالفنون التشكيلية، فأنا باختصار فتحت عينيّ في المرسم الجامعي في نهاية الثمانينات على أعمال الفنانين المذكورين آنفا، كما تشرّفت بحضور بعض مشاركاتهم في ليبيا”.

ويُؤكّد “تطوّرت ألواني وأعمالي التجريدية مع بداية سفري إلى تونس ومشاركتي في معظم ملتقياتها المعروفة، تحديدا منذ العام 2010 بمهرجان المحرس الدولي، واختلاطي هناك بالكثير من الفنانين من تونس وخارجها”.

بين الكولاج والمسح والخدش تتشكّل في لوحات بدر أضواء وظلال تمنح منجزه الفني بُعدا حركيا يُخفي أكثر ممّا يُظهر، مُستنهضا همة المُشاهد لتأويل ما تُبصره عيناه فيُكمل عنه الحكاية ورموزها.

وعن كل ذلك يقول الرسام الليبي لـ”العرب”، “الحركة هي العنصر الذي يؤثّرُ في متابعي العمل الفني، وهي تشمل حركة الخطوط والألوان، وأعمالي التجريدية تعتمد على الأشكال في اللوحة مع استخدام الكثير من الوسائط المتمّمة للون والشكل كالكرتون المموّج وأوراق المجلات والمناديل الورقية، والمسح والخدش يأتيان من أجل إبراز التفاصيل وحركة السطح، وذلك ما يميّز سطوح العمل الفني ويجعلها واضحة للمُشاهد، حيث استعمال الكرتون المموّج والألوان والخامات المختلفة يحدث ظلالا وإضاءات قد لا يمكن تحقيقها في السطح الأملس، وهذه الحرية لا يحقّقها إلاّ فن التجريد، وهو الذي يجعل أي عمل فنيّ أكثر عمقا وحلما أيضا”.

عبدالقادر بدر: أعمالي التجريدية تعتمد على الأشكال أساسا مع استخدام الكثير من الوسائط المتمّمة للون والشكل
عبدالقادر بدر: أعمالي التجريدية تعتمد على الأشكال أساسا مع استخدام الكثير من الوسائط المتمّمة للون والشكل

ويسترسل “في أعمالي الأسماك تعانق السماء وتطير، وهي تُضفي على العمل التشكيلي شحنة تعبيرية تعزّز وضعنا الحالي في ليبيا، فنحن شبه معزولين عن العالم الخارجي، لا نستطيع السفر إلاّ إلى بعض الدول المجاورة وسط تحدي مشاركتنا الفعلية إنسانيا وجماليا في هذا العالم الكبير”.

هكذا هي لوحات عبدالقادر بدر التجريدية، استلهام من عمق تجربته المُسافرة بين الضوء المغاربيّ الوضّاء دائما، مجسّدة في رسوماته المعمارية الزخرفية الإسلامية المتداخلة لونا وشكلا، وبين الضوء المتوسطيّ الساطع والناصع أبدا، التي تصوغها بحرارة اللون والمشاعر، أيضا، أسماكه وقواربه الموزّعة على سطع “اللوحة/ البحر” الحالمة بوطن قادر على احتضان كل الليبيين وسط عالم أكثر إنسانية وجمالا.

17