عبدالقادر بنعلي: أقاوم الإرهاب بالطبخ

الأحد 2014/12/07
عبدالقادر بنعلي: يتهمونني بأنني أكتب للنخبة

هو واحد من أشهر الكتاب الهولنديين، أصدر ما لا يقل عن 20 رواية، وفاز بجائزة ليبريس، وهي أكبر جائزة أدبية هولندية، وقدم برامج تلفزيونية تهتم بالأدب والثقافة على القناة الثانية الهولندية، عبد القادر بنعلي، من أصول مغربية، ولد ببلدة أعزانن في إقليم الناظور بالريف شمال المغرب. مواليد 25 نوفمبر 1975.غادر المغرب في سن الرابعة مهاجرا رفقة أسرته إلى هولندا. أصدر منذ شهر تقريبا كتابا عن الطبخ… نعم الطبخ، وهو ما اعتبره البعض حركة سوريالية، ورسالة للكاتب بأن ينأى بنفسه عن إشكالات المرحلة الراهنة.

في مستهل حديثه يتحدث عبد القادر بنعلي عن كتابه عن المطبخ المغربي، يقول: “ألّفت الكتاب عن الطبخ وعن الأشياء البسيطة التي تربينا عليها ونطبخها كل يوم في البيت. الطبخ جزء من الهوية العربية، في القرنين الـ13 و14 كان العرب في بغداد، وحلب والأندلس يصدرون كتب الطبخ للعالم. ومعروف للباحثين أن أكبر عدد من كتب الطبخ صدر بين القرنين الـ10 و14، وهي فترة ازدهار الحضارة العربية. “الطبخ ذكريات، “الطاجين” و”الكسكس” و”البقولة” معالم ثقافية تماما كجامع الفنا، ومساجد فاس. كتبت هذا الكتاب حول ذاكرة المعدة، لأدون نوعا من الجينيولوجيا، جئنا من الريف المغربي والطبخ رحلة للعودة إلى هذه المنطقة”.

لا أهتم لمن يقول لماذا يكتب كاتب في حجمك، له أكثر 20 إصدارا، ويعد برامج تلفزيونية ثقافية وحائز على جائزة ليبريس، أكبر جائزة أدبية هولندية، عن الطبخ. ولا بمن يتساءل لماذا تكتب عن الطبخ في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البشرية، لست معنيا يما يتوقعه القارئ مني.

ويضيف قائلا: “في الغالب أكتب لأجيب عن أسئلة تراودني، فكرت كثيرا في سؤال: لماذا نأكل هذا النوع من الأكل بالذات؟ وبهذه الصورة المكثفة. وراء الأكل توجد الكثير من الحكايات والذكريات، وهي نوع من الأدب. الأكل ليس ممارسة جسدية فقط، هو ممارسة فكرية أيضا”.


كتاب شتات


يقول البعض: ما هذه السوريالية المضحكة؟ العالم يغلي وأنت تكتب عن الطبخ، هل هو هروب متقصد؟ عن هذه المسألة يقول بنعلي: “لا يهمني ما يحدث في سوريا والعراق، المنطقة في حرب منذ ولادتي إلى الآن، لا شيء جديدا. ما يهمني أكثر هو رحلة العودة إلى الذات والتركيز على تجربتي الإنسانية. لأن معرفتي بنفسي توفر لي فرصة أفضل للتواصل مع الآخر، وفهمه. الطبخ أفضل طريقة لمعرفة جذورنا، ولو طرحنا سؤال، لماذا يتوجه الشباب للإرهاب في الشرق الأوسط، لوجدنا جزءا كبيرا من الإجابة في المطبخ. والحل أيضا يكمن في المطبخ. الطبخ سلاح ضد الإرهاب”.

التفسير الذي لديّ هو أن الشباب لا يعرفون هويتهم، وإذا أردت أن تعرف من أين جئت عليك أن تتذوق مطبخك

ويتابع قوله: “التفسير الذي لديّ هو أن الشباب لا يعرفون هويتهم، وإذا أردت أن تعرف من أين جئت عليك أن تتذوق مطبخك. يصدر كل يوم كتاب تافه عن العنف، وتفسيرات وقراءات متعددة لما يجري، أنا أكتب كتابا عن الطبخ، وأراهن على نتائجه أفضل من هذه الإصدارات.

أتابع ما يحدث في العالم العربي كطفل، وليس كخبير أو كاتب، أو محلل. أرى ما يحدث وأتعامل معه بحواسي وانفعالاتي. أعرف كثيرا من كتاب سوريا وفلسطين، يعيشون في شتات ويؤلمني وضعهم. لكن الشرق الأوسط بعيد عني جدا ككاتب. ما هي علاقتنا بالتشدد والعنف؟ لا شيء، ولا أفهم كيف يذهب الشبان من روتردام الهولندية إلى سوريا ليقاتلوا مع داعش، والمتشددين؟ هذا جنون حقيقي لا أريد أن أتورط فيه ولو فكريا.

أخاف على أدباء ومبدعي العالم العربي من الشتات، ألتقيهم في دول أوروبية مختلف. الدول التي يخلو منها الكتاب والمبدعون يستوطنها التطرف، وداعش. شتات الكتاب لم يبدأ مع داعش، بل مع الحكام العرب الذين كان همهم محاربة المبدعين، وأوجدوا بالتالي أرضية للتطرف.

توجه لي أسئلة يومية من قبل الهولنديين حول هذه الظواهر، لا إجابة لديّ، رغم أنني عايشت الحرب شخصيا، حرب تموز وأعرف ما يحدث بالضبط خلال الحرب، وأستطيع أن أصف ذلك، لكن لا أدعي امتلاك الحل، ولا أريد أن أفكر في الحلول.

يطلبون مني الحل، يقولون: أنت من هذه المنطقة، تفهم عقلية المنطقة وتاريخها، ولديك الحس التحليلي فما هو تفسيرك لهذا الكابوس؟ يضحكني هذا السؤال، لأنني ببساطة لا أملك حلولا، ولا أشغل نفسي بالتفكير فيها.

مشكلة الشرق الأوسط، في كلمتين، هي البترول، والتدخل الأجنبي. إيران والسعودية تتحاربان على أرض سوريا والعراق، هذا كل شيء. حرب داعش وسوريا، وحرب التطرف ضد الليبراليين أغطية لهذا الصراع ليس أكثر. إنها حرب الوهابية ضد الشيعة والعكس، هذه حرب ممتدة جذورها في التاريخ وتصطبغ كل مرة بصبغة مختلفة.

المشكلة الآن أن الإعلام يركز على المتشددين والإرهابيين والمسافرين إلى سوريا للجهاد. ليسوا مهتمين بالكتّاب مثلي.

وعن فهم الغرب للإسلام، يقول: “أنا لا أعرف الإسلام، ولا هو مفهومه لأقيّم رؤية الناس له، لا أحب أن أدخل في حوار ديني، وليس لديّ ما أضيفه في هذه النقطة. هذا حوار عقيم، لا أريد الدخول فيه. تطرح أسئلة من قبيل هل أنت مع أم ضد؟ هذا جدل أيديولوجي، لا أرغب أن أكون طرفا فيه”.

بنعلي: الكاتب لا يجب أن يقع في فخ الطائفية والهوية


يكرهون شعوبهم


فشل الربيع العربي تماما، حتى في تونس لا يمكن أن نقول إنه نجح، رغم ذلك يبقى النموذج التونسي هو الأفضل، مشكلة العالم العربي أنه يبحث عن الديمقراطية قبل أن يوفر الغذاء والعمل لشبابه، لا يمكن أن تستقيم الديمقراطية قبل توفر هذه العوامل الأساسية لترتكز عليها.

الشباب العربي ضائع وليس لديه أيّ مكانة في المجتمع. الديمقراطية مرهونة بوضع الشباب الاقتصادي، والتوعية لا تأتي من البطون الخاوية. الأنظمة التي جاءت بعد ما يسمى بالربيع العربي كررت نفس أخطاء الماضي وهمشت الشباب. القادة في الدول العربية يحكمون شعوبا يكرهونها.

أما داعش فهي ظاهرة صغيرة لن تستمر، العالم يتحدث عن داعش، إنها فقاعة، تحركها دول معينة، ربما السعودية، ربما إيران، وسيوقفون دعمهم لها في اللحظة التي تبدأ في التحرر والفكاك، لينتهي أمرها.

ككاتب أركز على الكتّاب، عالمي ضيق ولا أريده أن يتسع، لن أكتب كلمة واحدة عن داعش، أكتب عن طنجة مثلا، أضيّق عالمي حولي عن قصد، لأن الذي يهمني هو التجربة الشخصية والفردية، أما أن أكون تحت تأثير الأحداث والمستجدات فهذا لن يحدث. نستطيع أن نناقش مشاكل العالم كل لحظة، لن نغيرها إلا إذا غيرنا مستوى الوعي، وهذا لا يحدث إلا بالعودة إلى الجذور والتجربة الذاتية.


فكرة الهوية


لا توجد في الوقت الراهن علاقة بين الغرب والعرب، العلاقة فشلت، وحوار الشرق والغرب في طريقه إلى الاندثار. أميركا تتحدث عن سوريا والعراق وكأنها دول خلقت البارحة، المشكلة الحقيقة تكمن في الحكام العرب الذين يتملكهم حب السيطرة والمال. لن يتركوا مصالحهم للشعب. أما الغرب فلديه مشكلة واحدة، وهي ألا يدع الحزب الإسلامي يسيطر على كوكاكولا وشيل، وغيرها. التعاون بين العرب والغرب الآن هول لتأمين المصالح، غير ذلك العلاقة مبتورة.

تستطيعون أن تصفونني بأنني كاتب مغربي، أو هولندي أو عربي، أو أمازيغي، كلها جيدة بالنسبة إليّ، لكن في الحقيقة أنا لا أكتب بذهنية مغربي أو هولندي، أكتب بذهنيتي الخاصة. نحن عرب الغرب لدينا مشكلة حقيقة حين نتحدث عن أنفسنا كمستشرقين.

ابن خلدون وابن بطوطة كانوا يكتبون بالعربي لأنها كانت لغة التواصل، العربية الآن لم تعد لغة للتواصل. يتحدث الآن عن كتاب اللغة العربية كأنهم “تنظيم سري” أو “خلية”، هذا جنون. ليس لدي مشكلة مع أي جنسية، الكاتب لا يجب أن يقع في فخ الطائفية والهوية. أكتب لقتل أي فكرة نمطية عن الهوية.

أشهر كتبي على الإطلاق هو عن العدو الريفي. ليس له علاقة لا بالهوية ولا بالثقافة، رغم أن كتبي ورواياتي تزيد عن 20.

أحب الإشكالات التي أكتب فيها هي الشد أو الصدام بين الفرد والمجتمع، معركة الفرد مع المجتمع، الفرد يخوض باستمرار معركته ضد المجتمع. لديه فكرة فوقية عن المجتمع، لكن المجتمع يفوز دائما. في نظري يستحق الفرد أكثر احتراما من المجتمع، الفرد لديه فكر لكن المجتمع يتحرك كآلة جماعية، المجتمع لا يغير، الفرد هو الذي يصنع التغيير.

قيمة الفرد تكمن في فكره وحسه الإنساني، المجتمع لا يفكر، يقلد، ويكرر التاريخ. الفرد يستطيع أن يخرج عن هذه الدائرة ويجدد ويطور، ورغم أن هناك اعتقادا أن الفرد مقدس في الغرب، فهذا ليس صحيحا، ربما أفراد يختارهم، وفق طاعتهم لماكينة المجتمع، لكن الفرد كفكر وكثيمة، لا. بطلي دائما فرد حر، الفرد الذي يعاني في كل الثقافات.

قيمة الفرد تكمن في فكره وحسه الإنساني، المجتمع لا يفكر، يقلد، ويكرر التاريخ، الفرد يستطيع أن يخرج عن هذه الدائرة ويجدد ويطور


صوت الروح


يتهمونني بأنني أكتب للنخبة، لا أعارض هذا الاتهام ولا أنفيه، إذا عرفني واحد من كل 5 آلاف مثقف، سأكون مكتفيا. لا أفكر أن أكتب أدب العامة، لأنني لا أكتب من أجل بلوغ القارئ، أكتب لنفسي ومن قناعاتي، لا أهتم بالقارئ، ولا أعرف من هم قرائي، ولا ماذا ينتظرون مني، فكرة القارئ الوفي أيضا فكرة غبية، هذا يعني أن الكاتب حشر نفسه في ذائقة أدبية معينة. لكن أنا متأكد من أنه لو ترجمت كتبي للعربية فسيكون لها وقع كبير، وسيحبها القارئ العربي لسبب بسيط هو أنه سيجد نفسه فيها، ولأنه قارئ ذكي ويعدّ من أفضل القراء.

التقيت مرة أحدهم في حمّام تركي فشرع يحدثني عن أحد كتبي. القارئ العربي يقرأ الأدب بوصفه صوت الروح، نابع منها ويتكلم بما يخالجها، لكن القارئ الغربي يقرأ الأدب للاستمتاع، وبوصفه “إنترتاينمنت”، الكتاب بالنسبة إليه لا يختلف كثيرا عن فيلم هوليوودي أو مسلسل مشهور، يتوقع أن يطربه الكاتب ويلبي لديه احتياجات معينة، وبالتالي يتحول الكاتب إلى لاعب سيرك، ينط ليجعل القارئ يضحك ويستمتع. لكن الكاتب العربي يقرأ ليفهم، ليتنور، ليتعلم، وهذا تعاط مختلف مع الأدب والفكر. القارئ العربي رومانسي ويقرأ من أجل لقاء روحي مع الكاتب.

اشتريت شقة في طنجة تكريما لمحمد شكري، وابن بطوطة، هؤلاء هم كتّاب طنجة، أحب الثقافة الأم، وتواصلي معها تواصل فكري وعاطفي في آن، ككاتب أستفيد كثيرا من المغرب. رسالتي في كل ما أكتبه هي: جرّب الحياة، اِلعب أكثر من دورك، لا يوجد دور على مقاسك ودور على مقاس غيرك. الحياة كلها على مقاسك.

15