عبدالكريم الخطابي البربري الذي ابتكر حرب العصابات

الأحد 2014/05/18
الخطابي زعيم رفض المساعدة الخارجية مكتفيا بكفاح الشعب

يمكن القول إن كتاب محمد أمزيان: “محمد عبدالكريم الخطابي: آراء ومواقف 1926- 1963” هو من أهمّ المراجع التي تضيء المراحل الأساسية في سيرة بطل “الريف”، الزعيم البربري الذي ابتكر حرب العصابات. وكان عبدالكريم الخطابي (1882- 1963 ) لا يزال شابّا يعيش في مدينة مليلة التي كانت ولا تزال خاضعة للاحتلال الأسباني عندما اكتشف عنف الحضارة الغربية في شكلها الاستعماري البشع.

وعن ذلك قال: “لم أعتبر يوما أن الحضارة الغربية غاية السعادة والاستقرار. وكنت كلّما ازداد احتكاكي بالأسبان والأوروبيين بصفة عامة، ازداد إيماني بأنهم يعيشون في حلم الاستعمار والاستغلال للغير واستعباده فأزداد بعدا عن حضارتهم، وعن كلّ ما يسمّونه بالتقدم والرقي الذي يسخّرونه لمصلحتهم دون بقية الإنسانية”.

وخلال العشرينات من القرن الماضي، خاض عبدالكريم الخطابي، أو “رقايذ محند” كما يسميه أهل منطقة الريف بالشمال المغربي كفاحا مسلّحا ضد فرنسا وأسبانيا بسبب احتلالهما لبلاده مظهرا وأنصاره وفاء وطنيّا عاليا، وقدرة قتالية سوف تبهر في ما بعد العديد من الحركات الوطنية في العديد من البلدان المولّى عليها.


أساليب الحرب


بل سيتعلم منها الشيوعيّون الصينيّون، والشيوعيّون الفيتناميّون الكثير من الدروس، وسيستخلصون منها الكثير من العبر. ويذكر محمد أمزيان في كتابه آنف الذكر أن وفدا فلسطينيا فوجئ لما زار بيكين عام 1971 بالزعيم الصيني ماو تسي تونغ يقول لأعضائه مجيبا عن سؤال يتعلق بأساليب الحرب الشعبية: ”جئتم تريدون أن أحدثكم عن حرب التحرير الشعبية في حين يوجد في تاريخكم القريب عبدالكريم الخطابي الذي هو أحد المصادر الأساسية التي منها تعلمت الكثير”. وليس ذلك بالأمر الغريب، فعبد الكريم الخطابي ترك كما يقول محمد أمزيان ” تراثا زاخرا بالتجارب والدروس”. وكانت له “الريادة في تطبيق فنون قتالية لم تكن مألوفة مثل استحداث فرق المهمّات الصعبة “الكومندوس”، وحرب العصابات، وتنظيم الجيش الشعبي القادر على خوض أطول المعارك بالاعتماد على التمرين الذاتي”.

نقل وفد فلسطيني زار بيكين في العام 1971 والتقى بالزعيم الصيني ماو تسي تونغ قوله لأعضاء الوفد مجيبا عن سؤال يتعلق بأساليب الحرب الشعبية: «جئتم تريدون أن أحدثكم عن حرب التحرير الشعبية في حين يوجد في تاريخكم القريب عبدالكريم الخطابي الذي هو أحد المصادر الأساسية التي منها تعلمت الكثير»


الأسلحة الكيميائية


غير أن فرنسا وأسبانيا تمكنتا من إخماد ثورة الريف عام 1926 مستعملتين في ذلك أشدّ الأسلحة دمارا وفتكا بالطبيعة والإنسان بما في ذلك الأسلحة الكيميائية المحرّمة دوليّا. عندئذ أجبر عبدالكريم الخطابي على الانتقال إلى مدينة فاس بصحبة عائلته ليوضع تحت الحراسة المشدّدة في حين كان الفرنسيّون والأسبان يبحثون في باريس مسألة تقرير مصيره. وفي نهاية شهر أغسطس- آب من العام المذكور أرسل بصحبة أفراد عائلته، وبعض من أنصاره إلى جزيرة “لارينيون” الواقعة في المحيط الهندي، شرق جزيرة مدغشقر ليمضي هناك 20 عاما ذاق خلالها عذابات المنفى، ومرارة أهواله. ومع ذلك وجد الفرصة لـ”دراسة تجارب الآخرين، وتتبع آثارهم، ومسيرة حياتهم” كما أنه قرأ مذكرات مصطفى كمال أتاتورك الذي أصبح من القادة المفضّلين لديه. وقد قال في ذلك: “لقد زادتني قراءتي لمذكرات الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك إعجابا به، وببعض جوانب عظمته، وسياسته الإصلاحيّة العامة في خطوطها العريضة”. وفي المنفى التقى عبدالكريم الخطابي البعض من الفيتناميين الذين سيقودون في ما بعد النضال المسلّح ضدّ الاستعمار الفرنسي. وسعيا منه لدراسة تجارب كبار المناضلين في البلدان المستعمرة، درس تجربة الزعيم الهندي الماهاتما غاندي الذي كان قد تتبع مسيرته عندما كان شابا في مليلة. وقد ازداد إعجابا به لمّا تخلّى عن ملابسه الإفرنجية، واتخذ مغزلا يدويا لينسج ملابسه بنفسه. ورغم البعد لم ينقطع “بطل الريف” عن متابعة ما كان يجدّ من أحداث سواء في بلاده، أو في البلدان العربية الأخرى.


فرنسا تحسن وضع الخطابي


بعد الحرب العالمية الثانية، وبهدف تحسين علاقاها بالمناضلين الوطنيين في مستعمراتها، قررت فرنسا تحسين وضع عبدالكريم الخطابي وذلك بنقله إلى مكان قريب من وطنه. ولعل ذلك يعود إلى التحوّلات الهائلة التي عرفتها السياسة العالمية بعد الحرب، وإلى الرغبة في بلورة سياسة جديدة تجاه البلدان المولّى عليها تخفف من غضب الشعوب، وتحد من تأثير الزعماء الوطنيين عليها. وفي ربيع عام 1947 بدأت رحلة عودة عبدالكريم الخطابي إلى بلاده. وعند توقّف الباخرة في ميناء عدن اليمني، شكّل الوطنيّون اليمنيّون الذين كانوا يقاومون الاحتلال البريطاني لبلادهم، وفدا برئاسة عبدالله حسين الأدهل لتحيّته، ثم دعوه إلى حفلة أقيمت على شرفه. وخلال ذلك قام منفيّو اليمن الشمالي بعرض دقيق لواقع بلادهم الراضخة آنذاك لحكم الإمام يحيى الذي بطش بهم، ونفاهم إلى عدن.

قرأ الخطابي مذكرات مصطفى كمال أتاتورك الذي أصبح من القادة المفضلين لديه. وقد قال في ذلك: «لقد زادتني قراءتي لمذكرات الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك إعجابا به، وببعض جوانب عظمته وسياسته الإصلاحيّة العامة في خطوطها العريضة»


سادة وعبيد


وقد علّق عبد الكريم الخطابي على ذلك قائلا: ”خلال لقائي باللاجئين اليمنيين، أدركت بالقياس أن حكاما كثيرين من الوطن العربي ما يزالون يعتقدون أنهم هم السادة والآخرون عبيد!”. وعند وصول الباخرة إلى ميناء “السويس”، تشكّل وفد من الوطنيين العرب والمغاربة المقيمين في القاهرة لتحيّة الزعيم البربري. وقد أثار ذلك غضب فرنسا. وشنت جريدة “لوفيغارو” اليمينية المحافظة هجوما عنيفا على الحكومة الفرنسية معتبرة ما حدث “إهانة مخجلة لفرنسا ولشعبها”. أما صدى نزول عبدالكريم الخطابي من الباخرة لتحيّة مستقبليه في المغرب، وفي بقية البلدان العربية فقد كان “عيدا” و”انتصارا”، و”ميلادا لعهد جديد”. وفي مصر هلّلت القوى الوطنية، بما في ذلك حركة الاخوان المسلمين ذلك النزول، وباركته بقوة وحماس.وفي برقيّة بعث بها إلى عبدالكريم الخطابي، قال السلطان الأطرش قائد الثورة السوريّة: ”إن تحرير الشعوب العربية، والجهاد المقدّس، هدف موحد لا ينتهي إلاّ بتحرير آخر قطر من الأقطار العربية”. وأضاف قائلا: ”إن الأمة العربية في احتفال عظيم بنجاتكم من ربقة الاستعمار الذي ينتظر حتفه على يدكم”. وكان لهذا النزول صدى عالميّ أيضا، فقد أبرق قادة تحرير فيتنام إلى الزعيم البربري يقولون: ”إن هذه العودة ستدقّ أجراس التحرير لجميع رفاقنا مسلمي شمال أفريقيا”. وفي ذلك الوقت كان هناك مكتب المغرب العربي في القاهرة، وفيه كان ينشط مناضلون من المغرب والجزائر وتونس من أمثال علالة الفاسي، زعيم حزب الاستقلال، والحبيب بورقيبة زعيم الحزب الحر الدستوري الجديد. وعند وصول عبدالكريم الخطابي إلى المكتب المذكور، استقبلته حشود غفيرة من الوطنيين، وشباب الحركة الوطنية من الأقطار المغاربية بالخصوص. وفي اليوم ذاته، زار محمود فهمي النقراشي، رئيس الحكومة المصرية، الزعيم المغربي الكبير،ودعاه إلى “قصر عابدين” لتحية الملك فاروق الذي عرض عليه العلاج من المرض الذي كان يعاني منه بسبب سنوات المنفى الطويلة.


مكتب المغرب العربي في القاهرة


ومنذ الأيام الأولى، أصبح عبدالكريم الخطاب أحد الأعمدة الأساسية في مكتب المغرب العربي بشارع ضريح سعد بالعاصمة المصرية. وتتمثل مهمة ذلك المكتب في “توسيع نطاق الدعاية للقضية المغربية بكلّ الوسائل الممكنة، وفي مقدمتها إصدار نشرية إخبارية دورية موحدة لتزويد الصحافة ووكالات الأنباء بالأخبار والمعلومات الصحيحة عن بلاد المغرب”. وسرعان ما استعاد عبد الكريم الخطابي شعبيّته. وأمام هذه التحوّلات الجديدة، دبّ الرعب في أوساط المستعمرين الفرنسيين والأسبان ففرضا الأحكام العرفية في المغرب، ومارسا القمع والإرهاب مع المشتبه بأن لهم علاقات بـ”بطل الريف”. والأغرب من ذلك كله، أن السلطات الأسبانية منعت شيوخ منطقة الريف من آداء فريضة الحج بدعوى أنهم يمكن أن يستغلوا ذلك لمقابلة زعيمهم المحبوب. ولمواجهة تلك السياسات الظالمة، كان عبدالكريم الخطابي حريصا على توحيد صفوف المغاربة قائلا: “إن التآلف والاتحاد سيدخلان قضيّتنا في طور حاسم من تاريخنا، وسنواجه المغتصب ونحن قوّة مكتملة مجمّعة في كلمة واحدة، ونسعى لكلمة واحدة وهي الاستقلال التام لكافة أقطار المغرب العربي”.

توقفت باخرة الخطابي في عدن فالتقى باليمنيين، فعلق على ذلك قائلا: «خلال لقائي باللاجئين اليمنيين، أدركت بالقياس أن حكاما كثيرين من الوطن العربي ما يزالون يعتقدون أنهم هم السادة والآخرون عبيد»


التدخل الخارجي


وقد سعى الشيوعيّون السوفيات إلى التقرّب من “أسد الريف” غير أنه رفض ذلك رفضا قاطعا قائلا: ”مبدأنا في الكفاح الوطني مبنيّ على وعي الشعب، وحماسته.

وقد ثبت أن المساعدة الخارجيّة لا تجدي نفعا إذا لم يكن الباعث على القتال روحا تنبثق من الشعب نفسه”. ثم مخاطبا السوفيات أضاف قائلا: ”إن تدخلكم سيؤدّي بطبيعة الحال إلى تدخّل خصومكم التقليديين، ومعنى ذلك أننا سنسهم في حرب عالمية ثالثة. وكلّنا يعلم نتائجها وعواقبها مقدّما”.

أما عن القضية الفلسطينية فقد قال عبدالكريم الخطابي إنها “تحتلّ المكان الأول، والأعمال الآن أولى من الأقوال”، غير مستبعد من خلال كلامه هذا مشاركته في القتال. ثم لم تلبث الخلافات أن نشبت بين الزعماء المغاربة. وأظهر الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة معارضته للطرق التي كان يدعو إليها “بطل الريف” لمقاومة الاستعمار ولأساليبه الكفاحية التي تعتمد على الحرب الشعبية. وليس ذلك بالأمر الغريب، فقد عاش عبدالكريم الخطابي في الجبال، بين المزارعين، والرعاة، والناس البسطاء.


رفض العودة إلى بلاده بعد الاستقلال


وكان عبدالكريم الخطابي يرى أن الكفاح المسلّح هو الوسيلة الوحيدة والمفضلة لتخليص الشعوب المغاربية من الهيمنة الاستعمارية. أما زعماء الأحزاب المغاربية فقد كانوا مثقفين ينتمون إلى الطبقات الوسطى أو البورجوازية. وبعضهم، مثل بورقيبة، كانوا قد تعرّفوا على الغرب عن كثب، وكانوا متشبعين بثقافته، لذا كانوا يرون أن الحوار مع فرنسا يمكن أن يفضي إلى الاستقلال. وخلافا لعبدالكريم الخطابي كانوا يقدّرون خصوصيّات كلّ بلد مغاربي، ولا يؤمنون بالنضال المسلح المشترك. وبسبب تلك الخلافات التي كانت تستفحل يوما بعد آخر، أصبح عبدالكريم الخطابي يظهر نفورا متزايدا من الأحزاب معتبرا إيّاها عاملا للتفرقة، ونماذج تنظيمية مستوردة من الغرب. وفي النهاية قدّم عبدالكريم الخطابي استقالته من مكتب المغرب العربي قائلا: ”هذه اللجنة (يعني اللجنة التي كان يرأسها داخل المكتب المذكور) قد انتهيت منها لأنني أرى أنه لا فائدة من وجودها. وقد حاولت في كثير من الفرص أن أصلح شأنها لأجعلها آلة فعّالة لصالح المغرب غير أنني فشلت في مسعاي وذلك بسبب الغايات المختلفة التي تتنازع الأحزاب بشأنها”. وحتى عندما حصلت بلاده على استقلالها عام 1956، ظلّ عبدالكريم الخطابي مقيما في القاهرة إلى أن توفي هناك عام 1963.

8