عبدالكريم العريض رسام بحريني يقف بين البحر والسوق

رسوم الفنان التشكيلي البحريني يجدها البعض مادة حكائية يمكن أن تُروى باعتبارها حقائق عن المكان وعن الناس الذين عاشوا في حضن ذلك المكان برضا يشبه الصلح الداخلي.
الأحد 2019/12/08
من جيل الآباء المؤسسين

يمكنه أن يكون الرسام الأول في بلاده، غير أنه يفضل أن يكون واحدا من رواد الفن هناك. يهمه أن يكون فردا في جماعة، بالرغم من أنه احترف الرسم قبل الجميع وزاوله مهنة وهواية تفرغ لها مبكرا.

لا تكمن أهميته التاريخية في ريادته الفنية وحسب، بل وأيضا في قيامه بتأسيس جماعات فنية، كان لها أكبر الأثر في نشر الوعي الفني بين عامة الناس وتطوير الذائقة الجمالية لديهم.

المبدع في حضوره الجماعي

عبدالكريم العريض لم يدرس الرسم أكاديميا، غير أنه لم يكن رساما فطريا، بل حرص على أن يكون رساما محترفا في إطار الرسم الواقعي. خطوة فتحت الطريق أمام أجيال من الرسامين لكي يتعلموا الرسم على أصوله المدرسية ويمارسونه باعتباره حرفة.

أسس جماعات فنية كانت عنوانا للتحول من الفردي إلى الجماعي في طرق التفكير في الرسم وطرق مزاولته. وكان في ذلك قد فتح طريقا في اتجاه فهم الرسم، كونه وسيلة للتعبير الثقافي وليس مجرد مهنة لإنتاج مواد مسلية يمكن استعمالها للزينة.

أهميته التاريخية لا تكمن في ريادته الفنية وحسب، بل وأيضا في قيامه بتأسيس جماعات فنية، كان لها أكبر الأثر في نشر الوعي الفني بين عامة الناس وتطوير الذائقة الجمالية لديهم

أما حين أقام صالة لعرض رسومه الشخصية، فإنه أسس تقليدا جديدا، من خلاله تكون رؤية الأعمال الفنية متاحة للجميع نظرا واقتناء، إضافة إلى أنها أخرجت الرسام من مرسمه ليواجه مقتني أعماله وجمهورها بشكل مباشر.

يُشار إليه دائما باعتباره أديبا وفنانا. ذلك لأنه ألف العديد من الكتب التي لا تبعد كثيرا عن عالمه الفني الواسع. من خلال تلك الكتب يمكن التعرف على تاريخ الحركة التشكيلية في البحرين. كانت ذاكرته ولا تزال ملعبا شهد تحولات الرسم في البحرين في النصف الثاني من القرن الماضي.

حين يفتح العريض أبواب ذاكرته فإن تلك الأبواب تفضي إلى جزء مهم من التاريخ الفني في البحرين هو الجزء المتعلق بالتأسيس والبدايات.

فتح العريض نافذة على الفن في العالم العربي حين بادر إلى المشاركة في معارض وملتقيات فنية عربية. لم تكن تلك المشاركات فردية بل حرص العريض على طابعها الجماعي.

المشاهد الغائبة

بين التراث و المعاصر
بين التراث و المعاصر

ولد العريض في المنامة عام 1934. أسس أسرة هواة الفن وشارك في كل معارضها ومن بعدها أسس جمعية البحرين للفن المعاصر التي ترأسها لدورات عديدة. أقام صالة لعرض أعماله بشكل ثابت عام 1960. عام 1967 شارك في معرض الاتحاد العربي للفنون التشكيلية بالرباط. وفي العام الذي تلاه شارك في المؤتمر الأول للفنون التشكيلية في الوطن العربي بدمشق وفي العام نفسه عرض رسومه في الجزائر.

ألف العريض العديد من الكتب في الفن والتراث، منها كتاب “نافذة على التاريخ” وكتاب “حصاد الفن” وكتاب “المنامة خلال خمسة قرون”. وأخيرا أصدر كتاب “أيام الفن والأدب”. كما أن لديه كتابا بعنوان “أضواء على الحركة التشكيلية في البحرين”.

حصل على جائزة الدولة التشجيعية للفنون عام 1984 وفي عام 1999 حصل على جائزة الدانة الذهبية في الكويت.

يتميز أسلوب العريض في الرسم بواقعيته. بين البحر والسوق القديمة يمتد عالمه وتلقي رسومه الضوء على الحياة التي عاشها البحرينيون في زمن صيد اللؤلؤ والاتجار به. كانت المسافة هائلة العمق بين الغياب والحضور اللذين يمثلان عنصري الحياة في معادلة يتقاسمها الحزن والفرح.

سحره البحر بقوته الغامضة وبالقوة نفسها أبهرته الحياة في السوق التي كانت بمثابة مرآة لتحولات المجتمع.

الثقة بالرسم وحب المدينة

العريض حرص على أن يكون مخلصا للحياة المباشرة التي عاشها ليرسمها كما لو أنها نوع من الحلم
العريض حرص على أن يكون مخلصا للحياة المباشرة التي عاشها ليرسمها كما لو أنها نوع من الحلم

رسم العريض كل شيء رآه وعاشه وشعر به باعتباره الجزء الحيوي من حياته. غير أنه بالرغم من اهتمامه بالتراث الشعبي فإنه لم يتخذ من مفردات ذلك التراث ضالة جمالية. لم يعنَ بتلك المفردات من جهة دلالاتها الرمزية. فالعريض حرص على أن يكون مخلصا للحياة المباشرة التي عاشها ليرسمها كما لو أنها نوع من الحلم. لذلك لم يشعر بالحاجة إلى الترميز.

قرأت كتابه “أيام الأدب والفن”. يمكن النظر إلى ذلك الكتاب، كثير الأهمية باعتباره كتاب سيرة شخصية. غير أن ذلك التجنيس لا يمكن أن يتم بتلك البساطة واليسر. فهو كتاب سيرة تتقاطع فيه الذكريات الشخصية بسيرة المنامة، المدينة التي كانت تقف بين زمنين. كانت تلك لحظة تستحق التوثيق فهي لحظة تحول كانت المدينة فيه تستعد لأن تغادر ماضيها وتمضي في طريق التطور العمراني.

لقد عاش العريض تلك اللحظة التاريخية الحاسمة التي كانت بالنسبة له الواقعة التي لخصت حياته كلها. مغزى تلك الحياة التي هيمن عليها الرسم بقوته التي يغلب عليها طابع التحدي الجسور. لم تكن لدى العريض رغبة في الاكتفاء بتوثيق تلك اللحظة فأسوأ الرسوم هي تلك التي تصلح لأن تكون وثائق تاريخية. لذلك فقد حرص على أن يرسم المشاهد التي يراها خشية منه في ألا يفتح عينيه ثانية عليها. لقد أدرك العريض حينها أن في إمكان الرسم أن يبقي على لذائذ شعورية مهددة بالاختفاء.

كانت متعته تكمن في أن يكتب عن المدينة التي رسمها. لا لأنه يريد أن يصفها للآخر الذي لم يرها بل كتب عن المدينة التي عاشها من خلال رسومه التي احتفت بها. عاش تفاصيل حياته فيها. غير أنه بالرغم من حبه العميق لتلك التفاصيل التي رسمها كان ميالا إلى أن تمضي المدينة في تحولها. ذلك ما تعلمه من الرسم الذي كان يثق به باعتباره محرضا على التحول الذي لا بد من وقوعه.

العريض يُشار إليه دائما باعتباره أديبا وفنانا. ذلك لأنه ألف العديد من الكتب التي لا تبعد كثيرا عن عالمه الفني الواسع. من خلال تلك الكتب يمكن التعرف على تاريخ الحركة التشكيلية في البحرين

صمدت “جمعية البحرين للفن المعاصر” أمام الزمن فكانت تنظم معارضها دوريا. إضافة إلى الجيل المؤسس انضمت إليها أجيال من الفنانين، كان أفرادها يرغبون في أن يلتحقوا بالتاريخ الذي صنعته الجمعية التي يعتبرها البعض جماعة فنية، وهي في الحقيقة ليست كذلك.

حرص العريض أكثر من سواه على أن يكون العمل الجماعي قائما على فهم وظيفة الفن الثقافية والاجتماعية. عام 1960 حين بدأ بالرسم أمام الجمهور كان لديه شعور بأنه يؤدي مهمة نبيلة، لا من خلال الرسم بل من خلال إتاحة الفرصة لجمهور العامة للتعرف على الرسم وطرق معالجة الرسام لمواده
وكيف ينظر إلى موضوعاته. كان تبشيريا في طريقة نظره لعلاقة الجمهور بالرسم.

كان يهمه أن يتعرف الجمهور على مدينته بطريقة مختلفة هي غير تلك الطريقة العادية التي تُخفي الكثير من مصادر السعادة ولا تظهرها.

ولأنه لم يكن لديه شيء من “عقدة الهوية” فقد وجد الطرق أمامه مفتوحة بين الشخصي والموضوعي وبين الخاص والعام. كان اهتمامه بالتراث الحكائي والبصري على حد سواء ينطلق من فكرة أن هناك شيئا يتعلق بالروح يتعرض للاختفاء وقد يختفي في أي لحظة من غير أن يترك وراءه أثرا يذكر به سوى لوعة غامضة.

لذلك وجد البعض في رسوم العريض مادة حكائية يمكن أن تُروى باعتبارها حقائق عن المكان الذي لم يعد كما هو وعن الناس الذين عاشوا في حضن ذلك المكان برضا يشبه الصلح الداخلي.

كان العريض واحدا من الآباء المؤسسين للرسم بصيغته “الأوروبية” في بلد جمعته بالعالم الخارجي صداقة قوية تمتد إلى آلاف السنين. فالبحرين لم تكن بلدا مغلقا على نفسه يوما ما. لذلك كان من اليسير على البحريين أن يقبلوا على كل ما هو جديد.

فن جديد، ذلك ما كان عنوانا لتحول ثقافي كان العريض واحدا من رواده. 

Thumbnail
9