عبدالكريم برشيد يحتفي بالفرح في واقع مأساوي

الخميس 2014/10/30
المؤلف المسرحي المغربي عبدالكريم برشيد مؤسس المسرح الاحتفالي

طنجة - (المغرب) - لم يقتصر المؤلف المسرحي المغربي عبدالكريم برشيد، على كتابة نصوص مسرحيات ناجحة، على مدى عقود -منذ سبعينات القرن الماضي- من احترافه الكتابة المسرحية، لكنه أسس لتيار مسرحي خاص يدعي “المسرح الاحتفالي”، وقد أسس له عبر مفاهيم قيمية جديدة، ترى في المسرح محفلا واحتفالا، وانخراطا واعيا في مباهج الحياة وأعيادها.

يرى برشيد الذي تمّ تكريمه مؤخرا في الدورة الثالثة لمهرجان طنجة الدولي للمسرح، أن الواقع العربي المأزوم، والذي يعيش خلال السنوات الماضية حالة فوضى سياسية عبثا وجوديا وقيميا بالغ الخطورة، يتسبب في تشظي هوية الشعوب ووحدتها، وانغماسها في حروب الكل ضد الكل.

ولمواجهة تلك الحالة يبرز الدور الموكول للثقافة، خاصة المسرح، في الظروف الراهنة، لإعادة نقد هذا الواقع، وإشاعة رؤية احتفالية تلغي السوداوية القاتمة التي تعيش في ظلها الشعوب العربية منذ سنوات، وتعيد إليها الإحساس بقيمة الحياة.

ويرى المسرحي المغربي، الذي اشتغل لعقود أيضا على تيمات ترتبط بثنائية “التراث والحداثة”، من خلال مسرحيات حملت عناوين من قبيل “امرؤ القيس في باريس”، و”ابن الرومي في مدن الصفيح”، أن المسرح مؤهل بدوره لإعادة طرح هذه الإشكاليات الفلسفية، والتي شغلت بال رواد النهضة في العالم العربي والإسلامي لعقود، وإعادة تجسيدها نصا وتمثيلا على خشبة المسرح.

عن تأسيسه لتيار المسرح الاحتفالي في المسرح العربي، منذ سبعينات القرن الماضي، ومداه الفلسفي يقول برشيد: «الإيمان العميق والإطلاقي بعدد من القيم الكونية الكلية، التي تحكم مسارات حياتنا، كالفرح، والأمل واقتناص اللحظة الراهنة والانخراط في الإحساس بها بكل امتلاء، جعلتني أحس بأهمية الحاجة إلى خلق تيار مسرحي ينتصر للاحتفالية في مقابل السوداوية والعبثية».

ويواصل موضحا: «المسرح الذي أدعو إليه ببساطة، هو في مضمونه حفل واحتفال وفرح شعبي عارم، وانخراط كلي في أن نصنع من اليوم عيدا، والقيام بذلك كله عبر أدوات الثقافة ووسائلها».

المسرح في مضمونه حفل واحتفال وفرح شعبي عارم، وانخراط كلي في أن نصنع من اليوم عيدا

يمرّ العالم العربي اليوم من مرحلة صعبة وسيئة، على جميع الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية، حيث أضحت شعوبه ودوله مهددة في استقرارها ووحدتها، ومن هناك يرى برشيد أن دور الثقافة بصفة عامة ومن ضمنها المسرح، محوري وأساسي اليوم، لإعادة هذه القيم الكونية إلى المجال التداولي في الحياة اليومية للمواطن العربي، فيعود للعيش على إيقاع الفرح، وينطلق في حب الحياة، ويستمتع بأعياد يومه، في مواجهة مآسي هذه الأوطان المكلومة.

اشتغل برشيد كثيرا في مسرحه على ثنائية التراث والحداثة، حيث حرص على استدعاء شخوص من عوالم التراث القديم وإدراجها في سياقات حضارية حديثة، وهو في ذلك يستند إلى إيمان عميق، بأن الشعوب التي تحيا دون ذاكرة، فهي تحيا أيضا دون هوية، لذلك وجب في رأيه عدم التفريط في الهوية الأصلية، وهذا لا يمنع إطلاقا ضرورة التحليق في أفق التجديد والإبداع والابتكار.

لذلك كله يدعو برشيد المسرحيين الشباب أن يعودوا إلى أصولهم، وأن يتشبعوا بموروثهم وتراثهم إن أرادوا أن يبدعوا مسرحا مجددا، يعكس هويتهم وفي ذات الآن لا يختلف عن الحركة المسرحية المعاصرة.

وفي هذا الخصوص يقول مستشهدا بنجاح بلده المغرب: «أظن أن المغرب نجح في هذا السياق، حيث أننا مثلا، مازلنا نحتفظ بتراث “الحلقة الشعبية” باعتبارها أحد أشكال المسرح الاحتفالي الفرجوي البسيط، الذي يستمتع به الفرد وهو عابر في الشارع، كما هو الحال في مدينة مراكش وساحتها التاريخية “جامع الفنا”، ويدفع مقابله قسطا زهيدا من المال».

حدث كل هذا دون أن تقطع المغرب انخراطها في الصناعة الفرجوية الضخمة، دليله في ذلك احتضان مراكش لمهرجان دولي للسينما يحضره أشهر نجوم الفن العالميين، وحول ذلك يبيّن: «وبالتالي لا بدّ لنا من إمساك العصا من الوسط، بعدم التفريط في تراثنا، ولا نجعله كذلك يبطئ سيرنا في اتجاه التقدم والتجديد».

ويعتبر برشيد تنظيم مهرجانات مسرحية دولية وعربية من صميم خدمة هذا المنزع التواصلي، ويمكّن الفرق المسرحية من تبادل الخبرات والانفتاح على تجارب أخرى.

16