عبدالكريم بنعتيق يساري مغربي يلعب بأدوات ليبرالية

بنعتيق ـ باعتباره رئيس حزب يساري ـ يعترف بنزاهة الاستحقاقات الديمقراطية في المغرب، ويطالب بتعزيز هذا المكتسب والحد من استعمال المال الحرام الذي يساهم في خلق ثقافة الفساد داخل المجتمع.
الخميس 2019/07/04
بنعتيق سياسي يلقبه الإسلاميون بحليف الشيطان ويتحالفون معه

لا يخرج السياسي المغربي يساري الهوى ليبرالي الممارسة عبدالكريم بنعتيق، عن مجموع الفعاليات السياسية البراغماتية لإبرام صفقات تخدم تحركاته وأهدافه وهو الذي تمرس على مقايضة رابحة للمثالي بالواقعي والمتاح. ولهذا اختار اللحاق مرة ثانية بركب قيادات الاتحاد الاشتراكي في عهد رئيسه الحالي إدريس لشكر.

أخذ نصيبه من العلم داخل المغرب وأتمّ تحصيله بفرنسا. انخرط في العمل النقابي والسياسي داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بفرنسا بحصوله على شهادة عليا، ليلعب دورا مهما في تسعينات القرن الماضي عندما أسس النقابة الوطنية للبنوك بعد اختياره النضال في صفوف الكنفيدرالية الديمقراطية للشغل وانتخابه عضوا بالمكتب التنفيذي للنقابة وكأصغر قائد نقابي، وهو ما غذى فيه نزعة التشوّف إلى الأعلى.

خطوتان للأمام وخطوة للوراء

ألحق بنعتيق تنظيمه الحزب العمالي بالاتحاد الاشتراكي في العام 2013، وهي بمثابة العودة إلى القواعد أو هكذا يحاول أن يوضح الموقف الذي اتخذه خروجا ورجوعا كرّة أخرى، ليصبح عضوا في المكتب السياسي للاتحاد ومشاركا في حكومة يرأسها حزب بتوجه إسلامي، حاملا حقيبة الهجرة ومسؤولية المغاربة في الخارج، هي مهمة صعبة لكنه يقول إنه مؤهل لها بجدارة.

أما لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فلم يتردد في اتهام عبدالكريم بنعتيق، بأنه إنما “جاءت به الدولة سنة 2007 لمحاربته في الانتخابات بعد ترشحه في دائرة اليوسفية بالرباط”، ومع ذلك قبِل باندماج الحزب العمالي في حزب الاتحاد الاشتراكي، والصفقة كانت بحل الحزب العمالي والتحاق أعضائه بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعضوية بنعتيق في المكتب السياسي للاتحاد.

كان الهدف من وراء الاندماج كما صرحت القيادتان، بناء حزب اشتراكي كبير يتطلب القدرة على البحث عن الوحدة على المستوى التنظيمي، مع الانفتاح على الآفاق والفضاءات وإدارة التنوع والاختلاف بما يقوي الجسم الحزبي، لكن الواقع التنظيمي الذي يمر منه الاتحاد ازداد تفاقما حتى مع عودة بنعتيق إلى أحضانه وكان شاهدا على قرارات إدريس لشكر التي ساهمت في إبعاد وخروج العديد من الاتحاديين من الحزب.

انتقل من الحزب العمالي إلى الاتحاد الاشتراكي، الحزب السياسي الذي تدرج في هياكله وناضل لتحقيق الطموح الأول وهو تصدره المشهد، فتارة نجده يكتفي بالتلميح وتارة يصرح جهارا بأنه يمتلك الجرأة لخلق الحدث.

بنعتيق المولود في العام 1959 بحي التقدم الشعبي بالرباط، وبابتسامته وديناميته وحرصه على أن يدمج صفات وطموحات السياسي يقارب مهمته بميزان “خطوتين إلى الأمام وواحدة إلى الوراء”. ومع ميزات التكنوقراطي في التدبير، قد يكون هو الوجه المقبول لرئاسة الاتحاد الاشتراكي في القادم من الشهور. لكن الصعوبة الكامنة في هذا الاتجاه أن لشكر لا يزال متمسكا برئاسة الحزب، وحتى إن وضعنا هذا الخيار جانبا، فإن أمام بنعتيق منافسين قويين؛ إدريس الكراوي رئيس مجلس المنافسة الحالي، ورضا الشامي رئيس المجلس الاجتماعي والاقتصادي، وكلاهما له مكانته داخل الحزب وفي جسم الدولة.

انهيار الصورة

لقد تدهورت صورة الاتحاد الاشتراكي كحزب يساري في مخيال المجتمع وتآكلت شعبيته، بعدما كان مثالا للحزب المدافع عن العدالة الاجتماعية ومناضلا لأجل حقوقه الأساسية، لكن المستجدات السياسية في المغرب التي تحتم عدم بقاء اليسار مشتتا كما يرى بنعتيق، لا تزال قائمة لمواجهة ما وصفه بتيار محافظ يحاول السيطرة على الحياة السياسية في البلاد والإجهاز على المكتسبات التي حققتها القوى الديمقراطية خلال عدة سنوات.

ويتفق بنعتيق، مع تحليل الوضع السياسي الراهن، واستشراف الآفاق المستقبلية، في أن الخلاصات المتوصل إليها ينبغي أن تكون أساسا صلبا لتحديد معالم استراتيجية عمله المستقبلي، وإيجاد التأطير السياسي الملائم لبرنامج الحزب، لكنه يريد أيضا من الاتحاديات والاتحاديين قراءة ما يحدث من تحولات عالمية، من قبيل تفكك دول وانهيار أخرى، وغياب قوى قادرة على أن تتفاعل مع هذه التعقيدات، هذا إلى جانب صعود التيارات المحافظة المبنية على الانغلاق وتخويف الآخر.

كان بنعتيق من الغاضبين على الاتحاد الاشتراكي قبل أن يستقيل ويؤسس حزبه الجديد، ولم تكن المقاطعة سوى مقدمة لاختيار آخر، ما يطرح مآل الاتحاد ومستقبل مشروعه السياسي، إذ لطالما ظل قادة الاتحاد الاشتراكي يقولون إنه البيت اليساري الكبير، وهنا يتساءل بنعتيق “لماذا لا يشكل اليسار المغربي تكتلا تنظيميا؟ فاليسار مطالب بأن يعيد النظر في آليات اشتغاله وعلاقاتها بالمجتمع”، لكن بنعتيق لم يقدم وصفة واقعية واكتفى كالعادة بالتوصيف دون المرور إلى التطبيق.

بمواجهة ثقافة الفساد

سياسة الدولة المغربية التي ذهبت بعيدا في معالجة ملف الهجرة من خلال مبادرات لاقت استحسانا إقليميا ودوليا، يترجمها الوزير بنعتيق حرفيا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المغرب لم يعد بلد المنشأ والعبور، بل أضحى أيضا بلد الاستقرار
سياسة الدولة المغربية التي ذهبت بعيدا في معالجة ملف الهجرة من خلال مبادرات لاقت استحسانا إقليميا ودوليا، يترجمها الوزير بنعتيق حرفيا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المغرب لم يعد بلد المنشأ والعبور، بل أضحى أيضا بلد الاستقرار

 يقتات العمل السياسي من الحضور المستمر في الساحة، وهذا ما حاول بنعتيق تسويقه، ففي انتخابات 2007 كانت تغطية الحزب العمالي لسبعين دائرة انتخابية، بالإضافة إلى تقديم لائحة وطنية للنساء وفوزه بمقاعد برلمانية، لكن هذا كله لم يعطه بطاقة المرور إلى الأحزاب ذات التأثير القوي في المشهد السياسي المعقد، ما جعله يترك الباب مواربا عسى أن تكون العودة ميمونة، وهو المعروف عنه أنه لا يحرق مراكبه في بحر السياسة المتلاطم.

كل ما يصدر عنه من مواقف وممارسات هدفه تلميع الصورة وتأمين الهوامش، حتى حين يقول إنه لا يختزل العمل السياسي وإن “الأدوار المنوطة بنا كهيئة سياسية في العمليات الانتخابية فقط، ولكن نعتبر أن رسالتنا هي تأطير المواطنين والمواطنات، وتوجيه نضالاتهم بما ترتضيه قناعاتنا، وبما سطره لنا دستور المملكة”.

لكن في التجارب الانتخابية التي باشرها بنعتيق كرئيس حزب يساري هو اعترافه بنزاهة الاستحقاقات ووصفته لتعميق هذا المكتسب والحد من استعمال المال الحرام الذي يساهم في خلق ثقافة الفساد داخل المجتمع عوض تأطيره بقيم نبيلة ونزيهة، وتجب تعبئة كل الطاقات وكل أصحاب النوايا الحسنة وكذلك الدولة لمواجهتها عن طريق إعادة النظر في مجموعة من الميكانيزمات والآليات التي تتحكم في العملية الانتخابية ككل، إذن انتصرنا في الشطر السياسي ونحن أمام تحدّ آخر هو مرض اسمه توزيع المال في الانتخابات.

محاكمة بن كيران

مع اقتراب الانتخابات التشريعية اشتعلت حمى التهيّؤ لهذا الحدث المفصلي حيث إن الكل متهيب من احتمالين؛ إعادة سيناريو 2016 وقبلها 2011 عندما فاز حزب العدالة والتنمية الذي يدير المرحلة الحالية، والعزوف عن التصويت الذي ترتفع مؤشرات تحقيقه، وفي هذا فليتنافس المتنافسون، بشرط يشترطه بنعتيق، وهو رفضه استخدام مؤسسات الدولة أو المال العام من أجل تغيير الخارطة السياسية، لأن الحقل السياسي يجب أن يكون مبنيا على مرجعية دستورية واضحة وخاضعة لقانون الأحزاب. ففلسفة بنعتيق في المجال السياسي تتمثل في المشاركة، ولا يهمه عدد المشاركين في العملية الانتخابية، إذ إنها أقلية مجتمعية لكنها أغلبية عددية وهذا هو عمق الديمقراطية، والانتخابات في العالم أجمع وفي الدول الديمقراطية صحيحة وشرعية ولو كانت نسبة المشاركة ضعيفة، فالمؤسسات تعتبر شرعية باعتبار أنها حظيت بثقة الناس الذين شاركوا إذن فهذا حسب بنعتيق، منطلق ديمقراطي.

وذهب بنعتيق بعيدا في حماسته عندما قرّر رفع دعوى ضد حكومة عبدالإله بن كيران أمام المحكمة الأوروبية، لتصريحات هذا الأخير بأن “حزب العدالة والتنمية لن يدخل في صراع مع الملك لإرضاء مجموعة من العلمانيين قد تحالفت مع الشيطان”، فلا يمكن وصفه أو وصف حزبه بالمتحالف مع الشيطان، والذي يحمل دعوة ضمنية إلى القتل. لكن الرجل ضرب صفحا عن الدعوى القضائية وها هو اليوم حي يرزق وينعم بامتيازات كرسي الوزارة في حكومة يرأسها زميل بن كيران.

تم تعيين بنعتيق كاتبا للدولة مكلفا بالاقتصاد الاجتماعي والمقاولات الصغرى والمتوسطة والصناعة التقليدية في حكومة التناوب التوافقي في العام 1998، والتي ترأسها عبدالرحمان اليوسفي، ثم طرأ تعديل حكومي ليصبح بنعتيق كاتبا للدولة في التجارة الخارجية، وهناك من يقول إن سجلّ الرجل في وزارة التجارة الخارجية كان دون المستوى سوى من إثقال الميزانية بتعويضات السفريات إلى دول متعددة والنتيجة ضعيفة.

ملف ثقيل

بنعتيق يريد من السياسيين قراءة ما يحدث من تحولات عالمية، من قبيل تفكك دول وانهيار أخرى، وغياب قوى قادرة على التفاعل مع تلك التعقيدات، إلى جانب صعود التيارات الدينية المبنية على الانغلاق وتخويف الآخر
بنعتيق يريد من السياسيين قراءة ما يحدث من تحولات عالمية، من قبيل تفكك دول وانهيار أخرى، وغياب قوى قادرة على التفاعل مع تلك التعقيدات، إلى جانب صعود التيارات الدينية المبنية على الانغلاق وتخويف الآخر

ماذا سيقدم بنعتيق اليوم كوزير مكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون المهجر؟ سؤال مؤرق لأحد أهم تعقيدات القرن الـ21 كما يقول بنعتيق بنفسه، حيث الهجرة لم تعد اختيارية، بل أضحت الهجرة قسرية، بحكم أن هناك العديد من الدول تعيش هشاشة أمنية، وصراعات إثنية أو طائفية، الأمر الذي جعل الفئات الهشة تعاني من صعوبات كثيرة تدفعها إلى الهجرة.

بقي التشكيك في إمكانياته التنظيمية والسياسية يواكبه كوزير وقيادي يساري، وها هو اليوم يمسك ملفا يحتاج إلى جهد إضافي وكفاءة وبصيرة من نوع خاص، وهو يعي جيدا أن هناك البعض من القوى المحافظة تعتبر الهجرة رأس مال أساسيا لربح رهان المحطات الانتخابية عن طريق التخويف عوض طرح أجوبة أساسية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.

ومن البديهي أن ملف الهجرة إذا ترك دون معالجات متتالية ومتراكمة، فستكون الإفادة والربح من نصيب مافيات الاتجار بالبشر، ولذا يقول بنعتيق؛ إننا أمام خيارين لا ثالث بعدهما؛ إما الانتقال إلى الوعي الكوني برؤية إنسانية، وإما أننا سنترك تدبير مثل هذا الملف القوي لتجار البشر من مافيات منظمة.

بالطبع يترجم بنعتيق سياسة الدولة المغربية في مجال الهجرة والتي ذهبت بعيدا في معالجة هذا الملف من خلال عدد من المبادرات التي لاقت استحسانا إقليميا ودوليا، مع العلم أن المغرب لم يعد بلد المنشأ والعبور، بل أضحى أيضا بلد الاستقرار، وبالتالي كما يقول بنعتيق؛ لا حلول للهجرة دون تعاون إقليمي ودولي وكوني لأن تدبير الملف لا يعني دولة بعينها.

وكان على حق عندما اعتبر أن ملف الهجرة لن يحل إلا بحوار “جنوب ـ جنوب” خاصة أن هناك 32 مليون مهاجر أفريقي في العالم، و16 مليون مهاجر أفريقي في أفريقيا لوحدها، والمعالجة المتكاملة لملف الهجرة ستساعد على بناء روح التضامن بين الدول.

إنتاج سياسة يتمحور عملها حول مقاربة للشراكة مع جمعيات مغاربة العالم ستكون لها فائدة اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية على المغرب البلد الأم، مقاربة تتغيا ربط الاتصال والتواصل الفعال مع 400 ألف مغربي عبر العالم يتبوّأون مناصب مرموقة في دول المهجر.

استثمار المغتربين

الوزير المكلف بشؤون المهجر يقول إن الهجرة لم تعد اختيارية، بل أضحت قسرية، بحكم أن هناك العديد من الدول تعيش صراعات أمنية وإثنية أو طائفية، ما جعل الفئات الهشة تعاني صعوبات كثيرة تدفعها إلى الهجرة
الوزير المكلف بشؤون المهجر يقول إن الهجرة لم تعد اختيارية، بل أضحت قسرية، بحكم أن هناك العديد من الدول تعيش صراعات أمنية وإثنية أو طائفية، ما جعل الفئات الهشة تعاني صعوبات كثيرة تدفعها إلى الهجرة

شكلت العاصمة باريس أول وجهة لبنعتيق خارج المغرب بعد تعيينه وزيرا منتدبا مكلفا بالمغاربة المقيمين بالخارج، في محاولة منه لدراسة القضايا التي تهم الجالية هناك وخلق مقاربة جديدة لمعالجة المشاكل المطروحة، وهي بداية لجولات أخرى في أوروبا والعالم العربي، وربما بحسه الحذر قال إنه لن يعد بأي شيء إلا إلى حين تتبلور تلك المقاربة، وحين تنتهي مهمته. وهو لا يخفي رغبته بتعبئة كفاءات هؤلاء المغاربة حتى تكون عناصر فاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورافعة لتشجيع الاستثمار ونقل المعارف إلى وطنهم، ويبقى التوجه الرئيسي هو مساهمة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج لتوطيد علاقات الشراكة بين مختلف الفاعلين في المملكة وبلدان الإقامة.

في العام 2017 أطلقت الحكومة المغربية، مشروع الجهة 13، لإحداث الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، بشراكة مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب، والغرض منه تشجيع مغاربة العالم على الاستثمار في بلدهم وتسخير الخبرات المكتسبة في بلدان الإقامة ونقلها بهدف تطوير الاقتصاد الوطني وإغناء التجارب وإقامة الشراكات، وبالفعل فقد تحمس بنعتيق للمبادرة.

أخيرا فإن المتتبع لسيرة بنعتيق يجده لا ينضبط بشكل آلي لأي سلوك أيديولوجي لا يخدم خططه وطموحاته، وهو ما تمت ترجمته عندما انضمّ إلى تشكيل سياسي هجين أطلق عليه اسم “تحالف من أجل الديمقراطية” يضمّ ثمانية أحزاب، غرضه الأهم هو التواجد قرب منابع السلطة دون اكتراث لمذهب سياسي أو منطق انتخابي أو توجه فكري.

12