عبدالكريم عبدالقادر "الصوت الجريح" آثر الصمت فهل جرح مرتين

الخميس 2014/03/13
الكويتي عبدالكريم عبدالقادر صوت مستكين

عبدالكريم عبدالقادر، أو “الصوت الجريح” كما يلقّبه عشاقه بالكويت والخليج العربي، لقب تحصل عليه سنة 1988 بإجماع من جمهوره بعد أغنيته الشهيرة “أجر الصوت”، فنان الكويت الأول غاب عن الإنتاج في المدة الأخيرة.

برز صوت عبدالكريم عبدالقادر، المولود في 1 يناير عام 1945 بمحافظة البصرة جنوب العراق، ليشق طريقه بثبات إلى النجومية في الكويت والوطن العربي إجمالا، لحّن له كبار الملحنين العرب انطلاقا من عبدالرحمن البعيجان مرورا بالراحل طلال المداح وصولا إلى عبدالرب إدريس، ألحان أرخت لتاريخ من الحنين والحب واللوعة والأمل بصوت يحمل من الشجن أقصاه ومن الطرب مداه.

نجاحات عبدالقادر تتالت خاصة حين صنع بصوته وألحان الموسيقار السعودي عبدالرب إدريس ثنائيا رائعا، ينهل من بيئتين مختلفتين وإن تشابها، مرحلة شكلت في مسيرة عبدالكريم نقلة غنائية عربية وظهر المزيج المختلف بينهما، فكانت أغنية “غريب” التي عدّها الموسيقيون والنقاد واحدة من روائع الأغنية الخليجية سواء من حيث الكلمة أو اللحن أو الأداء.

في سنة 2010، أصدر عبدالكريم ألبوم “انتظرتك” لكنه أثار جدلا حول التوزيع الإعلاني له، ومنذ تلك الحادثة غاب صاحب رائعة “شخبارك” عن الإنتاج الغنائي، فحتى ألبومه الأخير الذي أنتجته شركة “روتانا” سنة 2013، والمعنون بـ”نامت عيوني” جاء في شكل جلسة تسجيلية، فهل جُرح “الصوت الجريح” بهذه الحادثة؟

مهما يكن من أمر الحكاية، فالأكيد أن عبدالكريم عبدالقادر قلّ إنتاجه، وغاب في زحام الأصوات الشبابية الجديدة التي استباحت غناء أشهر أغانيه كأغنية “آه يا الأسمر يا زين”، في حين أن أحد مجايليه ونعني هنا الفنان العراقي سعدون جابر، الذي استمرّ في تقديم الجديد وآثر عدم الركون إلى الراحة كما فعل عبدالقادر.

لطفي بوشناق: لا ننسى أن عبدالقادر صنع مجده من خلال ثنائيين رائعين

حيث أعاد أداء أغاني ناظم الغزالي ببراعة قلّ نظيرها وأدّى أصعب المقامات العراقية، وهو الذي جاوز عقده السادس، بل إنّه قدّم مؤخرا من ألحانه قصيد “عيد بأية حال عدت يا عيد” فأبهر متابعيه بحلاوة صوته الذي لم تؤثر فيه السنون، بل على العكس زادته رخاوة وعذوبة.

ما بين سعدون جابر الذي يصرّ على التواصل ويشعر أن صوته يزداد قوّة مع الزمن، وبين صمت الصوت القوي والجريح لعبدالكريم عبدالقادر، أكثر من سؤال؟

عن هذه المقارنة يقول المطرب التونسي- العربي لطفي بوشناق: “هي اختيارات، ربّما؟ وهي أيضا انشغالات؟ فكلّ فنّان له مساره الخاص، عبدالقادر لا يشكّ اثنان في قيمته الصوتية، وجابر أيضا، هناك أحداث سياسية، حاصلة اليوم في الوطن العربي، قد تقدّم أو تؤخّر الحركة الإنتاجية من بلد إلى آخر، أضف إلى ذلك القناعات الشخصية والاختيارات الفنية لأيّ فنّان”.

العراقي سعدون جابر صوت ينشد الحنين

يسترسل بوشناق في حديثه لـ”العرب”: “لا ننسى أنّ عبدالقادر صنع مجده من خلال ثنائيين رائعين، الأول مع الكبير طلال مداح، والثاني مع عبدالرب إدريس، الأول رحل عن الدنيا رحمه الله، والثاني قد تكون له انشغالات أخرى، الأمر الذي جعل، ربّما، عبدالقادر يخيّر الابتعاد، حفاظا على نجوميته”.

ويرى بوشناق بشكل عام أن الصوت يشيخُ بشكل أو بآخر، لكن تبقى “الصنعة” (الحرفيّة)، فمع تقدّم العمر قد يترّهل الصوت نوعا ما، وهذه ليست قاعدة، فيضطرّ الفنان للابتعاد عن أداء الطبقات العالية، حفاظا على عذوبة صوته، كما يصبح أكثر تدقيقا في اختيار مواضيع أغانيه، مستشهدا هنا بمطرب الأجيال محمد عبدالوهاب الذي غنى في أواخر حياته “من غير ليه”، وهي ليست أيّ أغنية، بحسب توصيف بوشناق.

يتفق الملحن التونسي عادل بندقة مع ما ذهب إليه بوشناق في خصوص شيخوخة الصوت، فيقول: “في عمر معيّن تتراجع القدرات الصوتية لأيّ فنّان، فيتجاوز ذلك بما راكمه من خبرات طوال مشواره الغنائي، بعد سن السبعين يصاب الصوت بالوهن ويضعف التنفس، هي مسائل جينيّة بحتة”.

لكن وفي المقابل لا ينفي بندقة الاستثناءات، التي تعود أساسا إلى الجانب الرياضي في الفنان ومدى قدرته على الابتعاد عن السهر والتدخين، وكل ما يمكن أن يضرّ بطاقته الصوتية ولياقته البدنية.

عبدالكريم عبدالقادر، نموذج لأصوات عربية عملاقة، خيّرت الصمت إما اضطرارا أو اختيارا، أو لحفظ ماء الوجه، كما وصّف ذلك لطفي بوشناق في إشارة للحادثة المؤسفة التي ألمّت بمطربنا إثر إصداره الأخير “انتظرتك”، فآثر الصمت على أن تُجرح مسيرته، ربّما؟ خاتما بقوله: “وإن غاب الصوت، فمجده باق”.

16