عبدالكريم فرج بين الحفر الطباعي والرسم

الفنان التشكيلي السوري جريء ومتمرد في تعامله مع الخط الذي صار بالنسبة له جسد اللوحة الذي تتنفس من خلاله.
الأحد 2021/03/07
رسام العفوية التي تستند إلى المعرفة

رأيت رسوم طلابه المتأثرين به قبل أن أرى رسومه. أدهشتني صلتهم الإبداعية وثقتهم به. لم يكن بالنسبة لأولئك الرسامين الشباب مجرد معلم. كان فيلسوف تحولات فنية وكان عبقريا في استنطاق مواهبهم الكامنة.

كتابه “تحولات فن التشكيل في أوروبا نحو الحداثة” كان بمثابة المعجم الذي يهتدون من خلاله إلى مسارات تجربتهم في ضوء التجربة العالمية.

كان مختلفا في كل شيء عن الفنانين السوريين وبالأخص على مستوى التفكير في الفن. أما في أسلوبه في الرسم فقد كان يميل إلى المزج بين التشخيص والتجريد. لم يضع حدودا صارمة بين الأسلوبين. تكمن متعته في أن يكون كما هو من غير شروط مسبقة. أحيانا يكون تشخيصيا وأحيانا أخرى يكون تجريديا وغالبا ما يلعب في المساحتين في الوقت نفسه ولا يجد تناقضا.

حين اطلعت على رسومه متأخرا، بعد وفاته التي وقعت قبل أيام، هالني أن تلك الرسوم هي المرجعية التي كنت أبحث عنها في محاولتي فهم المصادر الفنية التي استقى منها عدد من رسامي سوريا الشباب أساليبهم في التعامل مع عناصر اللوحة وبالأخص الخطوط والمساحات.

الخط الذي تحرر من وظيفته

صورة

كان عبدالكريم فرج جريئا وحرا ومتمردا في تعامله مع الخط الذي صار بالنسبة له جسد اللوحة الذي تتنفس من خلاله. فالخط لديه ليس حدا فاصلا يمكننا من خلاله التعرف على المسافة التي تحيط بالشكل وتهبه وجوده المستقل بل هو في حد ذاته جسد طليق ومستقل يمكنه أن يكون شكلا أو بديلا عنه.

كانت لغته تقول كل شيء من غير أن يحتاج إلى موضوع يتحدث من خلاله. لم تكن الموضوعات تعنيه في شيء ولم تشكل أساسا لعلاقته بالمتلقي لذلك لم يبحث عنها ولم يقلقه غيابها.

هناك لغة بصرية يتحقق من خلالها الإمتاع وتستوفي المشاركة شروطها. لذلك تميزت لوحاته بالنضارة والتدفق والألفة. ربما كان غموضها جزءا من حيوية تدفقها. كان ذلك الغموض جاذبا على المستوى البصري ولم يكن مغلقا على نفسه. يكفيه أن تكون لوحته جميلة على مستوى إشعار المتلقي بالراحة.

عودة إلى الطبعات اليابانية

ولد فرج في السويداء عام 1943. درس الحفر الطباعي في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ونال عام 1978 درجة الماجستير من كلية الفنون بجامعة وارسو. وهي الكلية نفسها التي حصل منها على شهادة الدكتوراه، وكان تاريخ الفن موضوع دراسته.

عام 1978 أقام معرضه الشخصي الأول في دمشق ومن بعده أقام أكثر من عشرة معارض توزعت بين سوريا وبريطانيا وبولندا. وحصل على عدد من الجوائز والميداليات والأوسمة، أهمها وسام الاستحقاق البولندي من رتبة فارس عام 2004.

الرسم بعفوية يقرب تجربة فرج من التعبيرية التجريدية، وبالأخص من تجربة الأميركي جاكسون بولوك، غير أن الرسم بمعرفة يمد جسورا بينه وبين التجريد

ألّف الكثير من الكتب الفنية التي اعتبرت كلية الفنون بدمشق بعضها جزءا من منهاجها الدراسي. مثل “تقانات في الحفر والطباعة اليدوية 1993” “نزوات غويا 2006” “فن الحفر والطباعة في أوروبا في القرن العشرين 2007” “تحولات فن التشكيل في أوروبا نحو الحداثة 2018”.

لاحقاً درس الفنان الحفر الطباعي في كلية الفنون الجميلة بطريقة متقطعة بدءا من عام 1989 وفي عام 2005 أصبح عميدا لتلك الكلية.

في مختلف مراحل تعليمه تعلم فرج فن الحفر الطباعي وتعرف عليه من الداخل في مختلف مدارسه وتقنياته وأساليبه ومواده. وحين تحوّل إلى الرسم فإنه زاوج بينه وبين الحفر الطباعي، إضافة إلى أنه تأثر بالطريقة التي تستعمل فيها المواد والتقنيات في الحفر. فكان حفارا بهيئة رسام. غير أن أهم ما فعله فرج في ذلك المجال أنه استعاد تأثير الطبعات الخشبية اليابانية. ذلك الحدث الذي لا يزال أشبه بالنبوءة.

كان لذلك التأثير أثره العظيم في إحداث تحول جوهري مهّد للانتقال إلى الحداثة الفنية، بعد أن ظهر بشكل عميق في تجربة الفنان الهولندي فنسنت فان غوخ. وتبدو العلاقة بين فان غوخ وفرج من النوع العضوي الذي لا يمكن تفكيك عناصره بسهولة، بقدر ما يمكن الشعور به بصريا. وكما أرى فإن الرسام السوري عاد إلى جذور التأثير الياباني فدرس الطبعات الخشبية لـ”هوساياي” وسواه من الحفارين اليابانيين القدماء غير أن النتائج التي توصل إليها قربته أكثر من تقنيات فان غوخ.

وإلى جانب تأثره بعمق بتقنيات فن الحفر الطباعي فإنه كان ملونا مدهشا. ولعهُ بالألون البهيجة يكشف عن علاقته المرحة بالطبيعة، وهو ما تبقى من المرحلة الانطباعية التي كان بدأ بها مسيرته الفنية. وليس من الصعب على المرء حين يرى لوحاته التجريدية أن يكتشف الطبيعة باعتبارها مرجعا للإلهام التصويري. لم يكن فرج يرسم المشاهد الطبيعية بشكل مباشر غير أنه لم يتخل عن لذائذ التلصص على الطبيعة.

على خارطة الحداثة

صورة

يقول فرج “أستطيع من خلال قلم الرصاص أن أعبر عن كل انفعالاتي وعواطفي بشكل وجداني ومباشر دون تكلف أو تصنع وذات الشيء في أي عمل غرافيكي في مزج التقنيات المختلفة على سطح اللوحة وعبر كل الاتجاهات اتطلع إلى نتاج ذي مصداقية يحمل العمق الفني”.

في معظم الأحيان يبدو الرسام عفويا وتلقائيا، كما أنه يمارس الرسم من غير تحضير مسبق وليس لديه فكرة جاهزة ينفذها. ذلك صحيح لكن ليس بشكل كلي. فالرسام الذي غالبا ما يلجأ إلى المزج بين تقنيات الكولاج وقلم الرصاص والحفر الطباعي ومن ثم الأصباغ، يكون على دراية قبل أن يباشر الرسم بما يمكن أن تحدثه العلاقة بين تلك التقنيات والمواد وليس ثمة تعارض بين تلك المعرفة وتلقائية سلوكه أثناء الرسم. بل إن المعرفة تساهم في توجيه ذلك السلوك العفوي من غير أن تهيمن عليه.

الرسم بعفوية يقرب تجربة فرج من التعبيرية التجريدية وبالأخص من تجربة الأميركي جاكسون بولوك غير أن الرسم بمعرفة يمد جسورا بين فرج والتجريد المحكم لكن من غير برودة الهولندي بيت موندريان. يمكنه أن يكون قريبا من الروسي فاسيلي كاندنسكي في غنائيته.

في الحالين فإن المقاربة ليست مضبوطة تماما. ذلك لأن عبدالكريم فرج قدم نموذجا فنيا جديدا. وهو النموذج الذي تأخرنا في اكتشافه عربيا. لذلك ظل الفنان مجهولا على المستوى العربي.

صورة

في كتابه الأخير “تحولات فن التشكيل في أوروبا نحو الحداثة” الذي صدر عام 2018 أقام حوارا خلاقا صعبا مع الناقد والمؤرخ البريطاني هربرت ريد.

وريد مؤرخ فن، غير أنه لم يكتب تاريخ الحداثة الفنية بطريقة محايدة، بل كانت أفكاره عن الحداثة حاضرة في كل ما كتب، فالناقد الفني من شخصه كان حاضرا في كل ما كتب. ولأن ريد هو المؤرخ والناقد الأشهر لمرحلة الحداثة الفنية فقد ترجمت كتبه إلى مختلف لغات العالم.

كان فرج متحمساً لأفكار ريد لذلك حاول في كتابه أن يقدّمها بطريقة ميسرة. وهو عمل استثنائي نجح الفنان السوري من خلاله في تقديم أفكار الحداثة بطريقة شاملة.

تلك خطوة شعر فرج أنها كانت ناقصة منذ نشوء الحداثة الفنية في سوريا التي بدأت بطريقة انتقائية، كما هو شأن الحداثة الفنية التشكيلية في بقية العالم العربي. والكتاب كان يتصدى لفكرة الحداثة ذاتها، كونها الحدث الناقص وهو ما يمكن أن يكون نافعا للفنانين في سوريا.

كان عبدالكريم فرج فنانا مختلفا من جهة ثقافته وتمرده. ورغم أنه قضى أكثر من عشر سنوات في بولندا دارسا للفن، إلا أنه عرف كيف يكون الآخر الذي يحافظ على استقلاله وحريته.

9