عبداللطيف الجواهري الحارس الصارم والأمين لمالية المغرب

يجمع اقتصاديون على أن عبداللطيف الجواهري يعتبر آلة جبارة في صناعة السياسة النقدية للمغرب وعمله الدؤوب للحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية للبلد.
الخميس 2018/07/26
مسؤول منحاز للمواطن يتربّع على مقعد "الأفضل في العالم"

يقول عبداللطيف الجواهري صاحب الـ79 عاما “عندما توليت منصبي حيث كنا بصدد وضع نظام المراقبة البنكية، قلت لهم آنذاك: لا أريد أن أرى مرة أخرى مشاكل كتلك التي صادفت القرض العقاري والسياحي، أو الصندوق الوطني للقرض الفلاحي”.

أربع عشرة سنة قضاها على رأس البنك المركزي بالمغرب ولا يزال يقوم بهمته المقدسة دون كلل وبنشاط قل مثيله، ويجمع اقتصاديون على أن الجواهري، محافظ بنك المغرب، يعتبر آلة جبارة في صناعة السياسة النقدية للمغرب وعمله الدؤوب للحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية للبلد من على رأس بنك المغرب تلك المؤسسة المستقلة عن الحكومة، والتي تسهر على السياسة النقدية للبلاد وتضمن استقرار الأسعار ومراقبة الوضعية الاقتصادية للدولة وتحذر من السياسات غير المسؤولة ومدى تأثيراتها على الاستثمارات الداخلية والخارجية، لهذا فليست أداة مسخرة بيد أحد ولا دخل لها في الصراعات السياسية أو تستغل سلطتها، بل هي المستشار المالي للحكومة وضامن السياسة النقدية للبلاد.

هو مسؤول لا يجامل ولا يداهن في تقاريره وتوقعاته، رغم ما يقوله عنه أولئك الذين يتضررون من أرقامه، عندما قدم أحد تقاريره السنوية في العام 2016، أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، انتقد بشكل واضح وضعية التعليم والعدالة مع محدودية النموذج الاقتصادي للمغرب، منبها إلى العجز المتواصل للميزانية والحساب الجاري، وتفاقم نسبة المديونية، فضلا عن حالة التردد والترقب التي توجد عليها العديد من القطاعات التجارية والاقتصادية في عهد الحكومة السابقة، مع واقع كارثي للتعليم سيفضي إلى خسائر جسيمة في الرأسمال البشري وأن الشباب يعاني من قدر كبير من الإقصاء.

ورغم أن البعض يؤاخذ الجواهري على بعض السياسات التي انتهجها البنك المركزي، إلا أن دوره في الحفاظ على التوازن المالي لا ينكره إلا جاهل، وفي هذا الإطار وقف محافظ بنك المغرب ضد مشروع الضريبة على الثروة على طول الخط متسائلا عن الجدوى منها، قائلا لقد عارضته في ثمانينات القرن الماضي عندما كنت وزيرا للمالية، في عز الأزمة المرتبطة بسياسة التقويم الهيكلي التي انخرط فيها المغرب.

تحرير الدرهم

وتأسيسا على رؤيته الاقتصادية واستشرافه لمستقبل النظام النقدي المغربي أصر الجواهري على اعتماد برنامج التقويم الهيكلي في ثمانينات القرن الماضي كحل مؤكد لتحديث الاقتصاد المغربي والدفع به باتجاه المنافسة إقليميا ودوليا، ونهج نفس الطريق الاستباقي لإصلاح بنك المغرب في السنوات القليلة الماضية مستفيدا من الأزمة الاقتصادية للعام 2008.

البعض ينتقد الجواهري على السياسات التي انتهجها البنك المركزي، غير أن دوره في الحفاظ على التوازن المالي لا ينكره أحد، وفي هذا الإطار وقف محافظ بنك المغرب ضد مشروع الضريبة على الثروة على طول الخط متسائلا عن الجدوى منها، قائلا لقد عارضته في ثمانينات القرن الماضي عندما كنت وزيرا للمالية

ومن تلك الإصلاحات حث البنوك على رفض التدخل الحكومي في قراراتها وسياساتها العامة، وتحديد الولاية على رأس البنك في دورتين، وإطلاق يد والي بنك المغرب للتدخل المباشر عند الضرورة في حالات خلق وتدبير أنظمة الأداءات، مراقبة أنظمة وآليات الأداءات، تثبيت شروط تدبير مخزون العملة وإمكانية مساهمة بنك المغرب في البنوك التي تعلن إفلاسها أو تعاني من اختلالات في الأداء.

حتى وإن كانت الأرقام الجافة هي عالم هذا المنظم الأول للقطاع المالي والبنكي في المغرب، فإنها لم تخف الوجه الآخر للجواهري البشوش وصاحب النكتة وهي طريقته في التواصل وتذويب الجليد مع مخاطبيه أيا كانت خلفيته الاجتماعية أو الاقتصادية، تجربة دامت لسنوات طويلة دشنها الجواهري بالتحاقه ببنك المغرب سنة 1962، حيث تحمل عدة مسؤوليات قيادية داخل البنك، إلى حدود سنة 1978، حيث تولى مناصب وزارية ، كان أبرزها وزير المالية ما بين 1981 و1986، وهي المرحلة التي ارتبطت بتطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي على المغرب، والتي تميزت بسياسات التشقف التي كانت وبالا على الفئات المسحوقة من الشعب المغربي.

بدا الجواهري واثقا في السنة الماضية عندما أكد أن إصلاح نظام الصرف قرار لم تفرضه أي مؤسسة مالية دولية ولم يتخذ تحت ضغط أي أزمة صرف كما حدث في عدة بلدان. وقال إن وضع الاقتصاد المغربي تغير، متذكرا سنوات الثمانينات، حينما فرض صندوق النقد الدولي على المغرب التقويم الهيكلي، لأن المغرب لم يكن عنده ”عشا ليلة واحدة” لعدم وجود احتياطي من العملة، إذ ظل مجتمعا بمقر وزارة الاقتصاد لتحديد ما هي الأولوية في المواد التي يجب شراؤها.

ورغم الانتقادات التي تم توجيهها إلى قرار تحرير الدرهم فقد دافع عنه الجواهري باستماتة، فالذين يربطون تحرير الدرهم بارتفاع سعر المواد الاستهلاكية عليهم أن يبحثوا عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك، وأنه غير مسؤول أيضا إذا رفعت الحكومة أسعار مواد معينة جراء اتخاذها قرارا سياسيا أو إجرائيا ما، لأن تعويم الدرهم لا علاقة له بارتفاع نسبة التضخم، ولن يمس ذلك بالقدرة الشرائية للمواطنين.

نفى أن يكون صندوق النقد له دخل في قرار تحرير الدرهم، بل هو قرار سيادي اتخذته الدولة والحكومة بتنسيق مع بنك المغرب، لمتانة الاقتصاد الوطني، بعد اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة، وسبق للجواهري وأن أكد  أن التقارير الصادرة عن بعض المؤسسات عشية اعتماد نظام الصرف الجديد، والتي تتوقع انخفاضا في قيمة الدرهم خلال الفترة المقبلة، ليست قرآنا منزلا.

وكل قرار يتخذه البنك المركزي يربطه الجواهري بمستوى الحكامة، فعندما تبدو لنا أي مشكلة تتعلق بالحكامة، أعطي رأيا أوليا، يقول هذا المسؤول المغربي، وإذا لم يكن صائبا، فإني أنتقل إلى مستوى ثان؛ إذ أستدعي المسؤول عن البنك لأقول له بكل وضوح، إنه يساورني قلق. إذا ما كانت حكامة جيدة متبعة، وإذا كانت لجان للافتحاص تقوم بعملها على أحسن وجه، وإذا كانت قواعد وإجراءات كتابية، من الصعب جدا القفز في الآن
نفسه على كل هذه الإجراءات التي وضعناها لتفادي الوصول إلى حالات مثيرة للقلق.

ولهذا ربط الجواهري دوافع قرار تحرير الدرهم بتحسن جميع مؤشرات التوازنات الماكرو اقتصادية، حيث تم التحكم في التضخم وعجز الحساب الجاري مع تسجيل ارتفاع مستوى احتياطات الصرف من الواردات في المتوسط، إلى جانب متانة القطاع البنكي وقدرته على مواجهة الصدمات، وكذا اختيار المغرب الانخراط في مسار العولمة مع إبرام 56 اتفاقية للتبادل الحر، فضلا عن إضفاء المزيد من المرونة على قانون الصرف بالنسبة للمقيمين.

[ الجواهري مسؤول لا يجامل في تقاريره وتوقعاته، رغم ما يقوله عنه أولئك الذين يتضررون من أرقامه، كما حصل عندما قدم أحد تقاريره السنوية، أمام العاهل المغربي، حينها انتقد أوضاع التعليم والعدالة ومحدودية النموذج الاقتصادي للحكومة.
الجواهري مسؤول لا يجامل في تقاريره وتوقعاته، رغم ما يقوله عنه أولئك الذين يتضررون من أرقامه، كما حصل عندما قدم أحد تقاريره السنوية، أمام العاهل المغربي، حينها انتقد أوضاع التعليم والعدالة ومحدودية النموذج الاقتصادي للحكومة.

وقبل الإعلان الرسمي عن التحرير التدريجي للدرهم اضطر الجواهري إلى فتح تحقيق لدى البنوك والفاعلين في قطاع الصرف مع انتقادات شديدة وجهها لمسؤولي القطاع البنكي، إثر ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية بطريقة غير معتادة، وإعلانه فتح تحقيق للتأكد من عدم وجود عمليات مضاربة بالدرهم، ما أثار سخط بعض الفاعلين في القطاع.

الوالي الذي ينزعج منه الإخوان

انزعاج القطاع المصرفي من انتقادات الجواهري لا يضاهيه سوى حنق سياسيين يعتبرونه شخصية مزعجة ولا تخدم مشاريعهم السياسية، ومن هؤلاء حزب العدالة والتنمية الذي يعتبر انتقادات الجواهري لبعض اختيارات الحكومة التي يقودها منذ العام 2012، بمثابة تحامل عليهم وأن تقاريره ليست محايدة.

وبالنسبة لصندوق المقاصة الذي خلق جدلا واسعا مع الحكومة السابقة، كان الجواهري قد دعا إلى إعادة النظر في هذا الصندوق، موضحا أنه أمر ليس سهلا، قائلا “أنتم تتذكرون نظام التقويم الهيكلي في الثمانينات، فقد جرى وضع الغازوال الأخضر رهن إشارة قطاعي الفلاحة والصيد البحري، ولكن ما حدث هو أن الأيادي الخفية استفادت من دون موجب قانون منه، وقلنا إنه من الأحسن الاستمرار في الدعم بشكل عام، بدل السقوط في هذا الاستنزاف”.

وفي سياق الحرب الباردة التي كانت بين حكومة بنكيران ووالي بنك المغرب سبق للحكومة السابقة أن تقدمت بمشروع قانون تعديل للقانون الأساسي لبنك المغرب، ومن أبرز التعديلات التي حاولت إدخالها على القانون الأساسي لمؤسسة الإصدار تحديد مدة ولاية والي بنك المغرب في ست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، أي أن والي بنك المغرب لا يمكن أن يستمر في مهامه أكثر من 12 سنة على أبعد تقدير.

 أتاح المشروع إمكانية عزل المحافظ، وذلك بطلب أعضاء مجلس البنك المركزي، الذي يبت في قرار العزل بأغلبية الأعضاء، ويسمح المشروع الجديد للبرلمان باستدعاء محافظ بنك المغرب لمساءلته داخل اللجان الدائمة بالبرلمان في ما يتعلق بالسياسة النقدية، علما أن عبداللطيف الجواهري لم يسبق له أن مثل أمام اللجان الدائمة في مجلسي النواب والمستشارين.

ورشحت في الآونة الأخيرة تسريبات اعتبرت إشاعة للتشويش على عمل الجواهري تقول إنه سيعفى من مسؤولياته، لكن هذا الشيء لم يقع. وحتى ولو أن الرجل يضع مسافة من السياسة ومثالبها، إلا أن منصبه الحساس يجعله في تماس مع السياسيين والأحزاب والمؤسسات الأخرى، وهذا يخلق بالضرورة بعض الاحتكاك وبعض الحزازات.

تلك الانتقادات المباشرة لحكومة بنكيران السابقة سببها انحياز الجواهري للمواطن الذي قال عنه إنه لا يزال يشتري المحروقات بنفس السعر حينما كان البرميل يتجاوز 140 دولارا، كاشفا أن تحرير الأسعار أصبح يوازيه ارتفاع الأسعار وليس انخفاضها.

ضيق القطاع المصرفي من انتقادات الجواهري لا يضاهيه سوى حنق سياسيين يعتبرونه شخصية مزعجة لا تخدم مشاريعهم السياسية، ومن هؤلاء حزب العدالة والتنمية الذي يعتبر انتقادات الجواهري لبعض اختيارات الحكومة التي يقودها منذ العام 2012، بمثابة تحامل عليهم وأن تقاريره ليست محايدة

“لا تقحموني في السياسة”، إنها كلمة هو قائلها ليس خوفا من أربابها ولكن حتى يبقى على مسافة من الجميع وتبقى لديه القدرة على المناورة الحرة دون الارتهان إلى خط سياسي بعينه، مشددا على أنه عندما نصدر بمجلس بنك المغرب معطيات، فنحن ندرك معنى كل كلمة تصاغ.

لكن هذا لم ينف انتقاده لشركات توزيع المحروقات بالمغرب في العام 2017، التي لم تعكس الانخفاضات التي تعرفها أسعار المحروقات بالأسواق الدولية على مستوى السوق الداخلي، مؤكدا أن شركات توزيع المحروقات لا تطبق الانخفاضات التي تعرفها أسعار المحروقات في الأسواق الدولية بالشكل المطلوب على مستوى محطات بيع الوقود، موضحا أنه ليست هناك أي استفادة للمواطن المغربي من الانهيار الكبير لأسعار النفط عالميا، ولا يستفيد منها سوى شركات توزيع المحروقات، وأن هذه الأخيرة والحكومة متواطئتان بشكل مباشر، في إغناء تلك الشركات.

في أكتوبر 2017 تم تتويج عبداللطيف الجواهري في خطوة غير مسبوقة بجائزة أفضل محافظ بنك مركزي في العالم، التي تمنحها المجلة الأميركية المتخصصة “غلوبال فاينانس”، ورغم التحديات التي تواجهها البنوك المركزية لدول العالم والمنطقة اقتصاديا واجتماعيا فقد نال هذا المغربي العلامة “أ”، التي تعني الأداء الممتاز وسط منافسة قوية.

ويعد الجواهري من بين محافظي البنوك المركزية القليلين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذين تمكنوا من الارتقاء إلى صدارة هذا التصنيف العالمي، الذي يأخذ بعين الاعتبار الأداء في مجال مراقبة التضخم والنمو الاقتصادي والاستقرار النقدي وتدبير نسب الفائدة.

وليست هذه أول مرة يتم الاعتراف بموهبة الرجل وكفاءته، فقد اختارته صحيفة “ماروك إيبدو أنترناسيونال”، في العام 2013  شخصية السنة. وذلك يرجع إلى صرامته المطلقة في تدبير المالية العمومية، ما أعطى ثماره خاصة في سياق الأزمة العالمية. فمنذ تعيينه فرض الجواهري نفسه من خلال لمساته الخاصة في مجال التدبير وأفكاره الخلاقة التي أصبحت نهجا تدبيريا، حيث عمل باستمرار من أجل “بنك مستقل عن الحكومة بشكل كامل وحقيقي. وهو شرط ضروري لكي تكون هذه المؤسسة المالية والنقدية عملية بشكل فعلي في الفضاء الاقتصادي الوطني”.

12