عبداللطيف عبيد: التعامل الخاطئ مع ظاهرة الإرهاب وراء استفحالها

الجمعة 2015/01/23
المتطرفون يدعون أنهم يدافعون عن الدين ويقيمون "دولة الخلافة" وهم بعيدون عن ذلك كل البعد

يرى الباحث التونسي عبداللطيف عبيد أن السياسات التي اتبعتها الدول العربية لمحاربة التطرّف والإرهاب، لم تؤت أكلها، بل بالعكس ساهمت، إلى حد كبير في انتشار هذه الظاهرة. وفي رأي الأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية على الحكومات العربية مراجعة هذه السياسات وجعلها أكثر شمولية، ولا تقتصر فقط على الجانب الأمني، لأن بذور التطرّف تبدأ في الازدهار عندما تغيب العدالة الاجتماعية وينتشر الفساد ويضعف الاقتصاد.

أكد عبداللطيف عبيد، أمين عام مساعد جامعة الدول العربية، ورئيس مركز الجامعة بتونس، أن الأسباب التي ساعدت على انتشار الجماعات والحركات الإرهابية المتطرفة في الوطن العربي وفي جزء من العالم الإسلامي، عديدة ومعقدة ومتشعّبة، وتحتاج إلى دراسات دقيقة.

ولفت إلى أن هذه الأسباب يأتي في مقدمتها الجهل بالدين الإسلامي الحقيقي، فهؤلاء المتطرفون يدّعون أنهم يدافعون عن الدين ويقيمون “دولة الخلافة” أو “دولة الإسلام” وهم بعيدون عن ذلك كل البعد. فهم في أغلب الأحيان يتّصفون بالجهل ولا يعرفون حقيقة الإسلام ولا يدركون قيمه ومقاصده.

يلي ذلك سبب اقتصادي اجتماعي، فهؤلاء المتطرفون والإرهابيون هم في كثير من الأحيان إفراز لأوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، وهم يريدون أن يحققوا الجنة التي يوهمهم بها البعض بدعوى مقاتلة الكفار والفاسقين، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونوا عن إقامة أو تحقيق أي قيمة من قيم الإسلام.

وأضاف عبيد، في حوار مع “العرب”، أنه يجب أن ننظر إلى هذه الحركات الإرهابية باعتبارها نتاج أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية، وهذا مدخل من مداخل فهم ظاهرة الإرهاب. وهناك شيء آخر قد يكون سببا من أسباب الإرهاب هو الاستبداد السياسي؛ ففي بعض البلدان يشكّل الاستبداد ذريعة لبعض المتطرفين لحمل السلاح وبث الفتنة والفوضى والادعاء بإقامة دولة الإسلام وما إلى ذلك.

سواء كانت أسباب التطرف والإرهاب داخلية أو خارجية، فنحن في حاجة إلى علاج سياسي واقتصادي واجتماعي وديني

الفساد الذي يوجد في المجتمعات كالرشاوى والمحسوبيات والفساد الإداري والمالي وما إلى ذلك، يشكّل بدوره ذريعة لبعض الشباب لممارسة أعمال متطرفة وإرهابية. لكن هذه كلها أسباب داخلية، ويجب ألا ننسى أن هناك أسبابا خارجية تتمثل في سعي بعض القوى والدول الأجنبية إلى بث الفتنة في الوطن العربي والإسلامي، ولها مخططات مقصودة ومدروسة قد لا ندرك كنهها إلا بعد فوات الأوان أحيانا.

وشدّد عبيد على ضرورة إعادة بناء الفكر الإسلامي لإنجاز إستراتيجية تواجه التطرف إلى جانب الاهتمام بالثقافة والتعليم باعتبارهما الجبهة الرئيسية للتصدي للإرهاب. وبيّن أن الأزمات التي مر، ويمر، بها العالم العربي هي التي شغلته عن التنمية وحصرته في مناقشة الحوار مع الغرب. وأضاف عبيد أن الفكر الإسلامي المعاصر نشأ عن ردة فعل نتيجة الاحتكاك بالغرب، موضحا أن الاجتهاد من أهم الموضوعات التي شغلت هذا الفكر. ويوضّح عبيد قائلا: سواء كانت الأسباب التي تدعم التطرف والإرهاب داخلية أو خارجية، فنحن في حاجة إلى علاج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وديني أيضا، فنشر المبادئ الحقيقية السمحة لديننا الحنيف أمر ضروري جدا حتى يعرف شبابنا إسلامنا وديننا على حقيقته، وليس كما يروّجه بعض الأدعياء.

وقال “ما دامت الأسباب متعددة وتتداخل فيها الأسباب الدينية والاقتصادية والاجتماعية وما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، فينبغي أن يكون العلاج شاملا، متعدد المداخل ولا يقتصر على عامل واحد، ويعتقد عبيد أن العلاج الأمني للتطرف والإرهاب كافيا لوحده للقضاء على هذه الظاهرة أو على الأقل للحد منها. إذ يجب أن تقاوم هذه الظواهر المتطرفة مقاومة أمنية، وفي نفس الوقت لا بد من معالجة الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن تسعى الحكومات العربية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية المرتبطة بالعدالة الاقتصادية وأن توفر فرص عمل للشباب، وهذا لا يكون إلا بالأمن والاستقرار وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية، إذن العلاج لابد أن يكون متعدد المداخل وشموليا لا أحادي الجانب، ومن ثم فإن العلاج الأمني يفيد لكنه لا يكفي وحده”.

عبداللطيف عبيد: نحن لا نعرف مجتمعاتنا معرفة حقيقية ولا نحسن استشراف ما سيحدث مستقبلا


استشراف ما سيحدث


ورأى الباحث التونسي عبداللطيف عبيد أن النهج الذي اتبع سابقا، عربيا ودوليا، لمواجهة الإرهاب والتطرف ومحاربتهما ساهم في نشرهما، وأوضح قائلا “هذا لأننا في كثير من الأحيان لا نعرف مجتمعاتنا معرفة حقيقية، ولا نحسن استشراف ما سيحدث مستقبلا، ولا ندرس التحركات الاجتماعية والتوجهات الفكرية والأفكار الوافدة علينا من هنا وهنا. لا نحسن كل هذا الإحسان الجيّد، إذن فنحن مقصّرون في دراسة مجتمعاتنا ومقصّرون في الجانب الاستشرافي ومقصّرون كذلك في الجانب التخطيطي، كما أننا مقصّرون في مجال التعاون بين بلداننا العربية والإسلامية في مقاومة هذه الظواهر. وقد حان الوقت لكي يكون تعاوننا أكبر وأدق وأشمل، وألا نقتصر على الانطباعات وعلى القيل والقال وعلى مجرد هذه الأخبار أو الأفكار والتحليلات العابرة التي تظهر في هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك. وعلينا أن نحيط بمجتمعاتنا وأن نعرف معرفة جيّدة وأن نكثر من مراكز البحوث في كل أصقاع الوطن العربي وأن تكون بحوثها عميقة وجيدة وجادة من أجل أن نتمكن من مقاومة كل هذه الظواهر السلبية التي تهدد حاضرنا ومستقبلنا وحصارها والقضاء عليها”.

ورأى أن ما يمكن أن يسمى الخلاف السني الشيعي ليس له دور حاسم في هذه الصراعات التي تحدث الآن، وأضاف أن “السنة والشيعة كانا متعايشين منذ قرون عديدة ولم تكن هنالك مشاكل ولم نكن نسمع بالصراع السني الشيعي قبل الآن لا في سوريا ولا في العراق. كان هناك تمسك بدين واحد هو الدين الإسلامي الحنيف، والشيعة والسنة لم يكونا في صراع فيما أعتقد. فاعتقادي أن الأسباب السياسية والأفكار الأيديولوجية الهدامة الوافدة التي هبّت علينا من الشرق والغرب والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية في كثير من البلدان، ربما تكون هي الأسباب الأقرب إلى تفسير ما نعيشه نحن من فلتان مذهبي وفوضى أمنية وتهديد لمناعة شعوبنا وأمتنا العربية والإسلامية”.


مصير واحد


لفت عبيد إلى ضرورة توحّد الجهود في مواجهة الإرهاب وقال “وللعرب والمسلمين منظماتهم وهيئاتهم التي هي إطار هام وفعال من أجل مقاومة هذه الظواهر. لدينا الجامعة العربية وهي بيت العرب والفضاء المؤهل لاحتضان الجهود الرامية للتخلص من آفة التطرف والإرهاب، ولدينا منظمات أخرى كثيرة ومجالس وزارية عديدة على صعيدي العالمين العربي والإسلامي، كلها قادرة على أن تلعب دورا كبيرا. المشكلة أنه على العرب جميعا أن يعوا أن مصيرهم واحد وأن الأزمة التي يعيشونها هي أزمة تهمّهم جميعا. وبالتالي عليهم أن يوحّدوا مواقفهم ورؤاهم وسياساتهم وألا يكون لهم رأي في العلن ورأي آخر في الخفاء، وأن يسوّوا ما بينهم من خلافات في أسرع وقت ممكن وبالحسنى، فهذا مطلوب للقضاء على بؤر الفتنة والتطرف في ليبيا والعراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى”.

وأكد أن الأمر في حاجة إلى إرادة سياسية وإرادة مذهبية. قادة الرأي وعلماء الدين في مختلف المذاهب الدينية، الأزهر الشريف والمؤسسات العلمية، كل هذه الجهات مدعوّة إلى توحيد جهودها ولأن تكون رؤيتها واحدة لما يحدث، ويجب أن تعتبر أن هذا خطرا علينا جميعا وليس خطرا على البعض دون البعض الآخر، لأن هؤلاء المتطرفين لو أتيحت لهم الفرصة لسعوا للقضاء علينا وأقاموا هذه الدولة التي يتوهمونها والتي لن تكون إلا دولة خراب بالنسبة إلى كل العرب والمسلمين، إذن من المهم زيادة توحيد الجهود والرؤى”.

12