عبدالله أوستاذ: الثقافتان الفرنسية والمغربية نموذجان متكاملان

الأحد 2015/01/04
العربية الممزوجة مع الثقافة الفرنسية أعطت ثمارا مهمة في الملتقى

“إن سيتو”، ملتقى الخلق والابداع المعاصر تأسس عام 2006 ، قرب مدينة آرل، في منطقة الكامارغ المعروفة ببريتها، ووحشيتها، التي تمتلئ بحقول الأرزّ، وتترك الثيران والأبقار البرية، حرة في محميتها الطبيعية. والتي خلدها الفنان فان غوغ في أعماله.

ركز الملتقى في دوراته العشر، على استضافة الفنون البصرية التجريبية، وسعى إلى ربطها بالمجتمع عمرانا وطبيعة، ثم تحول رويدا رويدا إلى مشغل لتدريب الخبرات الفنية الجديدة.

وما لبث أن أقام فعالياته داخل مدينة آرل، نفسها، هذه المدينة الصغيرة التي تعج بالمهرجانات صيفا، ما يدفع إلى صعوبة المنافسة. وقد أخذ ملتقى “إن سيتو” مكانه اللائق في المدينة.

استضاف الملتقى عشرات الفنانين من فرنسا، وأوروبا والعالم العربي. واقترح إقامات فنية لهم في مدينة آرل ومنطقة الكامارغ. هنا حوار مع الفرنسي المغربي عبدالله أوستاذ، المدير الفني لملتقى الخلق والإبداع المعاصر.

في بداية الحوار يقول عبدالله أوستاذ، متحدثا عن ملتقى “إن سيتو”: هو ملتقى للخلق والإبداع المعاصر. أنشئ عام 2006، من قبل جمعية “كولتور نوماد بروديكسيون”، بهدف خلق مختبر للخلق الفني المعاصر. وهو يختص بالبحث الفني. من هنا، إنه محترف غير لصيق بمكان معين، أشبه بجهاز متنقل من مكان إلى آخر، كما يشير اليه اسمه.

هذا النوع من الملتقيات يشكل مجالا خصبا للإبداع وتطوير المواهب. حتى هذا اليوم، الملتقى مشروع غير مكتمل. كل عام تنضاف حجرة إلى بنائه العام. إنه في صيرورة دائمة التغيير كإبداع الشباب. وقد تم تصميم هذا المختبر كوحدة تعليمية وبنية صغيرة مرنة، مرتحلة. والمرونة أمر حتمي في الحقل الذي يتطور باستمرار.


من كافة أرجاء العالم


عن البلدان التي ينتمي إليها الفنانون المشاركون، وعن أماكن عرضهم لمواضيعهم الفنية، يقول أوستاذ: “يستقبل الملتقى، كل سنة، عشرات الفنانين من فرنسا وسائر الدول الأوروبية وبلدان أخرى من خارج أوروبا.

وهو يقترح إقامات ذات مدد قصيرة، تسمح لكل فنان بتوسيع تجاربه وإغنائها، عبر المثاقفة والحوار بين سائر الفنانين. إنه مكان للقاءات والحوارات”.

هذه التجارب تؤكد أهمية التعددية، في اقتراحات الفنانين، ضمن المجال العمومي

ويضيف قوله: “ثمة إقامات تتم في منطقة الكامارغ البرية، وهي محمية طبيعية، حيث يقيم الفنانون، ويقترحون تجهيزات فنية في الطبيعة، تستمد موادها من الطبيعة. وثمة أيضا، إقامات فنية تتم في فضاء مديني، وفيه ينجز الفنانون تجهيزات أخرى تلائم المحيط المدني، وهي بذلك تجيب عن أسئلة الفن الحضري. كل هذه التجهيزات، عابرة وغير دائمة، في الفضاء العام”.

وعن طبيعة أعمال الملتقى يواصل أوستاذ قوله: “الملتقى يعرض الخبرات الفنية، بشكل مدهش، وهي مرئية وغير مرئية، عملاقة أو بمشاركة الجمهور الذي يلعب دور الفنان.

يحاول أن يبرز هذه التجارب التي تحكي واقعنا المديني تخلق فنا يسمح بالعيش في الفضاء المديني معا. نحن نعمل على إعطاء النوعية والرصانة والجدية في تجربتنا، باختيارنا لمشاريع متجددة. بذلك نعطي للجميع فرصة في الحقل الاجتماعي والثقافي، ونخلق مجالا يتجدد ويغتني باستمرار”.

هي دعوة إلى كل ما هو فني إلى الإقامة في المجتمع والعيش بين الناس، هكذا يتحدث أوستاذ عن غاية الملتقي، فيقول: “هذه التجارب تؤكد أهمية التعددية، في اقتراحات الفنانين، ضمن المجال العمومي.

حيث تنخلق بؤرة مشتركة، وجسر يلتقي فيه جمهور المكان المعني مع الفنانين. بهذا الشكل، ننهي مقولة عدم التقاء الفني بالاجتماعي، فهما عنصران متكاملان ومتحدان”.

ويضيف: “التجارب التي استضفناها، تحمل سمات الحوار والتبادل والانفتاح، وهي تسمح للمشاركين بامتلاك الفضاء العمومي وإعادة امتلاكه، رمزيا وثقافيا وفكريا. إنها تسمح للمشاركين بإعادة امتلاك الفضاء العام ماديا وفكريا. فشكل رمزية الفضاء العام يساعد على تغيير النظرة للأشياء والأماكن المستثمرة”.


الفن والمجتمع

عبدالله أوستاذ: جسر ثقافي



يشير أوستاذ إلى أن مشاركة السكان في العمل الفني تشكل هدفا للملتقى، يقول: “هذه التجارب تغير وجهة نظر الجمهور، حول الفني، في الأحياء التي تستقبل المشاركين.

من خلال إتاحة الفرصة لجميع سكان آرل، وكل محبي الفن بامتلاك معبر وممر إلى المقترحات الفنية الأصيلة بالتعاون مع الفنانين. هناك هدف آخر هو حلم التبادل والحوار، حول مسألة علاقة الإبداع بالفضاء المديني. لكن عبر مشاريع فنية حقيقية ومثالية”.

الفن مرتبط بالمجتمع، ولا يتم إلا بالتركيز على التراث الثقافي والعمراني للمجتمع نفسه، في هذا الشأن يؤكد أوستاذ أن الهدف يبقى إعادة ربط الفن بالفضاء المديني، عبر ربط الأشخاص بعضهم ببعض. يقول: “من ضمن أهداف الملتقى توظيف الابداع في المدينة كمجموعة تساؤلات حول أنماط عيشنا.

وإعطاء قيمة للتراث المديني لمدينة آرل. وبذلك فالإبداع في شكله المدني والطبيعي يختزل داخله ما هو طبيعي واجتماعي. فكل الفنانين المقيمين يبدون اقتراحات أصيلة، في هذا الاطار، تسائل الإبداع في فضاء آرل ومنطقة الكـامارغ. فموضوعاتهم تتلاءم مع المحيط”.

عن فكرة إنشاء هذا الملتقى، يقول أوستاذ: “يعود ذلك إلى طبيعة تكويني الجامعي والدراسي واختصاصي في استراتيجية العمل الثقافي، فضلا عن تجاربي في الحقل الثقافي في المغرب، وفرنسا التي سمحت لي بإنشاء هذا الملتقى.

في السنوات العشرين الأخيرة تبدلت المفاهيم الثقافية. عندما نتكلم عن الحقل الثقافي والمشاريع الثقافية فعلينا أن نعاين المكان والاشخاص والموارد عبر استراتيجية واضحة، ثم ننشئ مشروعا ما.

ملتقانا في البداية طرح كواجهة لتطوير منطقة الكامارغ ، التي كانت تخلو من المشاريع الثقافية. حيث أغلبية السكان يربّون الماشية والأبقار. اقترحنا الملتقى وراعينا خصوصية المكان، وطبيعة الأشخاص ونمط عيشهم، ومن يهمه الأمر لتنشيط هذه المنطقة وتفعيلها”.

في الدورات الأولى، ابتعدت “إن سيتو” عن وسط مدينة آرل ، فما هي الأسباب؟ عن هذا السؤال، يجيب أوستاذ: “ابتعدنا عن مركز المدينة بسبب وجود مهرجانات وملتقيات كثيرة. لكن منطقة الكامارغ لم تكن فيها أي مهرجانات، خصوصا في الفن المعاصر. وهكذا ولد الملتقى في منطقة الكامارغ، لكن، ابتداء من 2014 تم التركيز على الفضاء المدني”.


أسماء عالمية


يلاحظ تركيزكم على التجهيزات التي تعرض في الفضاء، في حقول الأرزّ، والمستنقعات، وليس الفن التشكيلي، داخلا في هذا الشأن، يقول: “بالفعل، جل الفنانين الذين شاركوا في الملتقى، ساهموا بأعمال تستقي من طبيعة المكان: مستنقعات، حقول أرزّ، وحقول برية فارغة. تجهيزاتهم عرضت في هذا الحيز المكاني المفتوح، و ليس عن طريق لوحات. المشاركون يعرضون أعمالهم في الهواء الطلق”.

هناك فكرة هي خلق فضاءات أخرى خارج الحدود، فيتم التفكير الآن في إقامة الملتقى في مدينة مراكش

وعن التجهيزات الفنية التي عُرضت في دورات المهرجان، يقول أوستاذ: “مثلا في الدورة الرابعة استقبلنا فنانا من السنغال، هو بابوبو مامادو اقترح بيتا مبنيا بالتربة اللبنية. أخذ العمل شكلا أفريقيا، صنع بمواد من منطقة الكامارغ .

أذكر كذلك الفنانة الألمانية برونيتي كارلوتا، أنجزت عملا من القصب على شكل موجة بحرية. أما البلجيكي ستيفان فيي فقد اقترح حدودا مشوشة في منطقة شائكة على شكل أقراص التقاط القنوات الفضائية، وذلك في الدورة الثانية من الملتقى عام 2007. هذا العمل أجاب عن المشكل السياسي لبلجيكا”.

ويضيف أوستاذ قوله: “أما في الدورة السادسة عام 2011 فقد شارك مراد مسوبر من الجزائر بعمل توليدي، ينتج ألوانا متعددة تنبعث في الفضاء، في شكل مستمر. بينما في الدورة السابعة سنة 2012 شارك الفنان الفرنسي كولكتيف غام دان بشريط تسجيلي عن سكان منطقة الكامارغ، وألّف قصة تمت مشاهدتها يوم الافتتاح”.

من ملتقى إلى آخر نلاحظ أن هناك جديدا، فهل تتّبعون برنامجا واحدا يتكرر كل دورة؟ هنا يقول أوستاذ: “ما يتغير من ملتقى إلى آخر هو طبيعة المشاركين و نوعهم والذين يخلقون مشاريعهم وتجهيزاتهم وفق الحدود والبرنامج المحدد لكل دورة. وانطلاقا من ذلك نقترح يوم الافتتاح.

وجل الاقتراحات والمشاريع، تقدم إلى لجنة فنية تختار المشاريع. فالفنانون يرسلون لنا مشاريعهم التي تخص تجهيزاتهم. واللجنة الفنية تناقش هذه المشاريع وتوافق عليها”.

ويضيف قوله: “نحدد مكانا لكل فنان، في منطقة الكامارغ. هذا المكان يتحول إلى محترف شخصي له، حيث يقوم بإنجاز مقترحه فيه، أو عمله الفني، و يعرضه أيضا، لمدة عشرة أيام، في مشغله الشخصي، بذلك يكون محترفه الشخصي قريبا جدا من مكان سكنه.

أوضح أمرا ماديا، الملتقى يتكفل بجميع احتياجات الفنانين من السكن والنوم والشرب فضلا عن منحة يتقاضاها كل فنان قدرها 1200 يورو”.


المساهمة العربية


عن مساهمة الفنانين العرب في هذا الملتقى، يقول أوستاذ: “كان للعالم العربي حصته في الملتقى. فقد شارك فنانون من المغرب مثل زغلول، والجزائر مراد مسوبر، ومن تونس بسمة هلال. عدد غير قليل من الفنانين العرب يرغبون بالمشاركة في الملتقى واللجنة الفنية هي التي تحدد وتدرس الطلبات”.

عمل تشكيلي من أعمال الملتقى

يؤكد أوستاذ أن الملتقى لا يختص بمكان حتى وإن ولد في منطقة الكامارغ، إلا أنه يمكن أن ينتقل إلى مكان آخر. يقول: “التجربة التي خضناها هذه السنة شجعتنا على اقتراح فضاء آخر، غير فضاء منطقة الكامارغ، فقد أقمنا الملتقى على رقعتين جغرافيتين مختلفتين، الأولى طبيعية في منطقة الكامارغ، حيث البحر والمستنقعات وحقول الأرزّ، والثانية مدينية، ضمن أزقة وساحات مدينة آرل .

فقد انتقينا خمسة أمكنة تقع وسط المدينة، لعرض تجهيزات فنانين في الفضاء العام. مثلا، الفرنسي جيل بروسي أنجز عملا على ضفتي نهر الرون، والبلجيكي ريج أكزافييه أنجز منحوتة من الخشب في فسحة فان غوغ الواقعة في وسط المدينة.

كما استضفنا فنانين ومنشدين عددهم 150 شاركوا في الدورة التاسعة، لفترة قصيرة، وأدوا موسيقى وأناشيد روحية لمنطقة باكا، في أزقة آرل. لقد جذب الملتقى جمهورا كبيرا وزوارا كثيرين. وأكد الملتقى مشروعيته وأهميته في الفضاء الثقافي لمدينة آرل ومنطقة الكامارغ معا”.

عن إمكانية انتقال الملتقى إلى خارج منطقة الكامارغ وآرل وفرنسا، يقول أوستاذ: “هناك فكرة هي خلق فضاءات أخرى خارج الحدود، فيتم التفكير الآن في إقامة الملتقى في مدينة مراكش.

فالمدير الفني يجري اتصالات كثيرة مع جمعيات ومختصين بالفن المعاصر لتحديد مكان وزمان للملتقى في مراكش. فضلا عن مدينة آرل، فقد اختيرت أمكنة أخرى، للدورة العاشرة، بموافقة مسؤولي المدينة والسكان الذين سيستقبلون، بعض الفنانين”.

عبد الله أوستاذ هو مغربي فرنسي، عن دوره كمدير لملتقى فني في آرل المدينة الفرنسية، يقول: “هذه إحدى نتائج تجربتي كفاعل ثقافي فني في هذه المدينة، ومن قبل، في مدن أخرى مثل باريس وضواحيها.

الثقافة الفرنسية والمغربية نموذجان متكاملان. ثقافتي العربية المغربية الممزوجة مع الثقافة الفرنسية أعطت ثمارا مرجوة في الملتقى، وقد صقل العمل هنا، في فرنسا، موهبتي وتجربتي”.

ويضيف قائلا: “الملتقى ليس أول نشاط فني ثقافي أقيمه. فقد عملت، لمدة سنتين، ضمن مهرجان موسيقى “الرحل” لمحاميد الغزلان. فضلا عن شغلي مع مهرجان الرقص في الدار البيضاء ووجدة. ومهرجان الغيثارة لمدينة العرائش. أما في الدار البيضاء فقد أقمت الملتقى الدولي للموسيقى، في عام 2001.

بالإضافة إلى مسؤوليتي الآن عن دعم محترفات كتابة السيناريو للفيلم الطويل، وهي محترفات تخص مجال المدن المتوسطية. كل هذه التجارب مكنتني من إعطاء أفكار جديدة ومشاريع ثقافية، لا تقتصر على الإبداع المعاصر، بل تمتد إلى الرقص والمسرح، بالإضافة إلى تأطير شباب وتدريبهم لتنظيم مهرجانات وملتقيات ثقافية في المغرب وفي فرنسا”.

15