عبدالله التركي.. "إخواني" سعودي يدير رابطة العالم الإسلامي

الأحد 2013/09/08
شغل عدة مناصب مرموقة

الرياض: يا لهدوئه.. بل وصمته، وحتى كلامه، له نبرة هادئة، لا تنم عن رجل تولى مناصب سعودية عديدة، في كل ذلك الصمت والكلام وما يُعتبر من إنجازات، عوالم من الخفايا والشواهد الواقعية.

عبدالله بن عبدالمحسن التركي، هكذا يُعرف عادة بثلاثية اسمه، غائب عن الإعلام إلا في ظهور متقطع يسبق موسم الحج حيث يستقبل بعثاته وتبث وكالة الأنباء الرسمية السعودية تلك الاستقبالات، وكأنه أحد وزرائها.

وكان له ظهور قديم، حين كان صاحب صولات الفتاوى قبل أن يبتعد في ظروف ما قبل الجهاد الأفغاني، خاصة على ترددات الإذاعات المحلية.

اليوم، هو أمين رابطة العالم الإسلامي، المتخذة من مدينة مكة مقراً لها، غائب عن الحضور، لكنه رمز سعودي تعلَم عنه حكومة بلاده الكثير من توجهاته الفكرية والحركية. لكنه في الفصل الأخير ينال التقدير أسوة بآخرين، عايش قترة تقلبات فكرية بمصر إبان دراسته. وحين يُذكر عن متدين سعودي في مصر، فإما بالأزهريين أو بالإخوان متأثر. التقدير كذلك وضعه كرجل دين في منصب رسمي سعودي رفيع، كـ"عضو في هيئة كبار العلماء" التي لا يتجاوز عدد أعضائها العشرين عضوا.

السعودية على مبادئها الواضحة الكبيرة، تحارب وجود الأحزاب الدينية والقابعين تحت ألويتها، خاصة أولئك الذين يملكون قدما في الداخل وقدما أخرى في "المقطّم" المصرية حيث مقرات جماعة "الإخوان المسلمين".

دلالة أخيرة في مواجهة السعودية هو ترحيبها الكبير الذي تعلنه خطاباتها وإعلامها وكذلك ودائعها ومنحها المالية لمصر، بسقوط الإخوان عن حكم عمقها الأفريقي القديم/ الجديد في غضون عام، لكن الكثير من الذين تحتفي بهم المملكة في مناصب قيادية هم رموز كبرى بتاريخهم وسيرتهم ومن كونوا بيئة لهم في الداخل.

هل التركي من الإخوان الذين لا تستسيغ السعودية رسالتهم؟

من بين الأحاديث السياسية، والأمنية، وتحليلات أخرى، يصعب كشف عبدالله التركي، لكن من الواقع والتاريخ، يحمل سيرة لها شواهدها وإن احتاجت لمن يفكك لغزه، فهو شخصية "إدارية" على وجه الخصوص تختلف عن نظرائها من رجال الدين الغائبين عن المشهد، وهو ديدن لم تعتده هيئة كبار العلماء، لكن التركي يريد ذلك البعد.

قفز إلى ذاكرة السعوديين، في منصبين، الأول تعليمي عبر إدارته لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهذه الجامعة متهمة في أساتذتها ومناهجها بخلق جيل من السلفيين الجهاديين الذين اعتلوا جبال أفغانستان وعادوا ببذور ما تعلموه حرثا في بلادهم.

والمنصب الآخر هو تسلمه وزارة الإسم الطويل والمنجز القصير "وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد" لأكثر من ستة أعوام قبل أن يسلمها لخلفه الذي جاء محاولا لملمة جراح ما زرعه سابقوه وإعادة الخطاب الإسلامي السعودي إلى عصر أقل عنفا.

التركي، لكل تيار ديني هو عدوهم، حتى في الصحويين القدامى حيث اعتبروه مجاملا لهم، رغم أبواب جامعة الإمام التي فتحها لهم وسمح لمن هم خارج السعودية بالقدوم وممارسة حرية أفكارهم وإيديولوجيتهم على شباب سعودي كان يتطلع لما هو أفضل.

أما الصحويون الجدد الذين يمثلهم تيار الإخوان المسلمين، فكان التركي أكثر حرصا على عدم تبيين منهجه الشهير معهم، وهو من كان في زمن مضى من قياديي المجلس الأعلى لرسم سياسات التعليم بالسعودية. وبهذا المنصب الأخير كان يُعزى تواجد الإخوان في مفاصل التعليم السعودي.

من التعليم السعودي بشقيه العام والعالي، مارس التركي أدواره نسبة إلى ما يمليه عليه نهجه، لكنه ساحر في إقناع الحكوميين برأيه رغم تلونه في التوجه، وإن اختلفت جميع الأطراف الحكومية الحالية وربما السابقة في وطنيته.

وظّف عبدالله التركي من استقدمهم في لعبة التعليم من مصر وسوريا سنين طويلة داخل مصانع تعليب المناهج السعودية التي غاب عنها المتخصصون ومن كانوا يطالبون بالتطوير حتى تسنى للمناهج في التعليم العام، وجامعاتها فرصة أن يتواجد فيها سيد قطب قبل محاربة المملكة لكتبه وتوجهه في زمن سياسي له ظروفه.

له من العلاقات الخارجية مع دول إسلامية عديدة آنذاك -ولا يزال- ما تجعله ذا منصب سيادي له الترحيب والتقدير على مستوى رؤساء الدول وقادتها، منذ إشرافه على المعاهد الدينية خاصة تلك الممتدة على طول خطوط العرض شرقا، وسط المتحمسين للإسلام.

في بداية التسعينات وظهور حركيي الصحوة والشريط الإسلامي، كانت جامعة الإمام حضنهم، انطلقوا منه بعد أن شربوا من ينابيع سلفيتها وسروريتها الكثير من الماء المعرفي، وزودوا به من يعيشون خارج ذلك الحضن، حتى انطلقوا في مركب واحد للمجهول.

هي مرحلة شهدت تغير الخطاب الديني السعودي، إلى خطاب متشدد له شق جهادي، عنونه بالدم بعض من خريجي جامعة "الإمام التركي" حين تأثرت معها الجوامع والمساجد السعودية، وانتقلت لدول مجاورة.

عبدالله التركي كان على مقربة من أن يكون وزيرا للتعليم العالي السعودي، لكن ظروف المرحلة السابقة المختومة بصناعة تعليمية قادته إلى مهمة رسمية أخرى، هي وزارة الشؤون الإسلامية، لعله يغيّر بعض الخطابات الدينية في زمن ما بعد حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت.

من المساجد، سيّر التركي الخطاب الديني الرسمي الموصوف بالوهابية إلى أفق مجهول، غير صالح للتطبيق، فسلِم واستسلم، ووجد إرثا صنعه من الجامعة وحصده في المساجد حتى استمر ذلك الصامت يلوك بثقة حكومية في إنجازاته.

التركي لم يكن في حقل التعليم والدين فقط، بل كان في حقل الإعلام بمركز يفوق منصب وزير وزيرها، حيث كان مع رفاق حكوميين معدودين من مخططي خريطة التلفزيون السعودي المليء بالمواعظ الدينية، وقليل البرامج، وكان أيضا عضوا فاعلا بالمجلس الأعلى للإعلام الذي يرأسه عادة وزير الداخلية.

هو عليم ذلك التركي البشوش بالإعلام من منطلق ديني، تتماسك رؤاه حتى اليوم، رغم التحول الإداري في قطاع التلفزيون والإذاعة السعودية الذي لم يُر مع تحويلها لمؤسسة رسمية في شكل هيئة.

أما مناهضوه، فمن كل صنف وتيار، من سروريين وجاميين ووهابيين ومنتمي السلفية التقليدية، حتى في وقوفه يشككون في ذلك، وهو رجل حكومي بامتياز لا يفتح سوى أبواب التساؤلات، والنقم لما يخلّفه ويجعله في مهب الرياح.

واجه كل الانتقادات بالغياب والصمت، ولم يُر منه حتى اليوم أو من غيره، أي مؤلف يحكي سيرته وتعرجات وظائفه وظروفها من تعليم ودين وإعلام، هو الوحيد الغريب بين كل الملفات التي أُوكلت له، حين يخرج تطغى سوداويات كثيرة على المنجزات.

ويعتبره البعض من داخل المؤسسات البحثية الدينية العلمية أنه وقع في أخطاء في العقيدة الإسلامية لشروحه في بعض الكتب عن بعض التصنيفات والعقائد الدينية، رغم أن غالبهم تتلمذوا على يده داخل جامعة الإمام وكذلك بالجامعة الإسلامية.

كتب التركي في مؤلفاته عن "الإمام محمد بن سعود .. دولة الدعوة والدعاة" وكذلك كتب كتابا عن "مسئولية الدولة الإسلامية عن الدعوة إلى الله.. المملكة العربية السعودية وخدمتها للإسلام والمسلمين في الغرب" وعن "الإسلام وحقوق الانسان" وله كتاب أخير عن "تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب".

من أحداث مصر الأخيرة، وخطاب العاهل السعودي المقاوم للخطابات الغربية بشأن مصر بعد سقوط الإخوان، والمؤيد للتغيير الكامل في جسد السلطة المصرية، اختار التلفزيون السعودي عبدالله التركي أول من يعلق على ذلك الخطاب. فامتدح السياسة السعودية وطريقة تعاملها مع الأحداث، منذ تأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، حتى قال إن ما يحدث في مصر فتنة خطورتها تمتد على كامل العالم العربي.

تعليق لرجل أول، هل بسبب منصبه الرسمي الحالي كأمين رابطة العالم الإسلامي أم كرد على من يقول بإخوانية ذلك الرجل اللغز المتقلب، والمكروه حينا والمقبول في لحظات أخرى؟

5