عبدالله الثني عسكري دُفع به ليحقق معجزة في أسبوعين

السبت 2014/03/29
الثني إما إسكات صوت الرصاص و إما الانسحاب

طرابلس- نجحت القوى السياسية المسيطرة على المؤتمر الوطني الليبي في إجبار علي زيدان على الفرار خارج الوطن وتمكنت هذه المرة من إبعاده ومازالت لديها جملة من الأماني والطموحات لم تحققها بعد. وجيء بعبدالله الثني وزير الدفاع كخليفة له ليتولى مهام رئاسة حكومة تصريف الأعمال، لمدة أسبوعين ليجد نفسه أمام جملة من التحديات لعل أبرزها التحدّي الأمني.

عبدالله الثني ابن المؤسسة العسكرية والذي جاء تعيينه بعد حجب الثقة عن زيدان بـ124 صوتا من أصل 194 عضوا يدرك حجم المهمة التي أنيطت بعهدته والوضع المتأزم الذي تمرّ به ليبيا والحلول الممكنة التي من شأنها أن تساهم في إعادة الاستقرار إلى الوطن.

ويمكن القول إن العديد من العوامل عملت على إسقاط زيدان والدفع بالثني ليكون في الواجهة بين سندان المطالب الشعبية التي تبتغي الأمن ومطرقة المليشيات الخارجة عن السيطرة، ومن بين تلك العوامل التململ الشعبي من سوء أدائه على جميع المستويات، وخاصة الأمنية، في ظل تزايد عمليات الاغتيال، وكذلك فشله في كبح جماح عدد كبير من المليشيات المتمرّدة والتي سيطرت على بعض المناطق بمنطق القوة وتحدّي مؤسسات “الدولة” .

أما المبرر الرئيس الذي وظفه الإخوان في العمل على إبعاد زيدان من المشهد السياسي فيتمثل في عجز حكومة زيدان عن إيقاف الناقلة الكورية التي تسللت إلى ميناء السدرة الليبي ونجحت في تحميل النفط بطريقة غير شرعية والإبحار به إلى المياه الدولية دون اعتراضها من قبل البحرية أو سلاح الجو الليبيين، مما جعل عددا من النواب يعبرون عن غضبهم من هذا العجز الواضح عن القيام بأيّ عمل يوقف سرقة النفط الليبي.

هذه بعض من المبررات الإخوانية التي كانت وراء سحب الثقة من زيدان ليفرّ بعدها زيدان نحو مالطا ثم ألمانيا وليترك الوضع الليبي على صفيح ساخن ميّزه الوضع الأمني المتردّي إضافة إلى تدهور اقتصادي بعد الإرباك الذي تسبب فيه إغلاق الجماعات المسلحة لبعض الموانئ والحقول النفطية مما أدّى إلى تراجع صادرات النفط إلى أدنى معدلاتها فأثر على ميزانية الدولة.

في خضم هذا الوضع المتفجر أمنيا والمتدهور اقتصاديا يطل عبدالله الثني ليحاول إخراج وطنه ليبيا من هذه الأزمة المتعددة الأوجه رغم ثقل التركة وصعوبة المهمة.

اللواء عبدالله الثني المولود في 7 يناير 1954 والمتخرج من الكلية العسكرية الليبية عام 1976، والذي اعتقل أكثر من مرة في ظل حكم القذافي بسبب اعتراض شقيقه بشير الثني على حرب الـ”تشاد”، أمامه جملة من المسؤوليا ت الجسام لكنه من خلال جل تصريحاته أبدى نوعا من التفاؤل بالنجاح في مهمته الوجيزة.


مواقف وطموحات


كانت جل مواقف الثني تشير إلى رغبة في الخروج من الأزمة التي تمرّ بها ليبيا مع إدراكه لجملة من الحقائق التي تتمثل في الوضع الأمني الهش وسطوة المليشيات وخروجها عن السيطرة.

لذا فإن أكبر تحدّ تواجهه الحكومة الليبية كما يرى الثني هو التحدّي الأمني، مع تأكيده على استعداد القوات الليبية لحماية المنشآت النفطية.

ويرى رئيس الحكومة المؤقتة أن الأوضاع الأمنية المنفلتة تستدعي العديد من الإجراءات لضبط المشهد الأمني وتفعيل الأجهزة الأمنية وحل كافة الاختناقات التي تواجهها حتى تستطيع القيام بواجبها على أكمل وجه.

رغم ذلك يقرّ الثني أن الحراك الديمقراطى أمر طبيعي في ليبيا الجديدة، وهو ربما ما يبرر بعضا من الانفلات غير المسؤول، داعيا إلى وضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.

العديد من العوامل عملت على إسقاط زيدان والدفع بالثني ليكون في الواجهة بين سندان المطالب الشعبية التي تبتغي الأمن ومطرقة المليشيات الخارجة عن السيطرة

وكانت المواقف التي اتخذها الثني وحكومته في “بيان غات” قد وضعت الإصبع على الداء من خلال التوصيف الذي قدمه للمشهد الليبي والذي أرجع أسباب تدهور الوضع الأمني إلى الإرهاب الذي يضرب ليبيا.

حين قال “لن يكون هناك مكان للإرهاب في ليبيا ويجب أن يكون الليبيون على استعداد لما ستفرضه مثل هذه المعركة من ناحية الحذر واليقظة والتضحيات”.كما يضيف: “إن الحكومة ستلجأ في هذه المواجهة إلى القوة العسكرية الوطنية، ومهما كانت”.

وهذا يشير إلى عزم الحكومة على توظيف كل الطاقات من أجل القضاء على الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار للمجتمع الليبي، من ذلك اللجوء إلى الثوار أو ما يعرف بالدروع وهي الجيش الموازي للجيش الوطني المنهك.

وتمتاز الدروع بالتسليح الهائل والإمكانات التي تفوق أيّ جهة عسكرية رسمية ويتقاضى عناصرها وجلهم من المدنيين مرتبات تضاهي مرتبات العسكريين الرسميين بشكل مضاعف.

كما حدد البيان مجال التحرك الذي سيشمل المدن التي تواجه تحدّيا إرهابيا وهي درنة وبنغازي وسرت.

يبدو أن الثني من خلال رغباته ومواقفه يحاول الإبانة عن أنه قادر، لو تضافرت كل جهود الليبيين المخلصين للوطن، على إعادة الاستقرار إلى ليبيا والقضاء على الإرهاب الذي يتهدّد أهلها ومستقبلها، غير أن العديد من المعطيات تشير إلى أن كلام الثني وتعبيره عن استعداده لمواجهة الإرهاب والقضاء عليه لا يمكن للواقع أن يترجمه في ظل غياب الإرادة السياسية الموحدة وخروج المليشيات المسلحة عن قبضة “الدولة” منذ مدّة مما يصعب في هذه الآونة ترويضها.


"بيان غات" هل يزيح الثني


يمكن أن يثير البيان الذي طلبت فيه الحكومة الليبية المجتمع الدولي مساعدتها في مواجهة الإرهاب الكثير من الجدل وسط النخب السياسية الليبية قد يصل إلى مناقشة إمكانية التمديد لرئيس الحكومة عبدالله الثني أو تثبيته بين الحكومة المؤقتة والمؤتمر الوطني.

وكانت الحكومة المؤقتة التي يرأسها الثني قد أصدرت عقب اجتماع لها بمدينة غات (جنوب غرب البلاد) في 19 مارس الجاري بيانا شديد اللهجة يدين الإرهاب ويطلب من المجتمع الدولي خاصة الأمم المتحدة “تقديم الدعم اللازم بهدف اجتثاث الإرهاب من المدن الليبية” متهما عناصر ليبية وأجنبية بالتورط في جرائم إرهابية. ذاك الاتهام للعناصر الداخلية والخارجية هو الذي أثار حفيظة البعض على اعتبار أنه يحيل على دولة عاجزة غير قادرة على توفير الأمن وأن الحكومة التي تطلب المساعدة من المجتمع الدولي غير قادرة على تسيير البلاد مما قد يعمّق الأزمة الليبية.

ولم يكن رفض محتوى البيان والسخرية منه من قبل قوى المجتمع الدولي فقط بل إن المؤتمر الوطني لم يصدر إلى الآن موقفا يدعم قرارات البيان الحكومي مما يشير إلى تحفظه على ما جاء في البيان.

غير أن شرائح عديدة من المجتمع الليبي وصفت ما في البيان بـ”المهم” وأنه “جاء في وقته”، مستندين إلى عجز الحكومة الواضح عن مواجهة عمليات الاغتيال والتفجير التي تشهدها البلاد بشكل شبه يومي خاصة في مدينة بنغازي.وهذا إقرار واضح من أن المليشيات المسلحة ومختلفة المشارب والانتماءات ساهمت بقدر كبير في الفوضى إلى حدّ استنجاد الحكومة العاجزة بالمجتمع الدولي.

ويعتقد البعض أن قرار رئيس الحكومة المؤقتة بالاستعانة بأياد خارجية لاستتباب الأمن وعودة الاستقرار الكلي إلى ليبيا لم يجئ من فراغ بل إن أوكد أولويات الثني لمّا تحمل رئاسة الحكومة هي تحقيق الأمن والخروج بليبيا من حالة الفوضى.

كما أن تباطؤ المؤتمر في الردّ على بيان الحكومة جعل البعض يوجهون اتهامات إلى أعضاء في كتل بعينها بأنها على علاقة مع المجموعات المسلحة ممّا قد يعطل الرغبة في الإصلاح التي أبداها عبدالله الثني.

ويذهب آخرون إلى أن ما ورد في “بيان غات” جاء نتيجة الضغط الدولي والانتقادات الدولية الموجهة للحكومة الليبية لعدم قدرتها على المضي بنسق سريع في عملية التحول الديمقراطي، وذاك ما أكده تقرير قدمه طارق متري الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى مجلس الأمن الدولي ونشرته المنظمة الدولية. وجاء في التقرير، أن المحاولات الحثيثة لحل الخلافات والوصول إلى اتفاق حول إدارة المرحلة الانتقالية لم توفق في وضع حدّ للانقسام الذي تسبب في شلل العملية السياسية ما أدّى إلى إحباط متصاعد لمشاعر الليبيين حيال العملية السياسية حسب متري.

لكن الحكومة أرجعت الأسباب إلى هشاشة الوضع الأمني في البلاد.

ويذهب مراقبون أن ببيان غات تكون الحكومة الليبية برئاسة الثني قد وضعت نفسها في مواجهة المليشيات المسلحة التي تعمل على استمرار الانفلات الأمني وتراخي قبضة الدولة حتى تتمكن من تحقيق كل ما تطمح إليه.

كما يعتقد آخرون أن “بيان غات” يثير الاستغراب والتساؤلات أكثر من أي شيء آخر، على اعتبار أن عبدالله الثني يدرك تمام الإدراك أنه لا قدرة له على الأرض لمواجهة تلك التنظيمات التي وسمها بالإرهابية.

في خضم وضع متفجر أمنيا ومتدهور اقتصاديا يطل عبدالله الثني ليحاول إخراج وطنه ليبيا من أزمة متعددة الأوجه


اتهامات الخصوم


لم يكن عبدالله الثني بمنأى عن الاتهامات التي وجهها له الخصوم منتقدين الحالة التي أوصل لها الجيش عندما كان وزيرا للدفاع وأن السبب الرئيس الذي جعله يرشح للمنصب هو ضعف شخصيته مما يسهل على المحيط الدائر به التحكم في قراراته وإملاء السياسة التي يراد اتباعها عليه.

من ذلك الهجوم الذي شنه اللواء سالم قنيدي رئيس الأركان الليبي السابق ووكيل وزارة الدفاع المستقيل على المؤتمر الوطني العام الليبي بسبب تكليفه لعبدالله الثني كرئيس للحكومة المؤقتة.

ورأى أنه كان الأجدر بالمؤتمر الوطني أن يحاكم الثني عوض تقليده هذا المنصب بسبب الوضعية السيئة التي وصل إليها الجيش الليبي عندما كان وزيرا للدفاع والتي لم يصل إليها قط عبر تاريخه.

ويرى قنيدي أن الثني جعل من ليبيا محل سخرية أمام العالم مستغربا كيف تعجز دولة بكل مكوناتها عن احتجاز “سفينة مدنية” (في إشارة إلى الناقلة الكورية) في الوقت الذي يقوم فيه مجموعة من الصوماليين باستخدام مراكب صيد صغيرة باحتجاز أكبر الناقلات واستدراجها إلى الشاطئ لفرض إتاوات عليها.وبدل أن يحاكم ويعاقب على تقصيره في كل المهام الموكلة إليه نجد أن المؤتمر “المتهالك” حسب اللواء سالم يقوم بترقيته وتكريمه بتكليفه رئيسا للحكومة خلفا للمقال علي زيدان.

وهذا السلوك كما يذهب قنيدي لا يدل إلا على أن المسؤولين في المؤتمر يريدون شخصا ضعيفا يمكن تسييره وتوجيهه حسب أجندتهم والتي يريدون قيادة البلاد حسب مقاساتها المفصلة من قبل دول معينة ما زالت تقف وراء كل ما تشهده البلاد من فوضى.

ولا يستغرب اللواء سالم كيف يتم سحب الثقة من حكومة كاملة بسبب “فسادها وفشلها” حسب وصف المنادين بحجب الثقة عنها في المؤتمر، وتتم إقالة رئيسها والإبقاء على بقية الوزراء بل وتكليف أضعف وزير فيهم وهو المولود خارج البلاد وذو الجنسية المشكوك فيها.

كما أن قانون العزل السياسي الذي أقرّ من قبل المؤتمر سابقا ينطبق على الثني باعتباره كان من ضمن الضباط الثوريين سابقا باعتباره كان منسقا للمثابة الثورية في الكلية العسكرية سابقا، ولكن العزل السياسي يطبق بشكل مزاجي لتصفية حسابات بين الأطراف المتصارعة حسب رأي قنيدي.

ويعتقد آخرون أن عبدالله الثني ليس غريبا عن المشهد الأمني في ليبيا فقد كان لأكثر من عام وزيرا للدفاع قضى منها أشهرا بين الحج والاعتمار بعد اختطاف ابنه من قبل مسلحين “مجهولين” في وقت كان فيه عناصر الجيش الليبي يذبحون في الشوارع. كما أنه لم يكن أبدا الرجل القوي في حكومة زيدان، ولم يكن أبدا مؤثرا في المشهد العسكري بليبيا.

وكان يتعرض لانتقادات مستمرة ولاذعة من ضباط الجيش الليبي لكونه لم يقم بأي إجراءات حقيقية تهدف إلى إعادة تأسيس الجيش الوطني على عقيدة سليمة.

رغم كل هذه الانتقادات فإن عبدالله الثني قادر على إسكات كل هذه الأفواه وذلك في حالة وحيدة لو تمكن من إعادة الأمن إلى ليبيا بالقضاء على المليشيات الخارجة عن القانون وإعادة الهيبة إلى مؤسسات الدولة؛ أما إذا حدث عكس ذلك فإن مصيره لن يختلف كثيرا عن مصير زيدان.

14