عبدالله الحريري الذاهب إلى الرسم بحساسية الحفار

الصورة هي مقصد الحريري الأول والأخير، بعد أن سيطرت طويلا فكرة "الهوية" على أساليب فناني مدرسة "الدار البيضاء" التي تربى في أحضانها.
الأحد 2019/09/01
الحريري مغربي عاكف على حروفيته الخاصة

حين يكون الرسام ابن ظاهرة فنية متشعبة من جهة الأنواع التي تشملها فإن ذلك ينعكس على أدائه واكتشافاته أسلوبيا وتقنيا ناهيك عن تعدد طرق الرؤية التي تفيض بالاحتمالات الجمالية.

المغربي عبدالله الحريري قضى سنوات التأسيس في ورشة أخيه المعماري أحمد. هناك تعرف على السينما والأدب والفوتوغراف والموسيقى “وحتى الكيمياء حيث قمنا بتصنيع الصابون” كما يقول.

الصورة كنز مرئيات

فنون فتحت عينه على عالم شاسع سيكون عليه أن يلتقط عدته الفنية من مختلف جوانبه. أن ترسم العالم من حولك شيء وأن يكون الرسم خلاصة طريقتك في التفكير في العالم عبر تقنيات مختلفة هو شيء آخر.

عرف الحريري كيف ينجو من كل ما يعلق بالصورة من حكايات. وذلك من خلال الاستفادة من تداخل تأثيرات الفنون بعضها بالبعض الآخر. كانت الصورة مقصده الأول والأخير، بعد أن سيطرت فكرة “الهوية” على أساليب فناني مدرسة “الدار البيضاء” التي تربى في أحضانها.

لم تكن الهوية لديه نوعا من المسعى العقائدي. وضع “محليته” في سياق أكبر منها وهو ما تعلمه من فن الـ”غرافيك”. في البدء كان الحرف جماليا غير أنه لم يتجاوزه إلى آفاق نظرية هي عبارة عن تهويمات صوفية. لذلك لم يكن حروفيا بالمعنى السائد.    

“الحروفي من غير حروفية” تلك هي واحدة من الخلاصات التي انتهى إليها الناقد المغربي فريد الزاهي وهو يحاول تقييم تجربة النظر إلى فن الحريري.

لن يكون الاستنتاج الذي توصل إليه الزاهي غامضا أو صعبا على الفهم إلا إذا اعتبرنا خطأ كل مَن وضع حرفا على سطح لوحته حروفيا.

التعرف على التجربة البولندية على المستوى التقني يصعق الحريري، لذلك تغيرت أفكاره عن المسافات التأملية التي يمكن أن يصل إليها التعامل مع الصورة باعتبارها كنز مرئيات
التعرف على التجربة البولندية على المستوى التقني يصعق الحريري، لذلك تغيرت أفكاره عن المسافات التأملية التي يمكن أن يصل إليها التعامل مع الصورة باعتبارها كنز مرئيات

تلك سذاجة مخاتلة لم يكن الحريري ليطيق التعامل معها من خلال فنه. لقد استفاد الفنان من التجارب الفنية المغربية التي سبقت تجربته غير أنه لم يقس تغيره الأسلوبي في ميزانها.

صعقه التعرف على التجربة البولندية على المستوى التقني فتغيرت أفكاره عن المسافات التأملية التي يمكن أن يصل إليها التعامل مع الصورة باعتبارها كنز مرئيات.       

ولد الحريري بحي درب السلطان في الدار البيضاء عام 1949. درس الرسم في معهد الفنون الجميلة بالدار البيضاء سنة 1969 فاز بجائزة الشبيبة والرياضة. بعد تخرجه من كلية الفنون الجميلة عام 1973 انتقل إلى بروجير بفرنسا لدراسة فن الديكور المسرحي والسينوغرافيا ومنها انتقل إلى باريس لدراسة فن الغرافيك والتعرف عن قرب على محترفات الرسامين. حين عاد إلى المغرب احتضنه الفنان محمد شبعة وفتح أمامه أبواب التعاون في مجال الهندسة الداخلية والتصميم. يومها انهمك الحريري في أعمال مطبعية وتصميم أغلفة الكتب والعلامات التجارية.

بعدها درس فن الغرافيك بروما ومنها انتقل عام 1980 إلى لودز ببولندا ليكمل دراسته ضمن ورشة فنية في تقنيات الحفر الطباعي. في كلية سيدي عثمان بالدار البيضاء قدم أطروحته “الرسوم المتحركة لورشة الفنون التشكيلية”.

أقام معرضه الشخصي الأول عام 1973 بميامي بيتش بالدار البيضاء. بعده أقام العديد من المعارض داخل المغرب وخارجه يمكننا أن نذكر أهمها وهي التي أقامها في سنوات مختلفة بـ”روما، غرينوبيل، لودز”.
حين عاد الحريري من روما فاجأ الوسط الفني بمعرض طليعي قدم من خلاله تجربته مع اللون الأسود. وهي التجربة التي عاد إليها غير مرة عبر مسيرته الفنية. أحدث ذلك المعرض صدمة في المشهد الفني، بحيث حاول الكثيرون السخرية منه ومن الفنان واعتبروا أن الحريري عاد إلى لوح التدريس الأسود. ومن الظريف أن ظاهرة استعمال اللون الأسود انتشرت بعد ذلك بين الفنانين المغاربة.

“السواد هو فضاء الحميمية والحب والحلم والهدوء” يقول الحريري معلقا على معرضه الذي أقامه سنة 2016.

غير أن النقاد المغاربة يعودون إلى البدايات. فيوم انتسب إلى معهد الفنون عام 1965 وجد نفسه في خضم التحول الطليعي الذي أحدثه فنانو مدرسة الدار البيضاء. كان هناك فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة. يومها كان نجم الثلاثة في صعود، كونهم يمثلون روح الحداثة الثانية في الفن التشكيلي المغربي بعد مرحلة أحمد الشرقاوي وجيلالي الغرباوي.

في إطار الحروفية الشعرية

– ” الحروفي من غير حروفية” تلك هي واحدة من الخلاصات التي انتهى إليها الناقد المغربي فريد الزاهي وهو يحاول تقييم تجربة النظر إلى فن الحريري
"الحروفي من غير حروفية" تلك هي واحدة من الخلاصات التي انتهى إليها الناقد المغربي فريد الزاهي وهو يحاول تقييم تجربة النظر إلى فن الحريري

كان لا بد للفتى القادم بشغف الفنان من حيه الفقير أن يتأثر بتلك الروح الطليعية المنفتحة على العالم، غير أن ذلك التأثر لم يكن في إمكانه أن يحدث انقلابا في شخصيته لولا تعرفه عن قرب على عالم السينما في روما.  

لقد تعلم الحريري من السينما ما لم يتعلمه من دروس الرسم. سوف يكون عليه أن يختصر درس “بازوليني” السينمائي بالشعر.

في استنتاجه النقدي الغريب اعتمد فريد الزاهي على حقيقة أن عبدالله الحريري لم يكن خطاطا، بمعنى أنه لم يدرس الخط ولم يمارسه. لذلك فهو من وجهة نظره حروفي يقف خارج أسوار المدرسة الحروفية التي كانت تدعو إلى استلهام جماليات الحرف العربي.

السؤال “ما الذي فعله الحروفيون ولم يفعله عبدالله الحريري؟”. صاحب نظرية “البعد الواحد” في سبعينات القرن الماضي شاكر حسن آل سعيد لم يكن يجيد الخط. تبعه في ذلك كل الحروفيين. هناك استثناءات قليلة كما هو حال اللبناني وجيه نحلة والتونسي نجا المهداوي. سيكون مفيدا أن نعرف أن نحلة والمهداوي كانت إجادتهما محدودة في إطار أنواع قليلة من الخط العربي. ليست حجة الزاهي مقنعة. فالحريري هو فنان حروفي تقع تجربته الفنية في إطار الحروفية الغنائية التي يمكن تسميتها بطريقة مواربة بـ”الحروفية الشعرية”.

تعرف الحريري عبر مسيرة حياته الحافلة باللقاءات العظيمة على تجارب فنانين كان لهم الأثر العظيم في صنع الحداثة الفنية في مرحلة ستينات القرن الماضي. الإيطالي ألبرتو بوري كان واحدا منهم وهو صديقه. لذلك يمكنني القول إن شغف الحريري بالحرف العربي قد تسلل إلى طريقته في التفكير في السطح التي اكتسبها من تأثره بفناني الستينات الأوروبية. لقد نقل الحريري “الحروفية العربية” إلى فضاء أوروبي، حين تنفس هواءه شعر بأنه يهب الحرف العربي حياة جديدة.    

في مرحلة من سبعينات القرن الماضي اعتقد الكثيرون أن مستقبل الرسم صار في عهدة فن الحفر الطباعي “غرافيك”. ذلك فن، يسير نقله كما أن كلفته ليست باهظة إضافة إلى أن تداوله التجاري سيكون متاحا لفئات كثيرة من الشعب. كان الحريري واحدا ممن شغفوا بذلك التحول الديمقراطي فانخرط في تعلم أسرار الحفر الطباعي “أنواعه، تقنياته” بدءا من روما وانتهاء بلودز البولندية. وإذا ما كان فن الحفر الطباعي قد تراجع في ما بعد وخيب آمال المراهنين عليه فإن ما اكتسبه الحريري من تقنياته يعد عنصرا أساسا في بنيته الفنية.

نقل الفنان خبرة الحفر الطباعي إلى سطوح لوحاته بحساسية، ما كان ليبلغها من خلال ممارسة الرسم وحده. تلك هي حساسية الحفار التي لا تخطئها العين الخبيرة. يبدو السطح من خلال تلك المعالجة كما لو أنه يُخفي سطوحا تحته ويشف عنها. تلك تجربة وسعت من دائرة المجال الحيوي التي يتحرك فيها الفنان المغربي الحديث. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن عبدالله الحريري على المستوى الثقافي العام.    

كان الحريري وفيا لمعادلة جيله القائمة على ضرورة التحرر من مفردات الهوية المحلية من غير التخلي عن فضائها العام. فكانت هويته منفتحة في اتجاهين؛ الداخل والخارج.

تجريد للحرف من المعنى المعطى والاحتفاظ منه بالمعنى الرمزي
تجريد للحرف من المعنى المعطى والاحتفاظ منه بالمعنى الرمزي

 

9