عبدالله الربيعة جراح فصل التوائم الشهير يعمل على لصقها في اليمن

السبت 2017/07/08
سعودي أطاح به فيروس "كورونا" يشرف على مركز سلمان الإغاثي

الرياض- يقود اليوم الأعمال الإنسانية التي تقدمها الذراع الخيرية للسعودية من خلال الإشراف على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، كما يقود جهود بلاده في تقديم المساعدات الإغاثية في عدد من الدول في مقدمتها اليمن والذي يساهم فيه المركز بشكل رئيسي في مكافحة وباء “الكوليرا”. إنه جراح فصل التوائم الشهير على مستوى العالم ووزير الصحة السعودي الأسبق عبدالله الربيعة الذي أقيل من منصبه نتيجة انتشار فيروس “كورونا” في بلاده على حين غفلة من المؤسسات الصحية.

شغف مبكر

ولد الربيعة في الـ11 من نوفمبر 1954 في الرياض، وقد دفعه شغفه المبكر بمهنة الطب ليسلك هذا الطريق الذي اختاره لنفسه وقاده لتحقيق أكثر ممّا كان يطمح إليه حيث أصبح جراحا عالميا ووزيرا للصحة ومشرفا على واحد من أكبر المراكز الإنسانية في المنطقة.

عن ذلك الولع المبكر بمهنة الطب وكيف قرر ذات يوم أن يكون جراحا يقول الربيعة في أحد اللقاءات الصحافية “نشأت مثل أيّ طفل في المجتمع السعودي في أسرة متوسطة الحال في مدينة الرياض، وكان أبي حريصاً على أن أدرس وأن أتدرّب على ركوب الدراجة، فأهداني دراجة صغيرة وشجعني على استخدامها. ولكني لم أحسن استخدامها فكنت أتسابق مع أبناء عمي وإخوتي في المنزل، فاختل توازني وانشقت رأسي وسال الدم على وجهي وأخذني أبي إلى المستشفى الوحيد الموجود آنذاك المسمى بالشميسى والذي يسمّى الآن بمجمع الملك سعود الطبي، ولم تكن وسائل التطبيب في ذاك الوقت بالمستوى الذي وصلنا إليه الآن”.

ويتابع الربيعة “قام الجراح بخياطة الجرح دون تخديري بالبنج وبإبرة كبيرة، مما جعلني أشعر بالغضب والألم الشديد من الطبيب حينئذ حرص والدي على أن يطيب خاطري وقال لي: إن شاء الله تصبح يوماً جراحاً وتعالج الجروح بدون ألم. ومن هنا بدأت نقطة التحول في حياتي بعد أن رسخت كلمة والدي في ذهني وبذلت الكثير من الجهد إلى أن مكنني الله بفضله بدراسة الطب وتحقيق حلمي وحلم الوالد في مساعدة الناس في مجال الجراحة”.

ولتحقيق حلمه تدرّج الشاب في مراحل التعليم حتى وضع قدمه على أولى مراحل التعليم العالي في مجال الطب الذي اختاره لنفسه، وتوّج ذلك بحصوله على درجة البكالوريوس في الطب والجراحة من جامعة الملك سعود بالرياض في يوليو من العام 1979. قبل أن يعزز مهاراته في هذا الجانب الذي أراد أن يكون علامة فارقة فيه وليس مجرّد عابر سبيل.

حصل على الامتياز خلال فترة التدريب كطبيب في مستشفى الملك خالد الجامعي خلال عامي 1979-1980، لينتقل بعد ذلك إلى كندا حيث صقل مهاراته كطبيب مقيم بمستشفيات جامعة ألبرتا خلال فترة طويلة نسبيا استمرت حتى أواسط الثمانينات من القرن الماضي، وهي ذاتها الفترة التي حصل فيها على الماجستير في العلوم الجراحية وزمالة الجراحة العامة من كلية الجراحين الملكية بكندا، ليتبعها بالحصول على زمالة جراحة الأطفال من جامعة “دالهوسي” بكندا في العام 1987. وإلى جانب مواصلة دراساته العليا في مجال الجراحة تقول سيرة الربيعة الطبية الحافلة إنه عمل كطبيب جراح للأطفال، لأنه يحب الأطفال والجراحة كما يقول.

شهرته العالمية تأتي من العمليات المعقدة التي يجريها للتوائم السيامية. ويقول الربيعة إن أول حالة صعبة واجهته في هذا النوع من العمليات هي عملية فصل التوأم السوداني عام 1992 بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، والتي دامت خمس عشرة ساعة متواصلة، مع فريق جراحي يرافقه في بعض العمليات يتكون من 30 طبيبا مختصا

عمليات جراحية معقدة

حصل الربيعة على شهرته العالمية من خلال قيامه بالكثير من عمليات فصل التوائم السياميين، وقد قام بأول عملية من هذا النوع في العام 1990. يقول إن أول حالة صعبة واجهته في هذا النوع من العمليات هي عملية فصل التوأم السوداني عام 1992 بمستشفى الملك فيصل التخصّصي ومركز الأبحاث، والتي دامت خمس عشرة ساعة متواصلة، وأن الفريق الجراحي الذي يرافقه في بعض العمليات يتكون من 30 طبيبا مختصا. لتصبح الخبرة التي اكتسبتها بلاده في عمليات فصل التوائم السيامية مرجعًا للعالم في هذا المجال.

وقد حظيت الكثير من العمليات التي أجراها الربيعة بدعم ومتابعة من العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي كان يزور بعض الأطفال السياميين بعد إجراء العمليات ويوجه بإجراء عمليات فصل لتوائم ملتصقين من مناطق شتّى حول العالم.

أشرف الربيعة على حالة 97 توأم ملتصق من 19 دولة وأجرى بنجاح 42 عملية فصل معقدة، ثلاث منها توائم طفيلية، كما أصدر أربعة كتب حول التوائم السيامية وطب جراحة الأطفال، وشارك في إنجاز أكثر من 72 بحثا وورقة عمل في مجلاّت علمية مختصة ومحكمة، الأمر الذي يجعله واحدا من أبرز المراجع الطبية في هذا التخصص النادر والمعقد، وقد ألفت الكاتبة الرومانية دومنيكا أليزل رواية عن قصة فصل التوأم الماليزي التي أجراها الربيعة وحملت الرواية عنوان “الحب واليأس” امتنانا لجهوده في هذا الجانب الطبي الإنساني الفريد.

خلال مسيرته المهنية تولّى الربيعة العديد من المناصب الطبية مثل رئاسة مجلس أمناء الهيئة السعودية للتخصصات الصحية والمدير العام التنفيذي للشؤون الصحية بالحرس الوطني ورئاسة مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، ومدير جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، إلى جانب عمله كأستاذ بكلية الطب بجامعة الملك سعود حتى تعيينه في منصب وزير الصحة في الـ14 من فبراير 2009 وهو المنصب الذي تخلّلته بعض الانتقادات التي وجهت إلى الربيعة، على خلاف كل الأعمال السابقة التي كان الثناء الدائم رفيقه فيها.

وقد اتسمت فترة توليه لوزارة الصحة السعودية بالعديد من الإنجازات مثل اعتماد خطة “المشروع الوطني للرعاية المتكاملة” لتوزيع الخدمات الصحية في السعودية، وحصول 15 مستشفى على شهادة الاعتماد من هيئة المستشفيات الأميركية و52 مستشفى على شهادة الاعتماد الوطني، في سياسة عمل الربيعة على تكريسها بهدف ضبط معايير تقييم جودة الخدمات الصحية في البلاد.

الربيعة يصر على أن يلعب المركز دورا محوريا في مواجهة وباء "الكوليرا" الذي انتشر في اليمن

كما رافقت عمله العديد من الإخفاقات مثل اتّهامه من قبل مسؤولين وصحافيين بتبنّي إجراءات ساهمت في “إغلاق مدراء المستشفيات الحكومية الأبواب أمام المراجعين”، و”تردي الخدمات الصحية في بعض المناطق”، كما اتهم بعرقلة “مشروع التأمين الصحي الحكومي” الذي كان على وشك الإنجاز في عهد سلفه حمد المانع.

غير أن توالي بعض الأخطاء الفادحة في القطاع الصحي السعودي خلال الست السنوات التي قضاها الربيعة على رأس الوزارة ساهم في تراجع فرص بقائه في هذا المنصب بشكل متزايد ومن ذلك قضية “نقل دم ملوث بفيروس نقص المناعة لإحدى المريضات”.

ويعزى السبب الأكبر بقيام العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز بإصدار أمر ملكي في الـ21 من أبريل 2014 بإقالة الربيعة من منصبه كوزير للصحة وتعيينه مستشارا في الديوان الملكي نتيجة لتزايد الإصابات بفيروس كورونا. وجاءت الإقالة غداة مؤتمر صحافي له قلل من خطر المرض وتأكيده أن انتشار الفيروس في السعودية لم يصل إلى مستوى الوباء، وهو ما أثار حفيظة الرأي العام السعودي ووسائل الإعلام حينها خصوصا وأن وزارة الصحة السعودية سبق وأعلنت عن وفاة 81 شخصاً بالفيروس حتى يوم إقالة الوزير.

في الحرب على الوباء

عاد الربيعة لمزاولة شغفه الرئيسي كطبيب جراح تاركا خلفه أعباء العمل الإداري وانتقاداته المستمرة، غير أن صورته المشرقة كأيقونة للتقدم الطبي في السعودية جعلته موضع اختيار الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي كلفه في مايو 2015 بقيادة الذراع الخيرية للمملكة من خلال إشرافه على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

اعتبر الربيعة في تعليقه على أهداف المركز أن “مبادرة الملك سلمان بإنشاء المركز، تأتي امتداداً لتاريخ المملكة الحافل والطويل في العمل الإغاثي، وكذلك تاريخ الملك سلمان، في الأعمال الإنسانية منذ أن كان أميراً للرياض”، وعن أبرز ما يميز هذا المركز في طبيعة عمله يقول الربيعة إن “الأعمال الإغاثية والإنسانية كانت موزّعة على قطاعات عديدة في الدولة والهيئات، لذلك سيكون المركز بمثابة المرجعية للعمل الإغاثي للتنسيق أو المشاركة في التنفيذ”.

ولأن إنشاء مركز الملك سلمان ترافق مع الحرب في اليمن، فقد لعب المركز دورا مهما في تقديم الإغاثة بأشكالها المختلفة لليمنيين، ويشير الربيعة في أحد التصريحات الصحافية إلى استخدام طائرات التحالف في إسقاط إمدادات طبية وغذائية على بعض المناطق في اليمن، وخصوصا تلك التي تتعرض للحصار من قبل الحوثيين مثل مدينة تعز. ويؤكد الربيعة أن حجم المساعدات التي قدمتها السعودية عبر مركز الملك سلمان خلال عامين تجاوزت الـ8 مليارات دولار.

ولعب المركز دورا محوريا في مواجهة وباء الكوليرا الذي انتشر في اليمن، وفي مايو الماضي دشن الربيعة قافلة برية لمكافحة وعلاج وباء الكوليرا في اليمن تحتوي على 550 طنًا من الأدوية ومستلزمات تشخيص الوباء وتحتوي شحنة المساعدات، وفقا للربيعة، على 700 ألف عبوة من المحاليل الوريدية مع الأجهزة اللازمة لها، و200 ألف عبوة محلول مكافحة الجفاف و550 ألف جرعة مضاد حيوي مخصصة لعلاج حالات الكوليرا، ومن المرجح أن يستفيد منها 50 ألف فرد في جميع المحافظات اليمنية.

الربيعة دشن قافلة برية لمكافحة وعلاج وباء الكوليرا في اليمن

وفي ذات السياق أعلن الربيعة في يونيو الماضي عن توجيه وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتقديم 66.7 مليون دولار عبر المركز لمكافحة واحتواء وباء الكوليرا في اليمن، استجابة لنداء منظمة الصحة العالمية ونداء منظمة اليونيسيف لمكافحة وباء الكوليرا ودعم المياه والإصحاح البيئي في اليمن للتخلص من مسببات الوباء.

وأوضح الربيعة أن ذلك يأتي امتدادا للدعم الذي تقدمه المملكة لليمن من خلال المركز حيث قدم منذ مطلع شهر يونيو الماضي 133 مشروعًا نفذها في جميع محافظات اليمن، بمشاركة 83 شريكًا أمميًا وإقليميًا، منها 59 مشروعًا في مجال الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي بمبلغ 228 مليون دولار نفذها المركز من خلال 42 شريكًا. كما قدم المركز لمنظمة الصحة العالمية مبلغ 8 ملايين دولار لدعم جميع المناطق لتشخيص وعلاج واحتواء مرض الكوليرا.

ونفى الربيعة في حديث مع صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، وجود أيّ توجهات سياسية لمركز الملك سلمان، مؤكد أن المركز يقدم مساعدات في عدد من الدول من بينها العراق وسوريا وأفغانستان، لافتا إلى أن “اليمن يحصل على الجزء الأكبر من عمل الإغاثة منذ أن أسسه الملك سلمان في عام 2015، تليه سوريا”. مشددا على أن “الإغاثة التي تقدمها المؤسسة ليست مدفوعة بأيّ هدف يتعلق بالعرق أو اللون أو الدين أو أيّ دافع سياسي أو عسكري”.

وكشف الربيعة عن وصول نشاط المركز إلى أكثر من 33 دولة في العالم؛ منها دول أفريقيا التي تعاني من الأوبئة، مثل جيبوتي والصومال وإثيوبيا وزامبيا وبروكينا فاسو، كما قام المركز بمساعدة دول آسيا الوسطى مثل كازاخستان وطاجكستان وغيرها.

وبلغ إجمالي ما قدمه مركز الملك سلمان، بحسب الربيعة، 170 مشروعا في العالم، 97 منها بالشراكة مع منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني، كما نفذ المركز برامج بأكثر من 680 مليون دولار في أكثر من 33 دولة.

يبقى الربيعة طبيباً مميزاً على مستوى العالم العربي والعالم، ولأنه لا يريد أن يكون عادياً فقد أنجز كل تلك الإنجازات الشخصية المهنية، والتي يريد أن تتواصل في عمله العام اليوم، فهو لم يقبل الهزيمة يوماً، إذ بعد إقالته من منصبه كوزير للصحة، دافع الربيعة عن نفسه قائلا “أنا راضٍ عما قدمت، أنا لا أقيّم نجاحي، ولمن أراد معرفة نجاحي أو إخفاقي عليه مراجعة المؤشرات الصحية”.

13