عبدالله السوادي: استراحتي هي حين أحارب بقلمي

تمكنت دولة الإمارات من خلق فضاء متنوع الثقافات ساهم في خلق مشهد ثقافي ثري منفتح على كل التجارب والمشارب الإبداعية ومتأصل في تربته الخاصة ولغته وبصمته، هذا التمازج أو التوازن ساهم في تكوين مشهد ثقافي مستقطب للكتاب والمبدعين ومحرض على الفن الخلاق. “العرب” التقت الكاتب اليمني المقيم بالغمارات عبدالله حسين السوادي في حوار حول عوالمه الروائية.
السبت 2016/09/24
طموحي لا سلطان للجغرافيا عليه

يعد القاص والروائي اليمني عبدالله حسين السوادي من أهم التجارب السردية اليمنية، وتدور أعماله في أجواء صوفية عميقة في شكلها ومحتواها، ساهم ترحاله الروحي بين المدن وترحاله الفكري بين الكتب في تكوين مزيج ثقافي خاص انعكس بصورة لافتة على أعماله التي كان آخرها روايته الصادرة حديثا عن دار الفارابي بعنوان “زوينة.. من باريس غربا إلى وادي العشق شرقا”.

يتحدث السوادي لـ”العرب” عن بدايات تجربته وجذورها الممتدة إلى أفياء الشعر وارتحاله من القصة إلى الرواية حيث وجد ضالته قائلا “تجربتي مع الأدب ليست جديدة أو طارئة، فقد كتبت الشعر منذ طفولتي وأثناء مرحلة الدراسة الابتدائية تحديدا، حيث كنت شاعر مدرستي، وكان تشجيع الناس لي لصغر سني بمثابة تحريض واضح على الكتابة والإبداع، ثم تنقلت بين فنون الأدب، من الشعر إلى القصة ثم إلى الرواية. وفيها وجدت نفسي أكثر من غيرها من الأعمال الأدبية، لكن كل مرحلة أضافت إليّ شيئا من خلالها، مما انعكس أثره على مجمل التجربة، وسيظل صقل الموهبة هو أكثر ما تضيفه إليّ هذه الانتقالات بين فنون الأدب”.

ذوبان الجغرافيا

ساهمت إقامة عبدالله حسين السوادي في مدينة دبي والتنوع الهائل الذي يجعل من المدينة نموذجا مصغرا لعالم متجانس في اختفاء حدود المكان والزمان إلى حد كبير في تجربته الإبداعية وخصوصا الروائية منها، وعن ذلك يقول “أنا أكتب رواياتي من خلال معاناة الإنسان، وبالتحديد المعاناة الوجدانية والعاطفية والسلوكية، ولا أكتفي بعرض هذه المعاناة، وإنما أحاول تقديم البعض من الحلول الواقعية لها، لذلك أنا أخاطب الفرد فقط وأستحضره وحده، فغايتي أن يجد القارئ نفسه بين سطوري، ويستمر معي مندهشا ومشدودا، وأنا أناقش معه البعض من تفاصيل همومه ومشاغله ومشاكله، ولذلك لا أكتب سوى بتلقائية محضة، متخليا عن الاستعراضات اللغوية والثرثرة الكتابية على حساب وقت القارئ أو ماله الذي ربما اقتطعه من مصروفه الضروري في سبيل الحصول على كتابي”.

يتابع ضيفنا “في الكتابة، لا تتسع لي ذاكرة مجتمع واحد، وإنما أبحث في قلوب الناس وحياتهم عن المساحات الأكثر اتساعا، فطموحي لا سلطان للجغرافيا عليه، حتى الورقة قد تتسع لك أكثر، بينما قد يضيق بك الوطن ذرعا، كذلك الذاكرة أيضا لا سلطة لها على قلمي”.

في رواية “زوينة” الصادرة مؤخرا مزج السوادي بين مختلف الفنون الأدبية التي كتبها من قبل وكثفها بشكل بالغ الدقة، كذروة تجربته الإبداعية والثقافية كما يقول، وعن أجواء روايته الجديدة وظروف كتابتها يقول ضيفنا “زوينة أو رواية ‘الله الله‘ كما يحلو لأحد أصدقائي أن يسميها، أحبها كما لو كانت ابنتي وأفتخر بها كما لو كانت كذلك، بل هي كذلك، فقد صرفت في سبيل كتاباتها أكثر من ثلاث سنوات من ربيع العمر. وكانت أغلب كتابتها كتابة ليلية، بمعنى أنني كنت أسهر طوال تلك السنوات وأنا أخطها وأتأملها كما لو كانت لوحة فنية وليست رواية فحسب”.

إقامة عبدالله حسين السوادي في دبي المتميزة بالتنوع ساهمت في اختفاء حدود المكان والزمان إلى حد كبير في تجربته الإبداعية

تنقل عبدالله حسين السوادي خلال روايته من باريس غربا إلى وادي العشق شرقا في تايلندا، مرورا بمصر والإمارات وماليزيا واليونان، متنقلا من خلالها عبر هذه البلدان في رحلة مضنية، لكنه كان ينسى كل متاعب الكتابة بمجرد مقابلته البعض من الأشخاص الذين قرأوها لمرة أو لمرات عدة، وهم يعددون له مناقب هذه الرواية وربما مثالبها، وماذا يمكن لها أن تغير من مفاهيمهم في الحياة.

يتابع “هنا فقط لا أنسى كل متاعبي فقط، بل أستعذبها إلى حدّ السكر، وليس سرا أن أقول لك إنني واجهت صعوبة أخرى بعد فراغي من كتابتها، مع مجموعة من الدور العربية للنشر، في سبيل الوصول إلى حل مُرْضٍ لنشر الرواية، حتى استقر المقام بزوينة في دار الفارابي ببيروت، والتي قامت بعد إخراجها -مؤخرا- بترشيحها لنيل إحدى الجوائز المهمة، كما أنها كانت لديهم من بين أكثر الكتب اختيارا من قبل القراء والقارئات لعام 2016. ومازلت أنتظر لهذه الرواية المزيد من النجاح، لإيماني بما تحتويه من غايات نبيلة، أتقاسمها مع كل من يحمل قيما نيّرة في هذا العالم”.

مشهد ثقافي استثنائي

لا يخفي الكاتب عبدالله حسين السوادي الفضل الذي منحه إياه مشهد ثقافي زاخر وقوي ومتعدد مثل المشهد الثقافي الإماراتي الذي يقول في تقييمه لهذا المشهد “المشهد الثقافي في دولة الإمارات لا أظنه ينافس سوى ذاته الآن، مقارنة بالمشاهد الثقافية على مستوى الوطن العربي على أقل تقدير، فهو يعيش عصره الذهبي وأفضل حالاته، فهنا تجد زخما كبيرا، وتشهد ولادات متكررة ودائمة لكُتاب وكتب ودور نشر، ومكتبات خاصة ومكتبات عامة، ومهرجانات ثقافية وندوات، وعدة معارض سنوية للكتاب منها معرضان دوليان، ذلك أن الدولة هنا تولي هذا الجانب اهتماما بالغا، ومن ذلك التشجيع على القراءة فسمي عام 2016 ‘عام القراءة‘ في الإمارات، وهذا العام سيكون بمثابة امتداد للعمر، وليس مجرد 360 يوما فقط”.

مزج بين مختلف الفنون الأدبية بشكل بالغ الدقة

رغم تنافسيته الإيجابية يجعلك هذا المشهد، كما يقول ضيفنا، تشعر برغبة جامحة للانخراط فيه دون تردد، ما دمت تمتلك قلما يصلح لنشر ما يمكن كتابته. وباختصار يقول “إن المشهد الثقافي الإماراتي استثنائي بكل المقاييس”.

الحب والحكمة والحياة

في رصيده الإبداعي يمتلك السوادي ثلاثة كتب أدبية أصدرها حتى الآن هي “الثلوج المشتعلة”، و”يتيمة الدراري”، و”زوينة”، كما نشرت له العديد من المقالات والقصائد في صحف عربية، إضافة إلى بعض الأعمال الأخرى المنشورة إلكترونيا، أو التي لا تزال مخطوطة.

عن مشاريعه الكتابية القادمة يقول الكاتب “انتهيت من إنجاز عمل أدبي طبع حاليا في مصر بعنوان ‘سعرات عاطفية‘ وهو عبارة عن نصوص قصيرة تناولت الحديث فيها حول محاوري الكتابية الثلاثة: الحب والحكمة والحياة، ولديّ رواية أخرى بدأت كتابتها، ربما ستكون فكرتها امتدادا لرواية ‘زوينة‘، لذلك ستكون أيامي المقبلة، عينا على نجاحات ‘زوينة‘، وعينا تسهر على كتابة العمل الروائي الجديد، وعندما قال لي أحد الأصدقاء مازحا: يجب أن تأخذ لنفسك استراحة محارب. قلت له: إن استراحتي هي حين أحارب بقلمي في سبيل الحب والحكمة والحياة”.

15