عبدالله الصرامي ..سعودي يُعيد تعريف "السُّنة"

باحث يدعو إلى دستورية القرآن واستبعاد "دين الموتى".
الثلاثاء 2020/07/21
عبدالله الصرامي يطالب بمرجعية القرآن كدستور

"كُتبت هذه الأسطر ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالى، ودرءاً للتشدد والتطرف، وسعيا للاعتدال، وبيان أن التشريع الإسلامي والدين كلام الله تعالى، والمُتيقن المتواتر من  سنّة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وتنزيهاً للتشريع عن الأقوال والروايات"، كانت هذه مُجمل مقدمة الأكاديمي عبدالله الصرامي الباحث المتخصص في الفقه المقارن في كتابه الموصوف بالعنوان الصادم والجدلي “دين الموتى”، موضحاً عبر حديثه لـ”العرب” أن المقصود بالموتى ما ليس حياً وقائماً بيننا، ساعياً عبر صفحات كتابه إلى إعادة تعريف السنّة النبوية، ومحاولة التفريق بينها وبين ما هو مروي ومأثور، وبيان اختلاف العلماء في تعريف السنّة، مطالباً بمرجعية القرآن كدستور، لأن الروايات والأحاديث ليست حيّة مثل القرآن، مستثنياً منها المتيقن العملي المتواتر وما عمل به الرسول.

القرآن والسنة

يبيّن الصرامي أنّ القرآن قطعي الثبوت ويقيني بإجماع الأمة كلها وله كتبته وحفظته، كتبوه حسب ما أملاه عليهم الرسول، وبما أشار عليهم حول ترتيب آياته، وهناك من أوجد وهَم عدم فهمه إلا من خلال الأحاديث والمرويات، مع أن الله جعله للناس عامة وبمختلف مستويات علمهم ولم يربطه بمصدر يُستسقَى الفهم منه، والسنة كما يقول، هي ما ثبت قطعا ويقينا عن النبي من فعل أو قول ولم يأمر بتدوينه، ووصلت إلينا بالتواتر العملي واللفظي، وهو قليل، مقتصرة على بيان آيات كتاب الله المجملة كإقامة الصلاة والصوم والحج وإيتاء الزكاة، فتناقلتها أمته عبر أجيال وبصورة قولية عملية ومن دون تدوين حرف واحد، ومن السنة القطعية الثبوت كل ما تواتر عن النبي لفظاً، كحديث “من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”، والتكبير في الصلاة، وأقوال السجود والركوع.

ويحيل الصرامي، بدايةَ الروايات والأحاديث إلى “المشافهة”، ثم إلى تناقلها من بعد وفاة عمر بن الخطاب سنة 23 للهجرة، وصولاً إلى القرن الثاني للهجرة الذي وضعت فيه أولى لبنات تدوين تلك المشافهات والسمعيات المسماة بالروايات والأحاديث والأقوال واعتمادها سنةً وديناً، وتطورها عبر انتقالها من مرحلة الجمع إلى مرحلة التصنيف والترتيب.

تجربة تجديد الخطاب الديني يصفها الصرامي بالضعيفة، فالمؤسسات الدينية في البلدان العربية مرتبكة، بينما المفترض أن يكون هناك نوع من الجرأة في طرح الآراء المختلفة ومناقشتها وتفنيدها
تجربة تجديد الخطاب الديني يصفها الصرامي بالضعيفة، فالمؤسسات الدينية في البلدان العربية مرتبكة، بينما المفترض أن يكون هناك نوع من الجرأة في طرح الآراء المختلفة ومناقشتها وتفنيدها

أما سؤال الصرامي الذي يطرحه بجرأة  فهو “ما مصير من عاش قبل تناقل تلك المرويات والأحاديث وتأسيسها خاصة في فترة النبي وخلافة أبي بكر وعمر والتي بلغت في المجمل 35 عاما؟ وكذلك من عاشوا بعد وفاة عمر إلى حين بداية تدوين هذه المرويات؟” ألم يكونوا مُتبعِين السنة؟ أم أن إسلامهم يُعد ناقصاً؟ وهل ارتكبوا محرمات؟ مبيناً حرص الرسول الكريم وطيلة نشره للدعوة على إرسال الحُفّاظ والقُراء لتعليم القرآن وفرائض الدين لمعتنقيه الجدد، وهو ما ظل معمولاً به إلى ما قبل وفاته وإلى عصر الخلفاء الراشدين، مؤكدا عدم منطقية أن تكون هذه البعوث محملة بالروايات والأحاديث المدونة في الكتب، فمن العقل والمنطق أن يكون معهم كلام الله وسنّة الرسول في بيان فرائض الإسلام وحدوده، فالذي جُمع ودُوّن هو القرآن الكريم، فقط، وخاصة بعد وفاة أغلب حفظته  نتيجة الحروب.

لقد ولّد تدوين تلك المرويات والأحاديث والدخول في تشعباتها، من كثرة التفاسير المختلفة، خفوتاً في التدبّر والنظر في نور كلام الله، والأدهى والأمر من يظن بنقص الآيات لتكون الأحاديث مُكملةً لها، ووسيلة استئناس وسعي للكمال والتجارة بالدين، علاوة على أن هناك روايات تتعارض مع القرآن كحديث “من أبدل دينه فاقتلوه” مع أن عقوبة الردة وضّحها القرآن أنها في الآخرة لا في الدنيا.

جنود الله

جميع أصحاب المذاهب أو الطوائف في يومنا هذا، حسب رأي الصرامي، ينتظرون "مهدياً" ليقتلوا به الآخرين، ودجالاً يتعوذون منه، وهم بعيدون عن الوعي بمستجدات الزمن التي أبطلت فتاوى التحريم
جميع أصحاب المذاهب أو الطوائف في يومنا هذا، حسب رأي الصرامي، ينتظرون "مهدياً" ليقتلوا به الآخرين، ودجالاً يتعوذون منه، وهم بعيدون عن الوعي بمستجدات الزمن التي أبطلت فتاوى التحريم

يقول الصرامي إنه ليس هناك من  تأكيد وجزم على صحة نسبة الأحاديث والروايات إلى الرسول الكريم، لذلك اختلف العلماء في ثبوتها والعمل بها، فتجد لدى المحدّث أكثر من رأي في حكم المسألة الواحدة نتيجة كثرة الأحاديث المختلفة حول أمر واحد سواء كان شرعياً أم غيره. ويضيف “وصل الأمر بمقدسي هذه  الروايات والعنعنة إلى القول بقفل باب الاجتهاد، وحصره في النوازل والأحداث والوقائع من خلال آراء وأقوال وفتاوي القرون السالفة، لقطع الطريق أمام من يجتهد في فهم النصوص، ويصل إلى استنباط أحكام تخالف ما قاله الأئمة السابقون، فكان التعصب للمذهب والطوائف بمثابة دين وعقيدة، ليظهر الإرهاب الفكري والتجريم والزندقة والكفر لمن لا يتوافق مع المذهب والطائفة، وصولاً إلى القتل والتفجير في وقتنا الحالي  للأبرياء وبذرائع واهية من تفسيق الناس وأنهم جنود السلطان”.

كل ذلك زرع التشدد والتطرف في النفوس والازدراء والنظرة الدونية لغير المسلمين كعدم إلقاء التحية عليهم، أو السعي لأذيتهم حين مرورهم معنا أو بجوارنا في طريق واحد، بل أصَّلوا روح الكراهية وبناء علاقة معادية مع الدول غير الإسلامية والدعوة إلى محاربتها، ولم يكتفوا بذلك بل وصل الأمر إلى حد تعاملهم مع مجتمعاتهم بنفس الازدراء والنظرة الدونية لمن أطلقوا عليهم غير الملتزمين، والمنع من الخروج عن أقوال الأئمة وتأصيلاتهم المدونة في كتبهم وكتب اتباعهم، والتجرؤ على علم الغيب والتنبؤ بالمستقبل، فأضحى كل أهل مذهب أو طائفة ينتظر مهديه ليقتل به الآخرين، ودجال يتعوذون منه، وهم بعيدون عن الوعي بمستجدات الزمن التي بدورها أبطلت فتاوى تحريم أمور أضحت في حكم المسموح الآن وبعد أن كانت ضمن المحظور، مثل كشف الوجه والاختلاط والتصوير. حتى أن الصرامي يعتبر أن المسلمين من أصحاب الأربعين من العمر فما فوق، يعيشون حالة اضطراب، بسبب ما عاصروه من التحريم، وتبينوا حقيقته المباحة لاحقاً.

وعند النظر في الأحكام القضائية الصادرة من المحاكم الشرعية سنرى أنها مستندة إلى قول أو رأي لأحد الأئمة، بل هناك روايات وأحاديث وأقوال يترتب عليها حكم أو حد من حدود الله تعالى لم تصل للجميع، أو على أقل تقدير، لم يسمح بتدوينها أو تناقلها، وهنا يتساءل الصرامي: كيف يكون هناك حكم أو شرع من الله تعالى لم يسمع به إلا فرد أو اثنان من المسلمين بعد قرنين من وفاة النبي؟

 ما توصل إليه الصرامي لم يقتصر على المسلمين السنّة دون غيرهم، بل سلط الضوء كذلك على الشيعة والصوفية، قائلا “ما ينسب إلى الشيعة والصوفية أدهى وأمر وأسوأ قيلا، فقد ادعوا العصمة لمن لم يعصمهم الله ولم يبعثهم رسلاً ولا أنبياء بل اتخذوهم أرباباً من دون الله ليتزلفوا بهم إليه جلّ شأنه”.

داعشية متوقّعة

الصرامي يرى أن التقنية الحديثة قادرة على أن تُسهم في ترسيخ علاقة السلام بين المسلمين وغيرهم من المختلفين معهم فكرياً أو عقائدياً، وزوال الحركات الطائفية والمذهبية. ويقول "فقط علينا إزالة تكديس الروايات والتخلص منها، والتخفيف من كل مُثقل ابتليت به الأمة"

لم يُفاجأ الصرامي، الحائز على الدكتوراه في الشريعة من تونس، بظهور داعش وما صاحبها من قسوة “لأنها نتاج كتب وروايات وأحاديث تحثّ على العداء، وتُرسخ فكرة معاداة الآخر المختلف معنا دينياً، وشحن الناس بريح الجنة وبأشياء لا وجود لها، لاسيما إن علمنا أن أصل التعامل بيننا وبين الآخرين مبني على السلم”. آملا، في التقنية الحديثة أن تزيل هذا الظن وتركله بعيدا، وتُسهم في ترسيخ علاقة السلام بيننا وبين غيرنا من المختلفين معنا فكرياً أو عقائدياً، وزوال الحركات الطائفية والمذهبية. يقول “فقط علينا إزالة تكديس الروايات والتخلص منها، والتخفيف من كل مُثقل ابتليت به الأمة من أفكار وخلافه، فكل أصحاب هذه المذاهب والطوائف يستدل منها بما يناسب طائفته ومذهبه ومحاولة إثبات صحته من خلالها”.

 وبعد سنوات طويلة قضاها الصرامي في جمع المعلومات والأفكار، اعترف باستحالة “عدم اكتمال الدين” بأحكامه وتشريعاته في ظل وجود نص واضح ثابت نزل به القرآن “اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم  نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”. وهو يقول “إذا أشكل عليك شيء من الأحكام الشرعية، ولم يوجد له نص من القرآن، وقيل لك اختلف فيه العلماء، فاعلم أنه ليس من السنّة وليس مُلزَماً، وهو مباح، بناءً على أن الأصل في الأشياء الإباحة، واستناداً لقوله تعالى ‘خلق لكم ما في الأرض جميعا’ أي أن كل ما في الأرض مُباح، ولا بد للتحريم من دليل يكون في قوة وثبوتية الآيات أو سنة قطعية الثبوت”.

 أيضا لا يمكن إنكار آيات بأحاديث ومرويات ليست أساساً مصدر تشريع، والأمور غير القطعية في القرآن لا تُفرض، لاسيما وأن الله حدّد المحرمات، ماعدا ذلك فهو إما كذب وإما مُختلف فيه، وهذا يسري على جميع الروايات والأحاديث السمعية الظنية التي لا تُقيّد العلم، بل تبقى في باب الاحتمال والشك ولا يُبنى الدين وتشريع الأحكام على ظن وشك واحتمال، فالروايات والأحاديث التي زادت من الشك أفسدت غايات ومقاصد الدين، وحوّلت المظاهر والشكليات إلى دين، وأهملت حقوق الإنسان.

يدعو الصرامي إلى إصدار فتاو ذات مساحة أكبر في كتابتها وإدراجها لأقوال المختلف حول موضوعها بهدف استقطاب أكبر شريحة ممكنة، واصفاً تجربة تجديد الخطاب الديني بالضعيفة. فالمفترض أن يكون هناك نوع من الجرأة وعدم الخوف من طرح الآراء المختلفة ومناقشتها وتفنيدها وتمحيصها، فالمؤسسات الدينية في البلدان العربية مرتبكة والسبب خطابها الإسلامي الضعيف وعدم تمتعها بالقدرة على الاستيعاب وخلق وطرح فكر ديني جديد.

تدوين وتداول المرويات والأحاديث يولّد اليوم، كما فعل سابقاً، خفوتاً في التدبّر والنظر في نور كلام الله، والأدهى حال من يظن بنقص الآيات لتكون الأحاديث مُكملةً لها، علاوة على أن هناك روايات تتعارض مع القرآن
تدوين وتداول المرويات والأحاديث يولّد اليوم، كما فعل سابقاً، خفوتاً في التدبّر والنظر في نور كلام الله، والأدهى حال من يظن بنقص الآيات لتكون الأحاديث مُكملةً لها

13