عبدالله العثمان فنان سعودي يختبر فكرة التعذيب بالمغامرة

في غاليري “ذو ماين آرت” بدبي، لم يشعر الفنان السعودي عبدالله العثمان بالجمهور الحاضر، فقد بدأ عرض تجربته الأدائية “التعذيب من غير لمس”″قبل دقائق من دخول الجمهور، وانتهى بعدما غادروا، ولم يستطع التحدث مع أحد، أو بالأصح لقد تجنب الحديث معهم.
الخميس 2015/05/14
العثمان يستمع إلى 21 أغنية في ثلاث ساعات داخل غرفة معزولة

يهدف العمل الأدائي “التعذيب من غير لمس”″الذي قدّمه الفنان السعودي عبدالله العثمان مؤخرا في دبي إلى الوقوف مع الإنسان، ومع الموسيقى، في تجربة فريدة عدّها المتابعون بأنها من التجارب المهمة والفريدة من نوعها في الخليج، والتي تستحق التأمل بعمق، حيث استمع العثمان إلى 21 أغنية في ثلاث ساعات داخل غرفة زجاجية شفافة ومعزولة، وأثناءها كان يراقب نفسه مرارا وتكرارا في مواجهة الألم بصورة لا تحتمل.

وعن التجربة يتحدث العثمان إلى صحيفة “العرب” قائلا “ثلاث ساعات داخل غرفة مربعة زجاجية في صالة الغاليري، من هناك تركت الإنسان والموسيقى؛ لقد كنت حاضرا بالغرفة الزجاجية الشفافة فيزيائيا، وغير حاضر بمصير الهشاشة وانسحاب الصوت، تركت نفسي للحظة الموقف تصارع الموسيقى في مساحة ضيقة”.

ويوضح التجربة قائلا: كان الدخول إلى الغرفة يتطلب مجهودا بدنيا، بحيث تنزل إلى الأرض، وبعد ذلك تدفع نفسك في فتحة صغيرة حتى تصل إلى كرسي… أخذت الكرسي ووضعته في منتصف المكان الذي يتكون من طابقين، وبدأت الرحلة مع 21 أغنية، استخدمت في تعذيب الإنسان بسجن أبوغريب وغوانتانامو، وكانت واحدة من هذه القائمة موسيقى عربية اسمها “الذكرى” لملحن مصري.

ويتابع العثمان: لقد تسربت قائمة الأغاني من ملف السي آي آيه، وتم تناولها على صعيد دولي، كانت أغاني مختارة بدقة، حيث يتنوّع “الرتم”، حتى تكون كلماتها مؤذية ومستمرة، حيث ينتزع الإحساس، وتتركك هشا، وتحيلك إلى كائن هزيل جدا. وبعد مرور الوقت بالاستماع للموسيقى شعرت بذلك بالفعل، كنت أمدّ حضوري بالصوت الذي يخرج بأنفاس مندفعة وسريعة مع الموسيقى والألم وأنا ثابت على الكرسي.

شعر عثمان أنه مجرد عمود فقري يجلس على كرسي، وباقي كيانه في صراع مع التجربة، لم يلتفت في تقنية الأداء، ولا حتى إلى الحضور. كان ذاهبا وحيدا ليكتشف أقصى ما يمكن أن يذهب معه وإليه من ذاك النوع الذي يستخدم للتعذيب في السجون. وبكل تأكيد ليقف -أيضا- مع الإنسان في صرخة مفادها النضال من أجل منع الموسيقى في التعذيب.

وينقل العثمان عن افن كي وهو أحد عازفي الكيبوردات الغنائية التي تؤلف مثل هذه الأغاني قوله “نعم، كنت أتوقع أن تستعمل موسيقانا لمثل هذا الغرض. فمؤلفاتنا الموسيقية على درجة كبيرة من الغرابة والاستفزاز تؤهلها لمثل هذا الاستعمال، فالموسيقى هي الأداة الأقدر والأبهى على إتقان التّفاعل مع القوة اللاّعقلية”.

العثمان يعمد إلى البحث في الأفكار المجردة بطريقة فنية تجعل الأشياء واضحة مثل نقطة الارتكاز، بلا مرجعيات معتادة

من الواضح أن التجربة التي عاشها العثمان بكل إحساسه ممتزجا مع تفاصيلها، لا يقف تأثيرها بانتهاء التعذيب، فقد كتب العثمان عنها بعد انتهائها بأيام قائلا “هذا هو اليوم الحادي عشر بعد التجربة، ولازلت أشتكي من تقلص الأكسيجين، أشعر أنني أفقد امتلاءه في روحي، وإلى الآن، وأنا بأقصى مكان في غرفتي ألهث بشدة، وأشعر أنه بإمكان هذا اللهاث أن أسبق به عداء أفريقيا في سباق 100 متر… ثلاث ساعات أفقدتني ديناميكية الزفير والشهيق الطبيعية، وأعتذر لنفسي بشدة”.

يرى العثمان بأن المتلقي العربي جاهز جدا لمثل هذه التجارب الفنية الأدائية، ولديه من الخبرة ما يكفي ليتقاطع مع دلالاتها الوجودية والإنسانية في زمن الخراب العربي الكبير وانعكاساته على كينونة الإنسان العربي المستلب من الأنظمة ومن الاستعمار معا. ويؤكد العثمان في هذه التجربة، وفي تجربة سابقة، حملت عنوان “القفزة من علبة بيبسي”، على أن الأداء هو فعل ذهني يحدّه الجسد، أي أنه تطبيق الفكرة على الطبيعة، بحيث تُختبر في جزئياتها الحسية والجسدية. وفي سؤال للعثمان إن كانت مثل هذه التجارب الأدائية قد توغل في التوحش مما يؤدي إلى نفور المتلقي، وربما لا تقرأ بالشكل الإنساني الذي أراد لها الفنان، يجيب “العمل الأدائي هو شريان مندفع يقود الفنان أحيانا إلى التوحش، والدخول في مناطق من الفعل الجريء لكي يختبر الفكرة بالمغامرة”.

ويضيف موضحا “الجسد والذهن في مثل هذه التجارب يسيطران على الفنان ويذهبان به إلى مساحات بعيدة، فيتمنى أن يعود برحابة التجربة. لقد سمعت تعليقا من الفنانة الصربية مارينا أبراموفيتش، وهي تتحدث عن تجربة لها في عمل أدائي أنها ربما قد تموت بسبب المغامرة، وهذا ما تخافه”.

16