عبدالله العروي يسائل الفكر والسياسة والتاريخ

شكلت الأحداث التي عاشتها الدول العربية، منذ مطلع القرن الماضي، محور العديد من الأبحاث والدراسات، التي طرحت الكثير من الأسئلة حول قضايا مازالت تثار إلى اليوم، هذه القضايا مست جوانب من حياة المواطن العربي أمام ما شهده العالم العربي من تقلبات سياسية ومسارات فكرية متنوعة، ما دفعه، قسرا، إلى الدخول في دوامة البحث عن الذات في ظل تشتت الثوابت والقيم أمام هذا المدّ الهائل للأفكار الوافدة من هنا وهناك.
الجمعة 2016/08/12
وطنية كل مجتمع تختلف عن غيرها

يطرح المفكر والمؤرخ المغربي عبدالله العروي في عمله الجديد الموسوم بـ”استبانة”، جملة من الأسئلة عن أحداث وقضايا من التاريخ العربي الحديث والمعاصر.

ويتعمّد العروي اختيار اسم “استبانة” لكتابه هذا، كي يكشف للقارئ غايته من تأليفه، وهو طلب الإبانة في قضايا تاريخية وسياسية وفكرية جايلها منذ طفولته في ثلاثينات القرن الماضي، وإلى عهد ما بعد استقلال المغرب سنة 1956.

والكتاب، الصادر، مؤخرا، عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء وبيروت، هو عبارة عن مجموعة من الأسئلة تصل إلى حدود الـ111 سؤالا يطرحها العروي على نفسه ثم يجيب عنها، وهو في هذا يستعرض آراءه ومواقفه في جملة من المواضيع التي تخص التاريخ والسياسة والفكر.

وعلى ظهر الكتاب، الواقع في 142 صفحة من القطع المتوسط، أجاب العروي عن سؤاله حول الوطنية، بالقول إن “الوطنية هي شعور وسلوك وتطلع. الشعور هو الاعتزاز بالذات والأجداد. السلوك هو الإيثار والتضحية. والتطلع هو طلب الحرية والتقدم والرفاهية”.

والملاحظة الهامة في “استبانة” العروي أن الكتاب يخلو من مقدمة أو خاتمة، إذ يفتتح المؤرخ المغربي بجوابه عن سؤال يتعلق بجذور اسم “العروي”، ويختمه بجواب عن سؤال “هل يحافظ المغرب على ميزته التاريخية”.

يتدرج المؤلف في كتابه على ذات الشاكلة، حيث يقدّم سؤالا في موضوع ما، ثم يردفه بإجابة، وفي جوابه عن سؤال ما الفرق بين الوطنية كحزب والوطنية كحركة اجتماعية؟” يقول “بما أن المجتمعات تختلف في تمثلها لماضيها وفي تطلعاتها إلى المستقبل، فإن وطنية كل مجتمع تختلف عن غيرها وبالتالي كل حزب وطني له خصائصه. الحزب تابع للحركة وهذه تابعة للمجتمع”.

عوامل الاستقلال

في إجابته عن سؤال عن العامل الأساس في تحقيق استقلال المغرب، لم يتردد العروي، في القول إن “استقلال المغرب معجزة، إذ كان آخر دولة استعمرت في المنطقة وأول دولة استقلت وهو ما لم يهضمه البعض”، وعند سؤاله عن تحقيق الوطنية المغربية لأهدافها، وبعد شرح طويل خلص العروي، إلى أنه “بما أن لفظ استقلال لفظ مشترك يحمل معاني شتى يمكن القول إن الحركة الوطنية المغربية حققت هدفها الأساس بفسخ عقد الحماية (الفرنسية)، وفي الوقت ذاته لم تحققه، بمجرد الإعلان عن هذا الاستقلال، إذ أن الفرد المغربي لا يزال يعاني من آلام الفقر والجهل والمرض”.

المؤلف يطلب الإبانة في قضايا تاريخية وسياسية وفكرية جايلها منذ طفولته وإلى عهد ما بعد استقلال المغرب

ويشرح العروي ما تعنيه الوطنية في الوضع الجديد، بقوله، إن النتيجة التي خلص إليها من خلال دراسته لأصول الوطنية المغربية بهدف استشراف مستقبلها، هي أن الوطنية كأدلوجة وكتعبير بالمفاهيم والألفاظ، لا تعدو أن تكون استحضارا وتنميطا لمسار تاريخي متميز، وأن التاريخ الوطني هو ما يروى على مر العصور مبسطا منسقا مقوما ويرسخ في الوجدان، لا تاريخ الباحثين النقاد. وهو بالضبط ما سماه البعض الأسطورة الذهبية.

ويخلص في هذا السياق، كي ينبه إلى أن “للوطنية دورا في المستقبل كوصي على الماضي، فهي متعهدة بتبليغه إلى طلائع الأمة. تمثلها بالضرورة أقلية تدعي لنفسها في كل حال الجدارة والأهلية، لأن هذا كان طابعها قبل وبعد الحماية الفرنسية”.

في موضع آخر من كتاب “الاستبانة”، يشير عبدالله العروي إلى أن الوطنية ضرورة لا يمكن بحال إهمالها أو تجاوزها، لكنها بالتعريف متخلفة عن الواقع، ويلزم التمييز بين هذه الوطنية بالمعنى التاريخي، والاعتزاز بالهوية، أو الغيرة على الأرض، أو إكبار الثقافة، أو التشبث بلغة الأجداد، فـقد تكون هذه المفاهيم حاضرة ضمنيا في الوطنية لكنها لا تكفي لتعريفها، ولا تمثل عقدتها الجوهرية، فهي قابلة للانسلاخ عنها، والظهور للوعي مستقلة تماما.

وكتاب “استبانة” لم ينقل مواقف وتعليقات عبدالله العروي على التاريخ، فحسب بل تمتد إلى الحاضر، وفي موضوع أكثر عمقا وحساسية، يعمد إلى سؤال نفسه، قائلا “هل النخبة المغربية الحالية أقل وطنية من التي سبقتها؟، ليجيب “بالمعنى المقرر أعلاه (معنى الوطنية الذي أجاب عنه في بداية كتابه) أستطيع أن أقول إن النخبة الحالية المسيرة لدواليب الدولة أقل وطنية”.

ويضيف “لا أعني أقل غيرة على مصلحة الوطن أو أقل تعلقا برفاهية الشعب، لكنها إما جاهلة وإما رافضة للتصور الذي حددناه (…) لهذه النخبة تصور آخر، وتعريف آخر للوطنية”. وفي محاولة للتخفيف من وطأة حديثه يختتم جوابه بالقول “هذا تخمين وتخمين بريء”.

العروي يطرح أسئلة عن الاستقلال والواقع العربي

التدخل الخارجي

في موضوع يتعلق بالوجود الأجنبي في المغرب، واختلاف تسمياته، يجيب العروي بطريقة مثيرة وربما جريئة، حيث يقول إن “حماية (استعمار) إنكلترا للمغرب كانت أجدى وأنفع للوطن على كل المستويات”.

ويعتبر في جوابه عن سؤال هل كان من مصلحة المغرب لو كانت الدولة الحامية غير فرنسا؟، أن الدولة الوحيدة التي رفض المغاربة دائما وأبدا أن تكون وصية عليهم هي أسبانيا، مشيرا إلى أن الأسبان كانوا يعلمون أنهم عاجزون عن احتلال مجموع المغرب، وعليهم في كل الأحوال أن يتسللوا داخل البلاد مستظلين بدولة أوروبية أقوى منهم.

ويعتبر العروي أنه لا أحد ينكر أن الحماية الإنكليزية كانت جد ممكنة لو توافرت للمغرب نخبة واعية وجريئة، وأنها كانت ستكون أجدى وأنفع للوطن على كل المستويات، موردا في هذا السياق، أن “الوطنيين عابوا على السلطان المغربي الحسن الأول رفضه، دون تمحيص ونقاش معمق، مقترح إنكلترا سنة 1890، والقاضي بفرض حماية لينة”.

يشار إلى أن عبدالله العروي، من مواليد أزمور في العام 1933، وهو أبرز المفكرين المغاربة والعرب المعاصرين. بعد اختتام مراحل دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية في المدارس المغربية، التحق بمعهد الدراسات السياسية في باريس، لدراسة العلوم السياسية، وواصل دراسته العليا ونال “دبلوم السلك الثالث” في التاريخ، عام 1958، وحصل على شهادة “التبريز” (أستاذ مبرز) في الإسلاميات سنة 1963، وفي عام 1976 حصل على دكتوراه الدولة عن أطروحة “الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830-1912”، بجامعة “السوربون” العريقة في فرنسا. عمل أستاذا في جامعة محمد الخامس بالرباط، وفي عدد من الجامعات الفرنسية والأميركية، قبل أن يتقاعد ويتفرغ للتأليف والكتابة.

في رصيد العروي، أكثر من ثلاثين كتابا بين العربية والفرنسية، في مجالات التاريخ والفلسفة والفكر العربي والرواية والسيرة الذاتية، نذكر منها “العرب والفكر التاريخي”، و”الأيديولوجيا العربية المعاصرة”، و”الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية”، و”أزمة المثقفين العرب”، و”مجمل تاريخ المغرب”، و”مفهوم الأيديولوجيا”، و”مفهوم الدولة”، و”مفهوم العقل”، و”من ديوان السياسة”، و”مفهوم الحرية”، وروايات “الغربة”، و”اليتيم”، و”الفريق” و”غيلة”، وسيرته الذهنية “أوراق”، إضافة إلى كتب “خواطر الصباح”، و”السنة والإصلاح”.

15