عبدالله الغذّامي يفكك خطاب "الصحوة"

يروم الناقد السعودي الكبير عبدالله الغذّامي في كتابه “ما بعد الصحوة: تحولات الخطاب من التمرّد إلى التعدّد” إلى تفكيك خطاب الصّحوة، من الداخل قارئا في أدبياتها منذ التأسيس حتى عصر الفضاء الملوّن، ولكن هذه المرة يعمد إلى تفكيك خطابها بما يحمل من أفكار تحرّض على العنف في بعض مراحلها وأطوارها؛ ليقدّم لنا البديل الجديد لما يسمّيه خطاب ما بعد الصحوة، وهو الخطاب الذي يظهر تأثيرات الوسائط الجديدة “الميديا سوشيا” في الخطاب الصّحوي، وكيف أنه كان وسيلة تجاوز بها الصحويون ما فقدوه من حشد جماهيري، ساعين إلى تعويضه بحشد فضائي عبر التدوين والتفاعل معه بالتدوير (أو الريتويت بمصطلح تويتر).
السبت 2015/08/01
يرى الغذامي أنه كان على الصحوة أن ترتكب الأخطاء أولا، ثم تنتقد ذاتها ثانيا لكي تتحول من الانغلاق إلى الانفتاح

في بداية كتابه الجديد “ما بعد الصحوة: تحولات الخطاب من التمرّد إلى التعدّد” الصّادر عن المركز الثقافي العربي 2015، يدحض عبدالله الغذّامي ما صار من المسلّمات عبر النقل لدى البعض بربط الصحوة ربطا عضويا مع الإسلام ومع التدين، وهو الربط الذي نجده عند أنصار الصّحوة أنفسهم وأيضا عند المستعربين، والادّعاء عند الصحوي ماثل في أنه يجعل الصحوة سببا لتدين المجتمع بما أنها حاربت الشرك، وهي التدين حصريا بكل مظاهره ومنجزاته، وأنها هي التي عرّفت النساء بدينهن. وفي المقابل يفكّر المستشرق بأنّ تراجع الصحوة سيعني بالضرورة تراجع الإسلام. وهو ما لم يلق قبولا لدى الغذّامي تماما، خاصة أنهما يخلطان بين الظرفي والجوهري، وهو ما لم يقبله الغذّامي لأن الصحوة لديه «هي ظرف ثقافي نشأ لأسباب رمزية وتراجع بسبب أخطاء وقع فيها».

سياق تاريخي

يرى الغذّامي أنه كان على الصحوة أن ترتكب الأخطاء أولا، ثمّ تنتقد ذاتها ثانيا لكي تتحوّل من الانغلاق إلى الانفتاح، العجيب أن الصحوة في ارتكابها لأخطائها الخاصّة كان بغرض إشباع نهم الحشود وإرضاء حماسهم وتعطّشهم للفعل الحركي القوي الفعّال، فالصحوة رأت أن القضايا الخلافية -مثل قيادة المرأة للسيارة أو الحجاب- مسائل ليست اجتهادية، وأنّ فتحها للخيار الاجتهادي يفتح ثغرات على الإسلام يدخل منها التغريب والعلمنة، لذا فالتشدّد فيها هو الحصانة المعنوية والعقدية التي تحمي سياج الأمة.

أما عن مصطلح ما بعد الصحوة، فهو يؤكّد على أن المقصود بـ«ما بعد» التي تكون سابقة لمصطلحات الحداثة والبنيوية والعولمية، فتشير إلى تحوّل معنوي في المصطلح وليس تحوّلا عنه. ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول هي: علام الصحوة، والتدين (غير المحسوم ثقافيا)، وثقافة الاحتساب (سلطة الرقم/ سلطة الصوت)، أما الفصل الأخير فجاء بعنوان «ما بعد الصحوة (التعددية الثقافي)»، وهو الفصل الذي يكشف فيه عن الآلية الجديدة التي لجأت إليها الصحوة لتصحح مسارها المتعثر في الحشد المجتمعي.
الصحوة في ارتكابها لأخطائها الخاصة كان بغرض إشباع نهم الحشود وإرضاء حماسهم وتعطشهم للفعل الحركي القوي

يضع الغذّامي عامي 1987ـ 1997 كسياق تاريخي لبداية الصعود لما عرف بجيل الصحوة، وأيضا لبدايات انحسارها، حيث بدأت التحولات تلاحظ في أروقة الجامعة وكذلك تزايد الطلاب الذين ظهرت عليهم علامات الصحوة في الملابس القصيرة واللّحى واختيار الجريدة، والمجادلة بثقة وغياب الفواصل والحدود بين الأستاذ والطالب حتى غدت صورة الصحوي ثقافيّا وذهنيّا تتمثّل في “الجاد/ المتوجس”، واللافت أنّ الصّحوة إبّان ظهورها تحرّكت بقوة بشرية وتكتيكية، أثارت الرّعب والدهشة خاصّة في ما يتعلق بالقدرة على الاحتشاد.

يؤرخ الغذّامي للصدام الحقيقي مع جمهور الصحوة بليلة الاحتفال بحصول الشّاعر محمد الثبتي على جائزة الإبداع سنة 1991، في نادي جدة الأدبي، خاصّة ما فعلوه ليحولوا بينه وبين الاحتفال، وهو ما دفع بالثبتي إلى أن يهرب من باب خلفي كي لا يتعرض له الجمهور المتوتر، وهي الليلة التي كانت تدشينا لنفوذ الصحوة مقابل انكسار النادي معنويا، ويشير الكاتب إلى ما كان إرهاصا لحادثة النادي الأدبي بجدة، وإنذارا لما حدث دون أن ينتبه أحد، ففي عام 1988، عندما احتشد جمهور الصّحوة في الجنادرية، باعتبارها منبرا حداثيا تغريبيا يجب التصدّي له كما تراءى لهم، لكن الطريف أن القاعة صارت صحوية في حين أن المنبر كان حداثيا، ومن ثم صار الصراع بين الطرفين على المكشوف.

من المراهقة إلى الرشد

السؤال الذي كان يدور في الأذهان هو متى ولدت الصحوة الثقافية؟ يجيب الغذّامي من خلال قراءته لأدبيات وسياقات نشأة الصحوة، أنها ولدت في ظرف ثقافي بين ظرفين ما قبل/ وما بعد، قبلها كان اليسار القومي، كما كان للسياق السياسي عامل مهمّ في ظهورها، حيث كان لهزيمة 1967، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978، الفضل في تعرّض اليسار القومي لانكسارات متتالية جعلته يفقد رمزيته، ومن ثمّ تحرّك الحسّ الدينيّ ليملأ ويعمّر الفراغ المعنويّ. كما يلفت إلى أنّ الصحوة استفادت من زمن ثقافة الصورة لكي تبدّل علاماتها، وتدخل في ظرف ثقافي مختلف وتندمج في التعدّديّة الثقافيّة، وهو ما يمثّل علامات الـ”ما بعد”، حيث لم يعد البرهان ما قاله الزعيم، وقد فقد الزعيم فردانيته المطلقة، إذ صار صوتا ضمن أصوات متعدّدة، بعضها ينافسه والبعض الآخر يقدّم بديلا ثقافيا له قدرة على الإغراء.

الصحويون والمعركة الخاسرة مع الحداثة

الحقيقة التي يجب علينا إدراكها أن أفكار الصحوة هي أفكار موجودة من قبلها ومن بعدها، وليست من خاصية الصحوة ولا هي من إنتاجها، يستدل على أسبقية أفكار الصحوة بما تحمله من أفكار شخصية للشيخين الجلالي والدوسري، وسعيهما إلى تشويه التيار العروبي أو على الأقل استقطاب أبنائه. كما يشير الغذّامي إلى أن الصحوة خدمت الحداثة بطريقة عكسية، فالصحوة ترى أن الحداثة هي العدو الأخطر لها، ومن ثمّ وجهت سهام النقد والتشويه إليها، والمعروف أن الحداثة في أصلها نخبوية وشبه أكاديمية، وهجوم الصحوة لفت الانتباه إليها، كما أن الحداثة كانت فئوية ومحدودة العدد ولكن هجمة الصحوة ضخّمت الصّورة بأضعاف حقيقتها، حتى وضعتها في واجهة المنابر، ومع حالة العداء التي ناصبت بها الصحوة خصمها إلا أنها خسرت المعركة، كما أن الحداثيين عمدوا إلى تجنب المواجهة وهو ما أفسد فكرة العدو المحفّز.

وعن الاحتساب يقول إن أهم قضية واجهت المرأة السعودية كانت في الحجاب وقيادة السيارة رغم أن هناك فتوى من الشيخ الألباني ترى كشف الوجه، ويفرق الناقد السعودي المشتغل على النقد الثقافي، بين الاحتساب بالتبليغ والسلمية، تلك الجماعة التي كانت تدعو إلى الخير، وفي مقابلها ظهرت جماعة جهيمان التي احتلت ساحة الحرم وروّعت الآمنين بحجة الدعوة إلى ملة إبراهيم، وهي التي خرجت من عباءتها جماعة القاعدة. إذن الاحتساب بتوجّهيه رفضه المجتمع وكذلك المؤسسة الرسمية؛ فكلاهما فشل في تحقيق أهدافه، الاحتساب بالتبليغ فشل في تحقيق وجود تنظيمي له، والاحتساب بالعنف فشل في تحقيق أيّ تقبل مجتمعي أو شرعي له.

في نهاية الكتاب يرى الغذّامي أن زمننا هذا هو زمن التعددية الثقافية وتنوع الهويات (هويات ما بعد الحداثة). وإدراك علماء الصحوة أنّ التنوّع هو القوّة الفاعلة اليوم حيث قادتهم إلى توظيفه لمصلحة توجّههم، وظهرت ظاهرة الدّعاة الجدّد، واستخدام الفضاء والصورة ومواقع التواصل الاجتماعي، وتوظيف الصوت واللون والتفاعلية، كما ظهر الفقيه الفضائي كذلك.

17