عبدالله المحسن كائن ميتافيزيقي صغير يتمسك بالخطيئة الأولى

يحاول الكاتب السعودي عبدالله المحسن في مجموعته الأولى بعنوانها الطويل “يترجل عن ظهره كخطأ كوني” الصادرة عن دار مسعى في البحرين، أن يقول بغريزة إحساسه بالأشياء والكون والناس من حوله، وليس بخبرته، أو ثقافته. يغوص المحسن في مجموعته الأولى هذه في عمق المغامرة، ليس كمجرب عارف أتقن القواعد ليكسرها، بل بالبدايات الأولى لفن القول عموما، ولقول الشعر خصوصا، وبنبرة خطابية تبررها له سنه الصغيرة.
الثلاثاء 2015/05/12
المحسن كشاعر صنعته المجاز يتبرأ من خطأ أمة لا تتقن من الكلام سوى مجازات تخصص فيها الشعراء

يقول عبدالله المحسن “إذا ما استدارت المغفرة لحك ظهرها/ ستنتبه أنها خطيئة”. وفي مكان آخر “أنا لا أود أن تقوم أمة أخرى على هذه الأرض/ بسبب خطأ شاعر لم يحكم استخدام المجاز”. هكذا يطلق الشاعر السعودي عبدالله المحسن عباراته.

فيصوب مفرداته على الهدف غريزيا كما ينبغي لشاعر مطبوع. عبارات نثرية الصياغة، دون مجاز، أو استعارة، يكتفي في الأولى بمفارقتين.

الأولى منهما يشيعها المعنى الذي يحيل إلى أن المغفرة منحة شخص ما لآخر بعد خطيئة ارتكبها الثاني. المفارقة الثانية تكمن في ما يتضمنه باطن العبارة، وهو أنسنة كل من المغفرة والخطيئة. وعليه، يتأسس جديد المحسن في عبارته من كون كل منا يحمل في داخله كثيرا من الخطايا، ولذلك نخترع الغفران، لنبقى قادرين على منحه لمن أخطأ في حقنا.

وفي العبارة الثانية، يتبرأ، كشاعر صنعته المجاز، من خطأ أمة لا تتقن من الكلام سوى مجازات تخصص فيها الشعراء، واستولى عليها أيديولوجيون يحملون سمات كثيرة لا تبدأ بالدين، ولا تنتهي بالسياسة.

بحث في الميتافيزيقا

ابتداء من عنوان المجموعة، يستتر فاعل تقديره “هو”، فأي “هو” أضمره الشاعر؟ هنا، لا يمكن إلا أن نبحث في الميتافيزيقا عن ذاك الـ”هو”.

وفي الفهرس، نجد ثلاثة عناوين رئيسية لقصائد/ فصول، تنضوي تحتها قصائد تفصيلية، إن جاز التعبير. الرئيسية هي على الترتيب: يترجل عن ظهره، كخطأ كوني، كما يغفو ملاك. والجمع بين الثلاثة هو تعبير شعري تام الصورة بما يقارب التشبيه المرسل في غياب المشبه والمشبه به الذي يدل عليه إضمار الفاعل المجهول المعلوم.

المحسن يبني بما تحطم من البناء، ثم يحطم ما بناه هو نفسه، كي "لا يقدس" أي آخر ما تقدم من كلامه

تمثيلا، يقول المحسن “أمي التي تمرغ أحزاننا/ في الطشْتِ/ تستخرج من الجوارب خطواتنا/ المُتعبة/ تستخرج قلوبنا من القميص/ وترى عليه بعض الدم/ تنفض جيوبنا الفارغة/ إلا من بعض البياض/ تنشر الملابس في السطح/ كما لو أنها تنشرنا/ وتقدّمنا قربانا إلى الله…”. ليته اكتفى بذلك، ويضيف “يا الله/ لماذا أنزلت المطر/ هذا المساء؟”.

ليته أنهى نصه هنا، أيضا. وعندما ينهي “حتى لا يجفّ حزن حبل الغسيل/ إنها إذا ليلة أخرى في العراء”، يقول إن للملابس، أيضا، أرواحا تقبع بين ثنايا النسيج، لتعاني الملابس والخطوات الصغيرة والقلوب التي كانت تسكنها، معا، من ليلة ماطرة على حبل الغسيل.

أسئلة وجودية

إلى ذلك، تشغل المحسن أسئلة وجودية، ككائن نشأ في بقعة تحتل فيها الميتافيزيقا مركزية لا تقارن بأي بقعة من العالم، على عكس الاتجاهات الشعرية المعاصرة التي تأخذ من الحياة العادية للبشر مادتها، مبتعدة عن التشبيه والمجاز، ومفضلة الكلام المباشر على الاستعارة.

المحسن يؤنسن كل من المغفرة والخطيئة

عبدالله المحسن يجمع بين هذا وذاك، فيميل إلى الأسئلة الوجودية الكبرى، وليس إلى الحياة اليومية، والذكريات، فقط.

لكنه لا يتكئ على الأيديولوجيا السياسية – الدينية، والحياة المعاصرة، بل يعود حتى قبل أن يبتعد إلى الأسئلة الأولى للبشر منذ أن وُجدوا على الأرض بسبب تفاحة “أنا الذي ستنمو فوق قبري/ شجرة تفاح/ مليئة بالآلام”.

خبرة الكتابة تشكلت لدى المحسن في خطوته الأولى هذه تراكما، ليس على مثال ما حدث مع غيره.

هو يدرك ذلك، ويحاول أن يبني ما يختص به، فيهدم ما بناه غيره، مستفيدا من سنه الصغيرة ليحاول ما أمكنه ذلك قبل أن يعدّ الآخرون أخطاءه ويطالبوه بأن يأتي بالمثال الكامل العصي على النقد.

يبني بما تحطم من البناء، ثم يحطم ما بناه هو نفسه، كي “لا يقدّس” أي آخر ما تقدم من كلامه. هو كلام منذور للمحو. وهذا ما يدعو إليه المحسن.

نذكر أن عبدالله المحسن لفت أنظار متابعي الحركة الشعرية في السعودية والخليج، خاصة، بعد نيله جائزة مركز الشباب والشعر بمدينة تريجو في ميلان الإيطالية في مارس 2014، عن نصه “الموتى الجميلون”.
14