عبدالله المحسن لم يترك طفله يفلت من جلبابه إلا صحبة عجوز مهزوم

الجمعة 2015/01/23
عبدالله المحسن: كرموني في الخارج وتجاهلوني في بلادي

بعد فوزه بالمركز الأول في جائزة مركز الشعر والشباب بمدينة تريجو بميلان الإيطالية، التي شارك فيها عدد من شعراء العالم، عن نصه “الموتى الجميلون” يدفع الشاعر السعودي الشاب عبدالله المحسن مجموعته الأولى “يترجل عن ظهره كخطأ كوني” للنشر عبر “دار مسعى” التي أدرجتها ضمن مشروع “علي الصافي للإبداع الشعري”.

من الواضح أن هذا الفوز المستحق كانت وراءه شاعرية مخبأة في جيوب سنواته السبع عشرة القصيرة، وفي مقاسمته الحياة بين دراسة الثانوية وكرة السلة والقراءة والشعر.

عن تجربة الشاعر عبدالله المحسن يقول الناقد عبدالله السفر: «بمنأى عن فوز المحسن، واعتباره أيضا الأصغر سنا في إحراز هذه الجائزة، وبمنأى عن هذا التنويه العالمي، إلا أن ما يفرحُني شخصيّا هو تلك الشعريّة البازغة على نحو من القوّة والمتانة، والآخذتين في الاشتداد يوما بعد يوم، وعبر نصوص تتقاطر كثيفة بما يقول، هي تجربة لا تحتكم إلى السنّ ولا إلى الجيل بقدر احتكامها إلى الشعر وحده».


وهمية متكاملة


وحول مجموعته “يترجل عن ظهره كخطأ كوني” كتب الناقد محمد العباس: «في حديثه عن قوة الشعر يميل جيمس فنتن إلى أن “المرء عندما يضع القصيدة إزاء السيرة، فإنها تصبح إلى حدّ مضلل نوعا ما عملا من أعمال الإخفاء”.

نص "الإلهام"
لا يمكن أن يكون الإلهام كل شيء/ الإلهام وحده لا يكفي/ لا يمكن أن يكون هذا العالم مجرّد إلهام/ طرأ في مخيلة الله/ مؤكد أنه اعتدل في جلسته/ فرك عينيه جيدا وانتبه بعد هذه الفكرة/ وجلس يحصي عدد خصلات شعركِ/ جلس يرسم ملامحكِ/ لا بدّ أنه رسمها في الصباح/ ثم إن هذه الفكرة سبّبت له الأرق/ كان ربما يفكر في نسيانها/ لذلك كلما أغمض عينيه حطّ العدم/ عليه أن يفعل هذا الإلهام منتبها/ كما تكتب قصيدة/ هناك الكثير من التفاصيل ليضعها/ وبعد أن ينتهي من خلقكِ/ يجلس كنحات يدقّق في كل الأشياء من حوله/ فيأخذ فكرة الشمس من جبينكِ/ وحين يراكِ وحيدة تبكين/ يفكر في خلق المطر/.

وهذا هو بالتحديد ما حاوله عبدالله المحسن في مجموعته الشعرية، حيث يفصم ذاته مجازيا بين سيرتين: وهمية ومتكاملة. يمزج فيهما بين الواقعي والمتخيل، المعيش والمستعار، على قاعدة محكي الذات، فيما تضغط تفاصيل السيرة الحقيقية على محاولات الإخفاء والإيهام».

عبدالله المحسن -ورغم حداثة سنه- مثقل بالأسئلة الشعرية الكونية الكبيرة، فهو -وعبر نصوص قاربت الخمسين نصا قصيرا في مجموعته- لم يترك طفله يفلت من جلبابه إلا بمعية عجوز مهزوم بالذكريات واليأس.


التماهي مع العالم


وعن ذلك يقول المحسن: «إنه الشاعر، أعني إنه -بعيدا عن عمري- يجب أن يكون الشعر هكذا مثقلا بكل شيء وخصبا لكل شيء، وإني سعيت إلى عمق التجربة حتى في هذا العمر القليل».

ويضيف ملتفتا للإلهام الذي يؤرق الشاعر ويؤرقه بشكل شخصي، فقد أعطى هذا الكائن الشعري الوجودي ثلاث إطلالات في مجموعته: «الإلهام هو الحالة الأولى والحاسة غير المدركة للشاعر، التناصّ مع الأشياء، والتماهي مع هذا العالم، جميعها جعلني ألتفت إلى كل نجمة مضاءة وكأنها موطئ إلهام، ولطالما كان الإلهام محطّ تفكير لأنه وحده لا يكفي، من كل هذا أصبح الإلهام حالة عميقة تحفر في مخيلتي حتى أصبحت أسمي المناطق القريبة مني محلّ إلهام، بالنسبـة إلـي قرب هذه الحالة من مخيلتي».

نص"الموتى الجميلون"
الموتى الجميلون/ كم أحسدهم/ أولئك الذين لا يموتون من جديد/ الموتى الذين لا يكبرون/ لا يحتاجون في كل عام إلى شراء ملابس جديدة/ أحذيتهم كما هي تناسب/ أقدامهم وأحلامهم التي لم تتغير/ الآن أمي تكبر كل إخوتها الموتى/ تصنع لأختها الصغيرة ضفائرها تعدّ الحلوى لإخوتها الصغار/ تقدّم لهم في كل صباحِ حقائبهم المدرسية/ وتوصلهم حتى المقبرة/ كل ذلك لأن والدتها لا تزال نائمة/ حتى الآن/.

عن فوزه بالمركز الأول في جائزة مركز الشعر والشباب بمدينة تريجو بميلان الإيطالية عن نصه “الموتى الجميلون”، وعمّا استطاعت هذه الجائزة أن تكسر شيئا أو تدفعه لشيء؟ يعلّق المحسن قائلا: «كانت في البداية محاولة لتقييم مستوى النص بالنسبة إلي، لكن وبعد الفوز عرفت حجم الثقل الذي ألقي على تجربتي في كتابة جديّة دون ارتخاء، هكذا أصبح الشعر أسلوب حياة، علينا إكمالها حتى النهاية».

ورغم هذا التكريم الدولي إلّا أن المحسن لم تلتفت إليه أيّة مؤسسة ثقافية رسمية في المملكة السعودية، وفي ذلك يقول: «للأسف، لم أحصل على دعم أو تهنئة من أي جهة». وعن سؤال في ذات الصدد حول إن كان يرى تكريم المؤسسات الرسمية في الدولة للمبدعين ضروريا، لا سيما أولئك الذين تميّزوا دوليا؟ أجاب المحسن بأنه: «ذلك واجب على الدولة تجاه المبدعين فيها والذين يرفعون اسمها في محافل كبيرة».

في معرض الكويت الفائت خلال نوفمبر الماضي منعت كتب عديدة من العرض لأسباب رقابية مختلفة. ولقد كان لمجموعة “يترجل عن ظهره كخطأ كوني” نصيب من هذا المنع الذي طال ثلاثة عشر عنوانا في دار مسعى لوحدها. يعلّق المحسن على هذا المنع لمجموعته الأولى قائلا: «يبدو الأمر تعسفيا، خاصة إذا عرفنا كمّ الكتب التي تمّ منعها في المعرض، والملاحظ أنه بمزاجية حادة من الرقيب تجاه هذه الكتب التي يرى فيها ملامح تدفعه للمنع». ويضيف المحسن: «إنه وهم لإرضاء السلطة الدينية الموجودة لدينا، هو مجرّد فرض عضلات المنع والرقابة».

14