عبدالله الهيطوط الباحث عن مفردات حياة عابرة

فن التشكيلي المغربي يتضمن الكثير من التجليات الشعرية، إلا أنه يتلمس طريقه إلى الإلهام عبر تماسه بما هو مادي، وهو ما جعله يقف بين عالمي الإسباني أنتوني تابيس والأميركي باسكيات محتفيا بما تطرحه المواد من حلول جمالية.
الأحد 2019/04/21
مقاتل مغربي في برية الرسم

حين يكون الرسم عادة فإن النظر إلى العالم يكون مليئا بالمفاجآت الجمالية. هناك جمال في كل لحظة نظر. وهناك ما لا يُحصى من المسرات.

حينها يكون من اليسير على المرء أن يكون رساما. فكل شيء يصلح أن يكون موضوعا للتأمل. كل شيء يكتسب نضارة إذا ما امتدت إليه يد الرسام الذي ينصت إلى أصوات الأشياء من حوله.

الباحث عن أناه في الرسم

هذا ما يفعله المغربي عبدالله الهيطوط وهو يحتفي بكل شيء من حوله، يمحو ويضيف، يركب ويفكك، يلصق ويزيل، مطاردا “أناه” التي توزعت بين المشاهد التي شكلت نوعا من الذكريات الشخصية؛ فالرسم بالنسبة له هو نوع من ممارسة العيش. إنه يرسم ليحيا.

الحياة كما نُحب. الحياة كما تُحب. تستحق أن تكون موضوعا للرسم. وهي في الوقت نفسه تتحول إلى مغامرة اكتشاف. يعيد الرسام اكتشاف الحياة على الورق لتفاجئه بسحرها. تظهر المشاهد التي مرت عابرة.

لا يتعلق الأمر بمحاولة استحضار بقدر ما يعبر عن رغبة ملحة في المساءلة حين تقوم عناصر الرسم بالتنقيب بحثا عن دلالة اختطفها مرح أو حزن كامنان.

الهيطوط يحتفي بكل شيء من حوله
 الهيطوط يحتفي بكل شيء من حوله

لذلك فإن الهيطوط ليس من الرسامين الذين ينتظرون الإلهام. إنه يباشر عمله في أيّ لحظة كما لو أنه يعرف ما يريد القيام به من غير أن يكون كذلك.

ليس هناك من شيء يعيقه عن الرسم. علاقته بالرسم هي أشبه بعلاقة المرء بفكرته عن حواسه. وهو ما ينبئ عن تجريد هائل يعيد تنظيم العلاقات بين ما يُرى من الألم وما يظل خفيا.

أشبه بمَن يكتب مخطوطة، تبقى أسطرها التي لم تُكتب بعد عالقة بخيال زمنها، يلاحق الهيطوط عناصر لوحته؛ إنه لا يزيل عنها الغبار بل يجدها ناصعة وهي تومئ له بحذر وسط الحفلة التي يقيمها.

الهيطوط رسام لا يبالي بما ينتهي إليه من نتائج. تهمه البدايات والمنحى الذي تأخذه حياته وهو يمارس الرسم. الطريق لديه أهم من الهدف. فهو لا يرغب في الوصول إلى بضاعة متقنة الصنع من أجل تسويقها.

كائنات معفية من المعنى

ولد الهيطوط عام 1971 في لاله ميمونا بالمغرب. درس الفلسفة عام 1993 ثم عمل في التدريس. اهتم كثيرا بإقامة ورش فنية للأطفال وهو ما ألقى بظلاله على تجربته الفنية. عام 2011 بدأ بإقامة معارضه الشخصية إضافة إلى المعارض المشتركة التي كان أهمها “ورد أقل”، الذي أقامه عام 2018 مع الفنانين عزيز أزغاي وفؤاد شردودي تحية للشاعر الراحل محمود درويش.

وبالرغم من أن فن الهيطوط يتضمن الكثير من التجليات الشعرية فإنه يتلمس طريقه إلى الإلهام عبر تماسه بما هو مادي، وهو ما جعله يقف بين عالمي الإسباني أنتوني تابيس والأميركي باسكيات، محتفيا بما تطرحه المواد من حلول جمالية وبما تعبر عنه تلك المواد من حيوية تقرب المخفي من صلابته غير المتوقعة.

كان الهيطوط مسحورا دائما بكفاءة أصباغه وقدرتها على صنع الفوضى وهو ما تعلمه من رسوم الأطفال، لكن بحذر شديد. فهو يحتاط من أجل ألّا يسمح لتلقائيته بالسيطرة على مهارته التي هي عدته في صنع عالمه، الذي يسعى إلى أن يكون مرآة لأفكاره. لا يرسم الهيطوط مثل الأطفال ولا يتشبه بهم غير أنه ينظر إلى النتائج التي تنتهي إليها رسومهم بإجلال، لكونهم كائنات معفية من المعاني.

مرثيات لحياة زائلة

الهيطوط يطارد "أناه" التي توزعت بين المشاهد التي شكلت نوعا من الذكريات الشخصية
الهيطوط يطارد "أناه" التي توزعت بين المشاهد التي شكلت نوعا من الذكريات الشخصية

“التجريدية سمحت لي بتغيير طريقة النظر إلى الأشياء. أي بالتفكير ببساطة وحرية بكثير من العفوية. لست تجريديا بالمعنى الكامل للكلمة” يقول الهيطوط، ويضيف “إذا كانت التشخيصية تركز على المظهر فإن التجريدية لا تقف عند القشرة بل تغوص إلى العمق. أنا رسام تجريدي بهذا المعنى على الأقل ففي القاع يكمن الجمال”.

لا يميل الرسام إلى الوصف. لذلك فإنه سعيد باختراق القشرة. ولكن العنف الذي يسيطر على السطح التصويري يشي بما يحمله الهيطوط معه من العالم الخارجي؛ من آثار الحروب وتداعياتها. فإذا كان الجمال يكمن هناك فلا يمكننا الحديث سوى عن نوع متشنج من الجمال. تسيل الأصباغ كما لو تتدفق من جسد اللوحة مثل دم ضائع.

التجريد بالنسبة لهذا الرسام هو محاولة للنبش بحثا عن أصول النظرة التائهة التي يلقيها بشر، قُدر لهم أن يعيشوا حياتهم على عجل كما لو أنهم كائنات عابرة. رسوم الهيطوط هي عبارة عن تسجيل لما يُرى من أثر للعيش العابر الذي يمس الأشياء بخفة وقلق.

تبدو تلك الرسوم كما لو أنها مرثيات لحياة زائلة.

ولكن الهيطوط يحتفي بالمنسيات في محاولة منه للتذكر. تظهر الأشكال الواقعية شفافة كما لو أنها في طريقها إلى أن تختفي. وهي ليست بالنسبة للرسام إلا ذريعة لتنشيط الذاكرة.

الباحث عن أناه في الرسم هو في حقيقته باحث عن ترجمة تلك الأنا من خلال مفرداتها الصغيرة. وهي مفردات لا يمكن جمعها عن طريق لصق بعضها بالبعض الآخر بل عن طريق القبول بتناقضاتها. لا شيء من الانسجام يمكن توقع ظهوره في لوحات هذا الرسام. فالأشياء التي يستلهم الهيطوط عنف ظهورها إنما يقف بعضها أمام البعض الآخر بقدر لافت من التحدي والرغبة في المحو والإلغاء.  ألا يمكننا أن نتحدث هنا عن جمال مضاد لا يعترف بمفهوم الراحة؟

لا يتبع الهيطوط في صناعة لوحاته المبدأ الذي يدعو إلى بث الشعور بالراحة في نفس المتلقي سعيا من خلاله إلى الوصول إلى جمال آمن ومطمئن. إنه يفعل العكس تماما. فهو لا يستثني من شغبه أي شيء تصل إليه يداه. إنه يبث روح تمرده في الأشياء كما في المساحات اللونية التي تهاجمها كما لو أنها تمارس غزوا.

قتال ضد الرسم

رسوم تبدو كما لو أنها مرثيات لحياة زائلة
رسوم تبدو كما لو أنها مرثيات لحياة زائلة

فكرة “الغزو” هي التي تؤطر تجربته بقدر هائل من العنف. يذكرني سلوك الهيطوط بما كان يفعله الرسام الهولندي كارل آبل حين يرسم؛ الرسم باعتباره صراعا ضد عدو غامض، غير مرئي وقوي. نوع من الكفاح من أجل أن يقتنع المرء بكونه يفعل الشيء الصحيح. يقوم الرسام بالفعل ذاته غير أنه ينتج أشياء مختلفة. تلك هي مفاجأة سيكون عليه أن ينتظر تأثيرها النفسي على الآخرين.

بالنسبة للهيطوط فإن الرسم هو نوع من القتال. أحيانا يتسم ذلك القتال بالعشوائية فلا يصيب هدفه. في أحيان أخرى يكون تلقائيا وبدافع الغريزة. الرسام هنا يدافع عن نفسه ضد الوصفات الجاهزة. يحاول أن ينسى ما تعلمه. سيكون عليه أن ينسف الطريق التي مشى عليها من أجل ألّا ينظر إلى الخلف.

لقد درب نفسه على أن يهدم. غير أن العالم الذي كان يبنيه الأطفال أمامه ترك أثرا عظيما في نفسه. في لحظات يحاول أن ينسى مهمته في الرثاء لكي يعيد إلى نفسه قدرتها على التفاؤل. وهنا بالضبط تبدأ رغبته في إعادة بناء العالم بطريقة تنسجم مع خياله. “تحت الخطوات يرتسم ممشى الأشياء التي تظهر وتختفي” يقول وهو يصف استعادته لوعيه بالعالم ممّن حوله بعد أن وهب نفسه للرسم باعتباره عملا سريا خالصا.

يرسم الهيطوط كما لو أنه يلقي تحية الوداع على عالم لم يعد في حاجة إليه، غير أنه في الوقت نفسه يهب ذلك العالم نضارة هي واحدة من هبات الرسم الخالص.

9