عبدالله بن بيه تضاريس التجديد وطقوسه

السبت 2017/05/06
عبدالله بن بيه علاّمة يقود مشروعا واسعا للإصلاح وينادي بحلف فضول جديد

ستوكهولم- قبل أيام قليلة شهدت أبوظبي العاصمة الإماراتية زيارة تعد الأولى من نوعها لقافلة تضمّ رجال دين من الولايات المتحدة الأميركية ينتمون إلى مختلف ديانات العائلة الإبراهيمية؛ وذلك باستضافة وتنظيم “منتدى تعزيز السّلم في المجتمعات المسلمة” الذي يترأسه الشيخ عبدالله بن بيّه. وتضم القافلة ما يزيد على ثلاثين شخصية دينية من المسلمين والمسيحيين واليهود الأميركيين. وهم نخبة من أهمّ القساوسة والأئمة والحاخامات في عشر ولايات أميركية كبرى، أصبح فيها التنوع الديني واقعا والتعايش السعيد ضرورة حقة.

قال بن بيّه إن هذا اللقاء يستلهم روح إعلان مراكش الذي أصدره المنتدى في يناير 2016 بمدينة مراكش، في ختام مؤتمر “حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة”. مؤكداً أن مبادئ إعلان مراكش تستبطن الدعوة إلى التعايش بين الديانات والثقافات، وهو يؤسّس لمرحلة جديدة من الفهم العميق بغرض الاستفادة من تراث الماضي في بناء الحاضر والمستقبل.

وأضاف بن بيّه “لئن كانت البروتستانتية تقول إن التسامح هدية البروتستانتية للعالم، فنحن نعتقد أن الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية جميعها تحمل في نصوصها الكثير من الأسس التي تدعو إلى التعايش والتي لا تخطئها العين، وأن تعاليمها الأساسية حول السلام والتعايش وحول عالمية الكرامة الإنسانية واحترام الاختلافات الدينية هي مضادات قوية للتطرف الديني العنيف”، مؤكدا أن الرجوع إلى النصوص والتأويل المناسب والمقارب هو الذي سيسمح لنا بالرد على مروّجي الكراهية والإسلاموفوبيا وعلى الإرهابيين على حد سواء”.

وكان جديد بن بيّه هذه المرة دعوته المشاركين إلى وضع خطة استراتيجية لمواصلة رحلتهم في البحث عن السلام وتوسيع دائرة القافلة “لتتحوَّل إلى حلف فضول جديد للوئام والسلام السعيد بين الأديان” يستلهم جوهر الدين الصحيح في الديانات الإبراهيمية؛ لتحقيق التعايش السعيد بين الشعوب وعمارة الأرض بقيم الخير والجمال ونبذ الغلو والتطرف وطمأنة القلوب والعقول ومسح تداعيات “الإسلاموفوبيا” و“معاداة السامية”.

فارس هذه الروحية في التفكير هو الشيخ عبدالله بن بيّه الذي واجهتني مشكلة في الكتابة عنه، وحول أيّ باب أقرع في محاولة الإحاطة بكل جوانب شخصية ذلك العلاّمة. حيث أن هناك درجة عالية من الاختلاف حول كيفية قياس التحول الجذري الذي حدث في العالم الإسلامي على يده. لذلك وفي النهاية تواصلت مع كثيرين ممن رصدوا بن بيّه والتقوا به، وطلبت منهم أن يساهموا برسم الانطباع الشخصي حول ما استطعت جمعه و تدوينه هنا.

ولد بن بيّه في عام 1935 بمدينة تمبدغة جنوب شرق الجمهورية الإسلامية الموريتانية. نشأته كانت في كنف والده القاضي العلامة المحفوظ بن بيّه، وهي النشأة التي اختطت للصغير طريقه من البداية، حيث بدأ تلقي العلم منذ نعومة أظفاره على يد علماء عصره أمثال العلامة محمد سالم بن الشين، والعلامة الشيخ بيّه بن السالك المسومي، وغيرهما من علماء شنقيط المعروفين بغزارة علمهم وقوة حافظتهم.

ميراث العلم لمئات السنين

إنتاج بن بيه المعرفي الغزير ينطلق من إشكاليات تجديد مناهج التفكير الشرعي وطرائق الاستنباط أولا، بدءا بتحديد مفهوم التجديد وموضوعه ومراجعة أدواته حيث يقول "إن للتجديد أدواته كما لكل بناء أدوات، وقبل الشروع في البناء علينا أن نخترع الأدوات أو نفحص ما لدينا من أدوات؛ لنرى صلاحها وصلاحيتها"

عاش في بيئة دينية وعلمية كانت نتاج التقسيم التاريخي منذ عدة قرون بين العائلات التي تحمل العلم والأخرى التي تحمل السلاح. حيث كانت السيادة في البلاد إما للقلم والعلم أو القوة والسيف في ظل عرف اجتماعي وتصالح جعل الاثنين يسيران معا. لكن مع بدء الفرنسيين بالجلاء ظهرت الحاجة إلى ضرورة وجود نخبة تستطيع تولّي أمور القضاء بعد نهاية الاحتلال، حيث سافر بن بيّه إلى تونس في بعثة لتكوين القضاة، وبعد عودته تنقّل في عدة مناصب منها رئيس مصلحة الشريعة في وزارة العدل، ثم نائبا لرئيس محكمة الاستئناف ثم نائبا لرئيس المحكمة العليا ورئيسا لقسم الشريعة الإسلامية بهذه المحكمة.

كان الفرنسيون موجودين في هذه الفترة في المحاكم، ولم تكن هناك وسيلة لتدارس القانون والتعامل مع القوم والإدارة إلا باللغة الإدارية؛ وهي الفرنسية، حيث كانت العربية هي لغة النخب المثقفة، وفي المقابل كانت هناك نخب فرانكفونية لا تتكلم العربية.

عيّن مفوّضا ساميا للشؤون الدينية برئاسة الجمهورية؛ حيث اقترح إنشاء وزارة للشؤون الإسلامية فكان أول وزير لها، ثم وزيرا للتعليم الأساسي والشؤون الدينية، ثم وزيرا للعدل والتشريع وحافظاً للخواتم، ثم وزيراً للموارد البشرية برتبة نائب الرئيس. ثم وزيراً للتوجيه الوطني والمنظمات الحزبية.

ثم انتهى به المطاف إلى جامعة الملك عبدالعزيز في جدة. ثم رئيساً لمجلس حكماء المسلمين الذي يهدف إلى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ويجمع ثلة من علماء الأمة الإسلامية وخُبَرائها ووُجَهائها ممّن يتّسمون بالحكمة والعدالة والاستقلال والوسطيَّة، للمساهمة في تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة وكسر حدَّة الاضطراب والاحتراب التي سادت مجتمعات كثيرة من الأمَّة الإسلاميَّة في الآونة الأخيرة وتجنيبها عوامل الصِّراع والانقسام والتشرذُم.

ويعتبر مجلس السلم، الذي يتخذ من العاصمة الإماراتية أبوظبي مقراً له، أول كيان مؤسسي يهدف إلى توحيد الجهود في لمّ شمل الأمة الإسلامية وإطفاء الحرائق التي تجتاح جسدها وتهدد القيم الإنسانية ومبادئ الإسلام السمحة وتشيع شرور الطائفية والعنف التي تعصف بالعالم الإسلامي منذ عقود.

يدعو بن بيّه منذ زمنٍ طويل إلى “الحوار” و“السِّلم” في محاولة للوقوف في وجه التعصب الأعمى للجماعة الضيقة على حساب غيرها من الجماعات الأخرى، حيث أسس مجلسًا للعلماء يضمُّ وزراء شؤون دينية في دول مختلفة مثل إندونيسيا والنيجر ومصر. ويضمُّ عددًا من علماء السنّة في الإمارات ككبير المفتين في دبي أحمد الحداد، وكذلك الأمير الأردني غازي بن طلال، ورئيس مؤتمر العالم الإسلامي عبدالله نصيف، ويرأس المجلس أحمد الطيب شيخ الأزهر، ومعه بن بيّه.

انطلاقاً من مبدأ تجديدي يرى أن انتماء الأفراد إلى الفضاء الواسع يعد عاملا قويا في تهذيب أخلاقهم، والتخفيف من عنفوان غرائزهم و أنانيّتهم؛ لكن ذوبانهم في “جماعة ضيقة” وشدة تعصبهم لها على حساب انتمائهم الإنساني العام قد يحولهم إلى أدوات للقتل والعنف.

بن بية يعد أحد الأصوات الرائدة في مجال الحرية الدينية

ومن يتتبع إنتاج بن بيّه المعرفي الغزير ويحاول استيعاب منهجه التجديدي ونسقه الفكري يجد أنه ينطلق من إشكاليات تجديد مناهج التفكير الشرعي وطرائق الاستنباط أولا، بدءا بتحديد مفهوم التجديد وموضوعه ومراجعة أدواته، حيث يقول “إن للتجديد أدواته كما لكل بناء أدوات، وقبل الشروع في البناء علينا أن نخترع الأدوات أو نفحص ما لدينا من أدوات؛ لنرى صلاحها وصلاحيتها”.

وتأسيسا على هذا المنهج الأصولي والرؤية الفكرية يعيد طرح مجموعة من الأسئلة التي يرى أنه يتعيّن على العلماء الإجابة عنها وهي؛ ما مدى استجابة التشريع للقضايا البشرية المتجددة، رغم أن نصوصها محدودة ووقائع الحياة غير متناهية؟ وما مدى ملاءمة التشريع للمصالح الإنسانية وضرورات الحياة ؟ وما هي المكانة الممنوحة للاجتهاد البشري المؤطر بالوحي الإلهي؟

وهذا ما جعله ينطلق في منهجه التجديدي من أصول الفقه؛ باعتبار ذلك هو المدخل الصحيح لتجديد الفقه والتفكير، لأن التجديد في أصول الفقه “هو بالضرورة تجديد في الفقه ذاته؛ لأنه هو المستهدف في الأصل والنتيجة المتوخاة” ولأن “القضايا الفقهية، التي تمثل للمسلمين المنظومة التعبدية والقانونية التي تحكم النسق السلوكي والمعياري في حياة الفرد والجماعة يجب أن تواكب مسيرة الحياة”.

ما الحاجة إلى الفقه

حصر بن بيّه وظيفة أصول الفقه في غايتين تشريعيتين هما الاستنباط والانضباط بهدف “التوسط بين الوحي والعقل، وبين الأوامر الشرعية في إطلاقها الأزلي وبين الواقع الإنساني ببعديه الزماني والمكاني”. وبيّن أن “أصول الفقه في الوقت الحاضر لا تفضي إلى إنتاج الأحكام في مستجدات الوقائع” مستدلا على ذلك بواقع المجامع الفقهية نتيجة “وجود عجز في التواصل بين الواقع وبين الأحكام، وأحيانًا إلى عدم الانضباط في الاستنتاج والاستنباط”.

وأعاد سبب ذلك، كما قال في “فقه الواقع والتوقع” إلى عدم “مراجعة أدوات توليد الأحكام والاجتهاد المعطلة”. وهكذا فتح المجال، في كل زمان ومكان، لإعادة رسم مقاصد الشريعة حسب حاجات الاجتماع البشري وتطور المعرفة والواقع الدولي انطلاقا من روح الشريعة وقواعد التشريع، بشرط التقيد بقواعد أصول الفقه بدل التقوقع في “المقاصد” التي حددها إمام الحرمين أبوالمعالي الجويني أو أبوإسحاق الشاطبي أو محمد الطاهر بن عاشور كما لو كان تطور الاجتماع قد توقف، حيث يقول إن “المقاصد الكبرى التي تحكم الشريعة لا يمكن ادعاء الحصر فيها فكلّ عالمٍ يقترح مقصداً بناء على ما فهمه”.

بن بيّه بقي يدعو إلى مقاصد متجددة بتجدد المعرفة ورقيّ العقل وتطور الاجتماع البشري. وينادي بضرورة توظيف عناصر معرفية جديدة لفهم "دلالات الألفاظ"

بقي بن بيّه يدعو إلى مقاصد متجددة بتجدد المعرفة ورقيّ العقل وتطور الاجتماع البشري. وينادي بضرورة توظيف عناصر معرفية جديدة لفهم “دلالات الألفاظ”. إذ يرى أن عملية الفهم تتعلق بموضوع “دراسة الظاهرة اللغوية في علاقتها بالوحي، وليس ذلك خاصًا بحضارتنا، فموضوع الظاهرة اللغوية شغل الدراسات الغربية في ميدان اللسانيات وبخاصة في تفسير النصوص المقدسة، أو ما عبّر عنه بول ريكور بأنه “فن تأويل النصوص في سياق مؤلف النصوص ومتلقيها الأوائل”.

وقد سبق لبن بيّه في كتابه “أمالي الدلالات” أن أصّل لهذه المسألة من داخل التراث الإسلامي، حيث ذكر أن “اللغة العربية لا شأن لها في الدلالات” وإنما يختص أهل اللغة بمعرفة الأسماء والألفاظ الموضوعة لمسمّياتها بأن يقولوا إن العرب سمت كذا بكذا فأما المعاني ودلالات الكلام فليس يختص أهل اللغة بمعرفتها دون غيرهم ممن ليس من أهلها فقولهم قال ذلك بعض أهل اللغة ساقط لا اعتبار به”.

الحرية الدينية ومواجهة التطرف

من هنا اقترح بن بيّه أن تنطلق عملية التجديد من “وضع مقدمة لدراسة الظاهرة اللغوية من كل جوانبها ونواحيها وزواياها لاستخراج خباياها”. متحف الصحافة والإعلام “نيوزيام” ومقره في العاصمة الأميركية واشنطن أعلن خلال العام الماضي 2016 أن بن بيّه سيكون ضمن الشخصيات التي ستنال جوائز حرية التعبير التي يمنحها.

وبحسب ما أورد بيان المعهد فإن الفائزين الثلاثة هم “الشيخ الجليل عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه، أحد أكبر العلماء السنة المعاصرين، وجيمس رايزن وهو مراسل صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، والمصور الصحافي الكيني بونيفاس موانغي”. وأضاف البيان إن بن بيّه “يعد أحد الأصوات الرائدة في مجال الحرية الدينية في العالم الإسلامي السنّي، ويسعى لتوظيف الحوار والتعليم لمكافحة الأيديولوجيات التي تشعل التطرف”. وتعد هذه هي المرة الأولى التي يمنح فيها المعهد هذه الجائزة لشخصية من العالم الإسلامي وخاصة من ضمن الشخصيات الدينية.

إن إرساء سلام عالمي على أساس الاحترام المتبادل، كما يطالب بن بيّه، يتطلب الجهد الكثير. ولذلك خصص “مجلس حكماء المسلمين” وقتاً وجهداً لذلك حيث يولي المجلس أهمية قصوى لبيان أُسُسِ التعاون والتعايش بين مُواطني البلد الواحد والبلدان المسلمة المختلفة والعمل على بناء شبكات مصالح وعلاقات في أنحاء العالم.

بن بية أسس مجلسا للعلماء يضم عددا من علماء السنة

وعلى سبيل المثال فإن مؤسسة طابة، المؤسسة التي يُديرها الحبيب الجفري ويعمل فيها بن بيّه مستشارًا وأمينًا، تُشرف على 10 برامج ومؤسسات أخرى تعمل تحتها، لها أهدافٌ وبرامج ومشاريع قائمة ومشاريع مُنجزة، تعمل، وفقًا لمؤسسة طابة، على “إعادة صياغة الخطاب الإسلامي المعاصر” وعلى إنتاج صورة جديدة للإسلام.

وتُغطّي هذه البرامج مجالات مختلفة وواسعة، منها ما هو إعلامي من برامج تلفزيونية وأفلام وثائقية وإعلانية مُوجهة لعامة الناس في العالم العربي، وبعضها للعالم الغربي. ومن البرامج ما هو أكاديمي صِرف يتوجه لـ“طلاب العلوم الشرعية” في اليمن وشرق أفريقيا وأوروبا، وتعمل على إعادة تدريب المُتخرجين منهم، وتخريج آخرين جدد بعيدين عن “التطرف والإرهاب”.

من الوسائل التي تستعملها مؤسسات بن بيّه لبناء الشبكات “الوفود”، إذ يُرسل مجلس الحكماء وفودًا دورية للعواصم الأوروبية، وانطلق أول وفد في رمضان عام 2015 إلى 14 عاصمة أوروبية لتصحيح المفاهيم وتخفيف حدة التوتر الديني.

حصل بن بيّه على عدد كبير من الأوسمة والجوائز منها وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الممتازة، ووسام الملك عبدالله الثاني بن الحسين من الدرجة الممتازة، و جائزة شنقيط فرع الدراسات الإسلامية عن كتابه “حوار عن بعد”، وجائزة الملك محمد السادس التنويهية التكريمية للفكر والدراسات الإسلامية، و جائزة الملك عبدالله الثاني للعلماء والدعاة بالأردن، وكذلك شهادة منظمة المؤتمر الإسلامي من الدرجة الممتازة، وغيرها من الجوائز. ومن مؤلفاته “توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال” و“مشاهد من المقاصد” و“مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات” و”حوار عن بعد حول حقوق الإنسان في الإسلام” و“خطاب الأمن في الإسلام وثقافة التسامح والوئام” و“صناعة الفتوى وفقه الأقليات” و“الإرهـاب: التشخيص والحلول”. وأعمال أخرى كثيرة.

13