عبدالله بن علي آل ثاني مستقبل أهل قطر

الأحد 2017/08/27
صاحب أحقية بالحكم يغير الحسابات في الدوحة

الدوحة - كشف الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني قبل ساعات فقط في تغريدة نشرها على حسابه في “تويتر” عن عدد الحجاج القطريين الذين قدموا حتى الآن إلى السعودية من مختلف أنحاء العالم، وبين أن عددهم وصل إلى ما يربو على 900 حاج وحاجة غادروا باتجاه الأماكن المقدسة لأداء فريضة الحج.

ويبدو المشهد السياسي هنا في الدوحة شبيهاً جداً هذه الأيام بمناخ قطر الضبابي المغبر الذي يستمر عادة طيلة السنة، لكنه بات اليوم بفضل خبر وحيد حالة عامة تطغى على كل مظاهر الحياة.

إذ يبدو أن ظهور الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني المفاجئ للأسرة الحاكمة وللقطريين لم يكن إلا بداية التغيير المتوقع حدوثه قريباً، بعد أن قال لهم الأمير الأب حمد بن خليفة آل ثاني “ليس لديكم من خيار سوى القبول بي وبسياساتي مهما كانت غريبة عنكم وعن قيمكم وعن محيطكم الخليجي والعربي”. وكادوا ينسون أن هناك آفاقاً أخرى تنتظر أن يتوجهوا نحوها دون أن ينهار نظامهم الاجتماعي والأميري.

وكانت وكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية قد ضجت بعد أن قدّمت السعودية ضيفها للعالم، ذلك الضيف الذي جاء فقط للتواسط لدى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان من أجل الحجيج القطريين، وكي يتم استثناؤهم من قرارات المقاطعة.

الملك سلمان أمر، بالفعل، بدخول الحجاج القطريين إلى السعودية عبر منفذ سلوى البري لأداء مناسك الحج بعد لقاء وليّ العهد السعودي في جدة بالشيخ عبدالله بن علي بن عبدالله بن جاسم آل ثاني أحد أفراد العائلة الحاكمة في قطر في مبادرة للوساطة من قبل الأخير. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن العاهل السعودي استضاف الشيخ عبدالله آل ثاني في طنجة بالمغرب حيث كان يقضي إجازته.

بين الاستقلال عن تركيا وجلب قواتها

منذ تلك اللحظة ولم يتوقف السؤال عن هوية ودور الشيخ عبدالله وعن سرّ تحرّكه المفاجئ غير المعلن من قبل، وعن طبيعة العلاقة التي تربطه بأمير قطر الحالي تميم بن حمد ووالده وبقية أركان الحكم، فيما بدا أن السلطات هنا مرتبكة ولم تعلق في البداية سوى بالقول إن الشيخ عبدالله في إجازة خاصة.

وحده من لا يعرف القطريين يمكنه أن يتوقع أنهم سيتجاهلون حضور شخصية هامة مثل الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني. فالتكوين الاجتماعي والتربوي لأهل قطر، والذي طالما كان سبب تحكم الشيخ حمد ومجموعته بهم، تكوين خاص، يقوم على احترام كبار القوم من أهل الحل والربط، ولذلك فهم يفكرون ملياً في الفارق ما بين الدور الإصلاحي الذي يقوم به سليل بيت الحكم الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني والدور التخريبي الذي قام ويقوم به أمير قطر السابق وولده حالياً.

مكانة الشيخ عبدالله تجيء من جدّه ووالده وشقيقه، فالثلاثة كان كل واحد منهم محطة هامة في التاريخ القطري المعاصر. فهو الابن التاسع لحاكم قطر الأسبق علي بن عبدالله آل ثاني، وحفيد حاكم قطر عبدالله بن حاسم آل ثاني وشقيق الشيخ أحمد الذي انقلب عليه جدّ تميم الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في الـ22 من فبراير من العام 1972.

مكانة الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني تجيء من جده ووالده وشقيقه، فالثلاثة كان كل واحد منهم محطة هامة في التاريخ القطري المعاصر. وفي عهودهم أعلن الاستقلال عن تركيا وتم تأسيس الدولة الحديثة وأعلن عن مجانية التعليم والصحة والكهرباء وانطلقت أولى شحنات البترول

ولد الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني في العام 1957 واتجه نحو الفروسية وأسس في العام 1979 اتحاد الفروسية القطري وأصبح رئيساً له أواخر الثمانينات من القرن العشرين، وعرف في الأوساط بنشاطه التجاري والعقاري.

عاش في بيت حكم؛ بيت والده الشيخ علي الذي كان له الدور الأكبر في ترسيخ الدولة في قطر، وهو رابع أمير لشبه الجزيرة، بعد أن ولد في العام 1896 وتولّى السلطة في العام 1948، بعد أن تنازل له عن الحكم والده الشيخ عبدالله بن جاسم بسبب تقدمه في السن.

كان سميّ الشيخ عبدالله وجده، رجل سياسة بارعا، وتولى الحكم كثالث أمير لقطر، وهو من أعلن استقلالها عن الدولة العثمانية في العام 1915. وللمفارقة فإن الطرق تتقاطع ما بين من أعلن استقلال دولته عن الحكم التركي ومن جلب القوات التركية ليحتمي بها في هذه الأيام.

تمكّن ذلك الشيخ الحكيم من الحصول على اعتراف المملكة المتحدة بقطر في العام 1916 بعد توقيعه على اتفاقية الإمارات المتصالحة مع بريطانيا. وبعد أقل من عشرين عاماً منح امتياز التنقيب عن النفط والغاز لشركة البترول الإنكليزية، ليتنازل عن الحكم لابنه علي بعد وفاة وليّ عهده حمد.

تراث من علاقات الجوار الحسنة

عهد الشيخ علي شهد نهوضاً حقيقياً في أحوال البلاد، وأرسلت بقرار منه أول شحنة نفط انطلقت من ميناء مساعيد في ليلة رأس السنة من العام 1949. وقد قام برؤيته الجريئة بتأسيس المؤسسات المدنية الأولى في الدوحة. فعيّن رونالد كوكران مسؤولا عن سلك الشرطة. وأعلن مجانية التعليم والصحة والكهرباء والماء لجميع القطريين. وكان ميالاً إلى الثقافة والمعرفة، رغم مرضه الشديد المزمن، فقد كان يعاني من السكري، ولذلك فقد عاش بقية أعوام حياته بعد تنازله عن الحكم في لبنان، وقضى أواخر أيامه في مستشفى البربير في بيروت وتوفّي في مثل هذا الشهر، أغسطس، من العام 1974.

كان شقيق الشيخ عبدالله، الشيخ أحمد آل ثاني، شخصية مختلفة عمّن سبقوه، فقد كان مبادراً نحو المشاريع التنموية ولكن دون انفراد من الدوحة، بحيث قام منذ أن بايعته أسرة آل ثاني في خريف العام 1960 بالاتجاه إلى صكّ عملة وطنية، وكانت تلك العملة مشتركة حينها ما بين قطر وإمارة دبي. ليواصل بناء المؤسسات وخلق الهوية الوطنية الخاصة، إلى أن أعلن الاستقلال عن بريطانيا في سبتمبر من العام 1971.

أنشأ الشيخ علي آل ثاني أول رئاسة وزراء وأول مجلس للشورى وافتتح إذاعة قطر في العام 1968 وبعدها بعامين تلفزيون قطر الرسمي. وافتتح أول حقل بحري في العالم؛ حقل “العد الشرقي”.

وساهم توجّهه هذا في اكتشاف حقل بترول “ميدان محزم”، وإنشاء محطة تجميع البترول في جزيرة حالول، والبدء باستكشاف حقل “أبو الحنين”.

ولكن إنجازات الشيخ أحمد بن علي آل ثاني تلك لم تشفع له، فقد قام ابن عمه، خليفة بن حمد آل ثاني جد تميم، بالانقلاب عليه وعزله من الحكم في العام 1972. ليكتمل حكم أسرة الشيخ عبدالله بن علي من العام 1913 وحتى العام 1972.

الشيخ عبدالله آل ثاني يتمتع باحترام وتقدير كبيرين من أسرة آل ثاني، وهو محاط بمجموعة واسعة من شيوخ قطر وأفراد الأسر الكبيرة فيها (في الصورة الملك سلمان يستقبل الشيخ عبدالله في طنجة مؤخراً)

أندرياس كريغ الباحث بكنغس كوليدج في لندن يقول إن “الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني، والذي يتخذ من لندن مقرا له، رجل أعمال له مصالح تجارية في الخليج”. أما جيمس دورسي الباحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعات سنغافورة فقال إن هذا الشيخ “متزوج بسعودية ويقضي الكثير من وقته في السعودية”.

وقد كتبت كل من مارغريتا ستانكاتي وداليا خليف في صحيفة وول ستريت جورنال تقريرا يشير إلى أنه من الصحيح أن زيارة الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني للسعودية كانت محاولة لحل مشكلة الحجاج القطريين وتسهيل وصولهم إلى مكة المكرمة، لكنها كانت أول لقاء يتم بين مسؤول سعودي وأحد أفراد العائلة الحاكمة في قطر منذ بدء الأزمة في يونيو الماضي.

وتواصل ستانكاتي وخليف النقل عن أندرياس كريغ الذي عمل مستشارا للحكومة القطرية قوله “يتحدث الناس عن تغيير النظام وهو أمر يريدون تجنبه”، مضيفاً “السعوديون يتعاملون معه بصفته خيارا”.

وتعلق الكاتبتان بالقول إن “الشيخ عبدالله لم يعبّر قبل زيارته للسعودية عن طموحات سياسية، وحصل خلال زيارته على دعم من وليّ العهد السعودي بشأن الحجاج القطريين، والسماح لهم بعبور الممر البري الوحيد المغلق مع السعودية”. لكن الوول ستريت جورنال ترجح أن إبعاد الشيخ عبدالله نفسه عن العائلة الحاكمة في قطر “وضعه في مركز المعارض المحتمل لها مستقبلا، حيث تم تهميش فرع عائلته من الحكم”.

أنشا الشيخ عبدالله حساباً على “تويتر”، وخلال أيام قليلة أصبح لديه قرابة الـ300 ألف متابع. بينما رحّب الإعلام العربي بحضوره، وأضفت شخصيته الهادئة والمهمّة التي وضعها على عاتقه بتسهيل عبور الحجيج جانباً من المودة ورصيداً كبيراً زرع على الفور عند ملايين المسلمين.

حكومة المنفى وتوترات الداخل

وصفته صحيفة “البيان” الإماراتية على صفحتها الأولى بأنه “صوت العقل الذي فتحت له القلوب”. وقالت أيضاً إنه معروف بأنه “مقبول على نطاق واسع داخل أسرة آل ثاني على وجه الخصوص، والقطريين بشكل عام”. أما صحيفة “عكاظ” السعودية فقد استشرفت المستقبل حين كتب على صفحاتها صالح الفهيد أن الشيخ عبدالله آل ثاني “سيحدث التطور المثير في الأزمة القطرية قريبا”، وهو “إنشاء حكومة قطرية في المنفى تعترف بها دول عربية”.

وأخذ القطريون يتعاملون مع الشيخ عبدالله كوجه خير سعى إلى عمل لا مكاسب شخصية فيه، في ردّ على اتهام وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني بأن الزيارة شأن خاص ولأسباب شخصية، في تعليقه على مبادرة الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني، وأضاف “ليس لدينا أيّ معلومات، ولكن تجيير مسألة الحج له ووضعها في هذا السياق، بأنها جاءت بوساطة، فهي استكمال لسلسة المؤامرات التي نراها تحاك ضد دولة قطر”، ما يعكس الارتباك الحاصل في دائرة أمير قطر الحالي، ويظهر بشكل واضح ضبابية الرؤية والتوتر والاستفزاز اللذين يبدوان جليين في تصريح وزير الخارجية من ستوكهولم “حسب المعلومات التي وردتنا فإن الشخص الذي كان موجودا هناك كان موجودا بشكل شخصي ولمواضيع شخصية”.

وبلغ رد الفعل الهلع بالمقربين من تميم إلى توجيه تهديدات مباشرة للشيخ عبدالله بن علي آل ثاني، صدر عن الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني الرئيس التنفيذي للمؤسسة القطرية للإعلام الذي غرّد قائلاً “لو تمادت يدي وهي جزء منّي على وطني أو أميري لبترتها بالأخرى”. لكن النشطاء القطريين دشنوا على “تويتر” هاشتاغ “علي ال_ثاني_ أسير_الحمدين”.

أما نجل الشيخ عبدالله، علي بن عبدالله‏، فقد دعا تميم للاستجابة لمطلب والده بعد أن عرقلت الدوحة عملية مساعدة الحجيج وحجبت الرقم الخاص بمساعدتهم قائلًا “والدي حفظه الله يتحدث إليكم يا إخوتي في قطر، فكّو الحظر عن الرقم وخلّو الناس تحج، فكو الحظر فضلًا وليس أمرًا، هذا حج ومن أسمى الممارسات الروحانية التي يتعبد بها العبد لربه، فكّوه وخلّو الناس تحج، أبعدو الحج عن السياسة والمشاكل”.

صورة تجمع جد الشيخ تميم خليفة آل ثاني مع الشيخ أحمد آل ثاني الحاكم الشرعي لقطر وشقيق الشيخ عبدالله، قبل أن ينقلب خليفة على أميره

منصة تواصل الشيخ مع الشعب

كان الشيخ عبدالله قد أعلن عن صدور أمر من الملك سلمان بتشكيل غرفة عمليات سعودية خاصة لرعاية شؤون القطريين في السعودية وتكون تحت إشرافه في ظل قطع العلاقات بين الدوحة والرياض، وقال إنها ستتولى جميع طلبات القطريين من حجاج وزوّار وأصحاب أملاك.

وبدا حساب الشيخ عبدالله على تويتر منصّة للتواصل مع مواطنيه القطريين، لينقل لهم حقيقة الموقف الخليجي، فقد غرّد على سبيل المثال “ما وجدته من حرص الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان على الشعب القطري دعاني لطلب تخصيص رقم للاتصال لتسهيل زيارات القطريين لأقاربهم وحلالهم”. وأضاف “شكرا يا خادم الحرمين وشكرا يا وليّ العهد على استقبال وإكرام أخيكم وقبول وساطته وهذا طبع إخوان نورة”.

وساطة الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني تجاوزت مسألة الحج لتصل إلى الجانب الاقتصادي حين تواصل مع المسؤولين السعوديين حول الريال القطري، مفصحاً عن ذلك عبر حسابه على تويتر “سألت أخي معالي محافظ مؤسسة النقد السعودي عن صحة إيقاف صرف الريال القطري للمواطنين القطريين فأكد أن لا صحّة لذلك إطلاقا”.

يذكر أن الشيخ عبدالله آل ثاني، يتمتع باحترام وتقدير كبيرين من أسرة آل ثاني، وهو محاط بمجموعة واسعة من شيوخ قطر وأفراد الأسر الكبيرة فيها. وهم الذين حجبهم الشيخ حمد والد تميم عن التأثير خلال فترة حكمه، وقزّم أدوارهم وأبعدهم عن دائرة القرار. ويتمتع بعلاقات طيبة مع شخصيات يتوجّس منها تميم خيفة، هذه الأيام، وعلى رأسها شقيقه عبدالله بن حمد ابن الشيخة نورة بنت خالد بنت حمد بن حمدالله آل ثاني، وهو خريج جورج تاون في تخصص السياسات الدولية. إضافة إلى رئيس الوزراء الحالي ووزير الداخلية الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني الذي يمسك بزمام المؤسسات والأمن.

ويتردد أنه غير موافق على السياسة التي يفرضها تميم حالياً على قطر. وهو من بين أهم الكفاءات القطرية ويحمل البكالوريوس في العلوم الشرطية من درهام البريطانية وإجازة في الحقوق من لبنان. بالطبع دون نسيان الدور الهام المتوقع من الشيخ جاسم بن فهد آل ثاني نائب رئيس جهاز أمن الدولة.

ولذلك سارع المستشار في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني بتحذير الحكومة في الدوحة من قمع “الحراك السلمي” المعارض لها. وقال القحطاني في تغريدة عبر حسابه الرسمي على “تويتر” إن “على قذافي الخليج الاستجابة لنداءات الشعب القطري السلمية، وأن لا ينجرف ويقلّد قدوته الذي تم بث نهايته الأليمة على شاشة قناته”، وأضاف القحطاني “على قذافي الخليج أن يعلم أن أيّ محاولة لقمع الحراك السلمي للشعب القطري الشقيق على يد القوات الأجنبية ستكون عاقبته وخيمة؛ فهي جريمة حرب”، وختم تغريداته قائلاً “ارحل يا تميم..عبدالله مستقبل قطر”، في إشارة إلى الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني.

8