عبدالله حمدوك أمل النخبة والبسطاء للعبور إلى السودان الجديد

رئيس الحكومة السودانية الجديد يفضل الاستعانة بالتكنوقراط، وليست لديه انحيازات سياسية وقبلية أو عليه فواتير سيكون مضطرا إلى دفعها.
الأحد 2019/09/01
رئيس حكومة يصل من الهامش لينقذ المركز والأطراف

مع أن أغلب السودانيين في المفاوضات والحوارات التي جرت مؤخرا، اتفقوا ضمنيا على ألا يتفقوا سياسيا، إلا أن نتائج ثورتهم التي أطاحت بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي خلخلت أركان المعنى السابق. فقد اتفقت قوى إعلان الحرية والتغيير مع المجلس العسكري على تقاسم السلطة وآليات تنفيذ اختيار رئيس الحكومة الجديدة لتكون من نصيب الأولى.

نعم جاء ذلك بعد أسابيع من الشد والجذب، والصعود الحاد والهبوط الآمن، والمراوغات والمناورات، غير أن الإعلانين السياسي والدستوري حصلا في النهاية، بما مهد الطريق للحديث عن شكل جديد للسودان.

تغيير بعض المسلمات قلب عبارة “الكلام الصامت” التي يحلو لكثير من السودانيين ترديدها عندما يعجزون عن فك شفرات بعض الألغاز السياسية في بلدهم، وهي كثيرة، حيث يشيرون إليها كدلالة على أن الصمت يمكن سماعه عندما يعجر الجميع عن الكلام الصريح. لذلك وقع الاختيار مبكرا على الاقتصادي عبدالله حمدوك كرئيس للحكومة الانتقالية بالإجماع تقريبا، والذي يملك الكثير من مقومات فضيلة الصمت والبعد عن الأضواء وشح المعلومات عنه، الأمر الذي جعله بعيدا عن شبح التجاذبات الكثيرة.

ميزة السودان وآفته في آن واحد، أنه يزخر بطيف واسع من الأحزاب السياسية والقوى النشطة مجتمعيا. وفي الوقت الذي من المفترض أن يكون ذلك ركيزة أساسية للتعددية والتطور الديمقراطي، أصبح مدخلا للخلاف والعراك والتراجع إلى الخلف والتأثير سلبا على شكل النخب، بما مكن نظام البشير من الاستمرار لثلاثة عقود ماسكا بزمام السلطة.

لم يُجْمِع السودانيون، في السلطة الجديدة والمعارضين لها، على شخصية مثلما أجمعوا على عبدالله حمدوك؛ فمنذ إسقاط البشير برز اسمه كشخصية توافقية. لم يجرؤ أحد على التشكيك فيها أو النيل منها سياسيا وأخلاقيا ومهنيا. الأمر الذي كشف عن جانب آخر لم ينتبه إليه كثيرون، وهو أن التوافق غير بعيد عن السودانيين، إذا وجدوا من يلتفون حوله ويقتنعون به.

شخص يختصر المسافات

حمدوك وجه غائب بحث عنه السودانيون منذ عقود طويلة ليخرجهم من غياهب السياسة وينير لهم طريق الاقتصاد
حمدوك وجه غائب بحث عنه السودانيون منذ عقود طويلة ليخرجهم من غياهب السياسة وينير لهم طريق الاقتصاد

ربما تكون شخصية حمدوك، التوافقية المرنة والبسيطة وقليلة الكلام والبعيدة عن الإعلام، والخبيرة في شؤون الزراعة والاستثمار كأحد المراجع المحورية، قلصت الخلافات التقليدية وسهلت المهمة الثقيلة في عملية الاختيار، وساعدت على أن يصبح الوجه الذي يبحث عنه السودانيون منذ عقود طويلة، ليخرجهم من غياهب السياسة وينير لهم طريق الاقتصاد.

يختصر اختيار حمدوك الكثير من المسافات المتباعدة في السودان. عالم ببواطن الأمور في علم الاقتصاد. يملك تجربة عملية أفريقية في علاج أوجه الخلل المتباينة. يقدس الكفاءة والنزاهة والشفافية ويحترم المرأة ويؤمن بدورها. لديه خبرة مبكرة في دهاليز السياسة في أجلى معالمها الخفية، ورحابة صدر تستوعب جميع الأطياف. نجح في تكوين شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية. آمن بأن السودان يستحق الأفضل.

قد تكفي الخصال السابقة لتجمع عليه شريحة من السودانيين، لكنها في نظر البعض ربما تتحول إلى نقطة ضعف، لأن البلد الذي تولى رئاسة حكومته ليس مثل كل البلدان، في مكوناته السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية. والأهم جغرافيته وموارده وحيويته الإستراتيجية التي جعلت منه نقطة جاذبة ومحطة لفتت أنظار قوى إقليمية ودولية عديدة.

تكشف هذه المعطيات عمق المطبات التي تواجه الرجل، وما تفرضه عليه من توازنات معقدة مع قوى الداخل والخارج. مطلوب منه تجاوز العراقيل بدون خسائر. كما ورث تركة ثقيلة من الفقر والتجريف الذي نال من السودان ولم يترك موضع قدم سليما كقاعدة أولى للانطلاق. عليه إعادة فك وتركيب وهيكلة الجذور الأساسية للبلاد كي يتسنى له تقليص الفجوات ومواجهة التحديات، ثم دخول مرحلة التطور التي تنتظرها قطاعات كثيرة في السودان.

من مزايا حمدوك أنه لم يتلون سياسيا أو يتلوث اجتماعيا أو يفسد اقتصاديا أو ينحز إلى خطاب أحد الفصائل المسلحة. عندما جاءته الفرصة للتوزير في عهد البشير العام الماضي لتخفيف وطأة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، اعتذر الرجل في هدوء، إيمانا بقرب النهاية، ورغبة في المحافظة على الاستقلال، وانتظارا لهذه اللحظة التي يتفق فيها الأهل والأصدقاء والخصوم والخبراء والأحزاب على اختياره ليكون المنقذ والملهم.

الاقتصاد محرِّك أساسي

يبدو وقف نزيف الحروب الأهلية والتفاهم مع الحركات المسلحة ونشر السلام الشامل، مدخل حمدوك لإنهاء أسطورة ظلم الهامش والأطراف، وهيمنة المركز على الأقاليم. يمثل تخطي العقبات وصفة سحرية لفتح الأبواب الموصدة في الخارج، لأن الهدوء والأمن والاستقرار جواز المرور في السياسة والاقتصاد والأمن، والذي عززته النشأة الأولى في كردفان. ولد حمدوك بقرية “الدبيبات” التي تمثل واحدة من نقاط التمازج في كردفان بين قبائل النوبة والمسيرية والحوازمة، وبعض العناصر من قبيلة الدينكا الكبيرة الممتدة في دولة جنوب السودان.

ينحدر من قبيلة الكنانة التي هاجر فرع منها إلى جنوب كردفان، في إطار تطورات تاريخية تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، واستقرت في الإقليم الذي شهد لاحقا وبعد عقود طويلة حربا ضارية بين قوات الحركة الشعبية والقوات الحكومية. لم تتوقف مجريات الحرب بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، حيث دخل الجيش السوداني في عهد البشير معارك عديدة مع قوات الحركة الشعبية- قطاع الشمال، التي هدأت حاليا ضمن تفاهم وقف العدائيات الذي أعلنته الحركات المسلحة في إقليم دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق مع النسمات الأولى للثورة.

لم يعرف له تاريخ محدد لمولده، لكن دفاتر الحكومة أدرجته في قوائمها المدرسية بتاريخ ميلاد يعود إلى الأول من يناير 1956، أي في العام الذي نال فيه السودان استقلاله. وهي دلالة يستخدمها سودانيون حاليا للتفاؤل وأن اختيار حمدوك ينطوي على إشارة إلى التحرير الثاني للبلاد من العسكريين والإسلاميين.

رحل والده وهو طفل صغير ولم يرث عنه شيئا ذا بال. حاول الهروب من المدرسة للعمل والتخلص من الفقر الذي لاحقه فترات طويلة في بداية حياته، لكنه أعيد إليها وانتظم فيها، ثم التحق بالمدرسة الثانوية. تيقن وقتها أن مكافحة الفقر وهزيمته بالسبل الإيجابية قضية رئيسية في عقله ووجدانه، بما دفعه إلى الانخراط في السياسة تدريجيا من خلال اعتناقه أفكارا شيوعية، اعتقد أنها الحليف الطبيعي الذي يدعمه لتجاوز عقبة الفقر الذي يكبل السودان كله.

نمت لديه أفكار براقة، من نوعية أن الاقتصاد محرِّك أساسي للتاريخ وتجاوزه مسألة سياسية. ورسخ في ذهنه أن تكريس الفقر يصب في صالح طبقة رأسمالية نهمة. ولأنه نشأ في بيئة زراعية خصبة أيقن أن الاقتصاد هو الوسيلة الوحيدة لنهضة السودان، كبلد يملك الملايين من الأفدنة الصالحة للزراعة.

خلاف حمدوك مع النظام السابق يبدو ممكن التجاوز، وخاصة مع الذين لم يكونوا قد ارتكبوا جرائم فساد أو خرقوا القوانين أو أضروا بمصالح السودان. وهذه واحدة من القضايا التي يخشى البعض أن يتسلل منها الكيزان إلى الحكومة

اِلْتحق بكلية الزراعة جامعة الخرطوم، وهو معبأ بأفكار ماركسية مكنته من المحافظة على روابطه المجتمعية الفقيرة في جنوب كردفان. أظهر قدرة فائقة في التعامل مع جميع القوى السياسية. خاض انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في قائمة الجبهة الديمقراطية، الذراع الطلابي للحزب الشيوعي، ضد جماعة الإخوان، المعروفة بالكيزان في السودان. لعب دورا مهما في الانتصار الكبير على خصومه السياسيين.

اشتغل في مشروع بكادوقلي، وعمل بعد ذلك في هيئة التخطيط الاقتصادي التابعة لوزارة المالية في مدينة الأبيّض بشمال كردفان. لم يهجر السياسة تماما، وظلت محببة إليه كهواية قريبة وحرفة بعيدة. دخل في حوارات مضنية مع حلفائه ومنافسيه. كانت له آراء متقدمة وقتها حول طرق مكافحة الفقر والخروج من براثنه.

وجد حمدوك أن مواصلة الدراسة والتعمق في الاقتصاد قضية تستلزم نقلة علمية. لم يهدأ له بال حتى تمكن من الحصول على منحة دراسية لنيل شهادة الماجستير في جامعة مانشستر. عندما تم فصله من عمله كموظف في وزارة المالية وانقطع عنه راتبه قبل استكمال دراسته في بريطانيا، وفرت له الجامعة دخلا ماديا يسد مصروفات حياته ودراسته. نال الدكتوراه التي كانت تتطلب إجراء المزيد من البحوث العلمية على الاقتصاد الزراعي في السودان.

 أفكاره ومواقفه السياسية أدت إلى اتخاذ حكومة الخرطوم موقفا سلبيا منه، بعد قيام ما يسمى بـ”ثورة الإنقاذ” التي قادها عمر البشير ودبرها حسن الترابي ورفاقهما المنتمون إلى الحركة الإسلامية. هذا الموقف حرمه من العودة إلى بلاده لمواصلة جمع المعلومات، فاختار أن يستكملها في دولة زيمبابوي، لأن خصائصها الزراعية شبيهة بالخصائص الزراعية في السودان.

كانت صدمته قاسية إثر سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، مثل غيره ممن تبنوا أفكارا شيوعية، لكن الصدمة لم تستغرق وقتا، وأعاد ترتيب أفكاره في ظل تحولات عاصفة في العالم والكتلة الشرقية، على إثرها غادر الحزب الشيوعي وقرر مواصلة الانفتاح على جميع القوى، مستفيدا من سماحته النادرة.

على مشارف السياسة

حمدوك تبرز من صفاته حالة خاصة، أنه لم يتلون سياسيا أو يتلوث اجتماعيا أو يفسد اقتصاديا أو يصطف إلى خطاب أحد الفصائل المسلحة
حمدوك تبرز من صفاته حالة خاصة، أنه لم يتلون سياسيا أو يتلوث اجتماعيا أو يفسد اقتصاديا أو يصطف إلى خطاب أحد الفصائل المسلحة

يملك حمدوك حزمة من الوظائف الإقليمية والدولية، راكمت خبراته الاقتصادية وساعدته في الاطلاع على تجارب متنوعة. حيث التحق بمنظمة العمل الدولية، ثم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وانتقل للعمل في بنك التنمية الأفريقي، بعدها تركه وعمل في اللجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة كمسؤول عن الحوكمة في أفريقيا، بعد أن بات التخصص في الحوكمة من العناصر المركزية لفهم المشاكل وترتيب الأولويات ومحاربة الفساد ومجابهة النتائج القاتمة لسياسات التكيف الهيكلي من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين.

كان عمله مديرا إقليميا لأفريقيا والشرق الأوسط للمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية ومقره في استوكهولم، نقلة أخرى في مسيرته، حيث قربه من الحقل العملي بصورة أكبر، ووضعه على مشارف السياسة.

اختير حمدوك من جانب بان كي مون الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ليشغل منصب كبير الاقتصاديين، ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا. وبعد انتهاء عمله في فبراير الماضي، كلفته مجموعة “شاتام هاوس” بعقد ورش عمل بخصوص التصورات الاقتصادية للسودان، بعد أن لاحت في الأفق ملامح الحراك الثوري وتزايدت الضغوط في الشارع لإسقاط البشير. اختار أفضل العناصر على أساس الكفاءة من دون تفرقة واضحة بين القوى الحزبية والانتماءات السياسية.

عاتبه أصدقاؤه على اختيار أحد المنتمين إلى جماعة الإخوان “الكيزان” ضمن فريقه، وقالوا له “الفرق بين كوز حكومي وكوز معارض فرق مقدار وليس فرق نوع”، فأجاب بأن “الفرق بين سودان الإنقاذ (البشير) وسودان ما بعد الإنقاذ فرق بين عصابة ودولة مواطنة لا تقصي أحدا إلا بحق”.

يزيل السجال السياسي- الساخر الغبار عن جانب خفي في أفكار حمدوك، ويشي بأن خلاف الرجل مع النظام السابق يمكن تجاوزه مع المنتمين إليه ما لم يرتكبوا جرائم فساد ويخرقوا قوانين ويضروا بمصالح السودان. وهذه واحدة من القضايا التي يخشى البعض أن يتسلل منها الكيزان إلى الحكومة. وهو ما ينتبه إليه جيدا حمدوك الذي يريد سودانا جديدا بعيدا عن الانتماءات الأيديولوجية التي قصمت ظهر البلاد.

رئيس الحكومة السودانية الجديد يفضل الاستعانة بالتكنوقراط، وليست لديه انحيازات سياسية وقبلية أو عليه فواتير سيكون مضطرا إلى دفعها. لذلك سيصبح عنوانا لدى النخب والمواطنين للعبور إلى السودان الجديد.

8