عبدالله خليفة في ذكراه الثالثة يحيا في إبداعه الأدبي

الروائي عبدالله خليفة (1948 ــ 2014) من الكتّاب الذين أرخوا لحياة الناس بمنطقة الخليج، كدأب كتَّاب خليجيين آخرين، من أمثال عبدالرحمن منيف وعلي أبوالريش وإسماعيل فهد إسماعيل وغازي القصيبي وغيرهم. ومؤخرا وقع الاحتفاء بالكاتب الراحل في ذكراه الثالثة بكتاب نقدي خطه ثلة من النقاد العرب، حول منجز الكاتب وحياته ورؤاه.
السبت 2017/10/28
كان هدفه جعل الناس يؤمنون بما آمن به

الموت ليس هو فَصْلُ الخِطَابِ في حياة المبدعين، فكم من مبدع عاش لقرون بعد موته الفسيولوجي، ومن هؤلاء الروائي البحريني عبدالله خليفة، الذي وافاه الأجل في 21 أكتوبر 2014. وتصادف ذكراه الثالثة صدور كتاب نقدي عن إبداعه القصصي والروائي بعنوان “عبدالله خليفة .. السرد في زمن الإبداع” بأقلام ثلاثة من النقاد هم: الرشيد بوشعير وفيصل عبدالحسن والباحث صبري مسلم حمادي.

قدم للكتاب الناقد عمر عبدالعزيز، الذي أشار في تقديمه إلى القلق العميق، الذي وضع الكاتب النقاد فيه، حول تجنيس إبداعه. متسائلا هل ما كتب سيرة أم رواية؟

يقول عبدالعزيز “الاستنتاج المركزي الذي يمكن الوصول إليه من خلال تصفُّح النصوص الإبداعية السردية للراحل عبدالله خليفة، يفتح سؤالاً هاماً حول قلق التجنيس للنصوص السردية، حيث جسَّر المسافة بين المفارقات السردية الناجمة عن خصوصيات الرواية، وأدب السيرة الذاتية والقصة، وصولاً إلى النص المفتوح، وبهذا المعنى اختارالسارد العليم أن يكون شاهداً على تراسل الأنواع الأدبية، توطئة لتراسل أشمل ضمن المنظومة المفاهيمية الكلية النابعة من ثقافة عالمة، وذائقة فنية أفقية”.

الحساسية الجديدة

تناول الناقد بوشعير المنجز الروائي لخليفة من خلال قراءات مختلفة لمنجزه الروائي، منذ رواياته الأولى، كاللآلئ، والقرصان والمدينة، والهيرات، وأغنية الماء والنفط، وامرأة، وحتى ما كتبه في أواخِر حياته، كنشيد البحر، والينابيع، وعقاب قاتل.

ومن خلال قراءاته المتعددة لإبداع الراحل الروائي خرج برأي نقدي قال فيه “إنَّ الرواية عند عبدالله خليفة لم تكن ترفاً أدبيّاً أو جماليّاً دعائيّاً يعلن عن قدرة التربة الخليجية على احتضان وسائل هذا الفن السردي، بقدر ما كانت أداة لا غنى عنها لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري، والتعبير عن الهواجس الذاتية، والأزمات الموضوعية، ووعاء لطموحات المبدع المرهف الحساسية، وبحثه الدائب عن القيم الإنسانية، التي تذوب في زحمة التغيرات المحلية والعالمية”.

بينما رأى كاتب هذه السطور أن إبداع خليفة من خلال الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، قد شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة يعيش القارئ فصولها، ويتعرف من خلالها على مفاصل المجتمع وتاريخه وتابوهاته.

ومَن أصدق مِن كاتب يضع على وجهه قناع شخصية روائية، ليعيد تفصيل مجتمعه بكل صدق، وصراحة، وموضوعية من دون خوف، ولا إدانة من قبل المجتمع، الذي يكتب عنه؟ فالكتابة عند خليفة بلسان شخصية خيالية في متن روائي من خيال محض كما يظن البعض، ولكن ما كُتب هو الحقيقة، لما عاشه الكاتب وما رآه وتأثر به.

الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، التي شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة

صحافيون فقراء

ملأ خليفة مجموعتين بهذا النوع من القصص، التي تحكي محكيات من حياة كاتبها، فنجد في مجموعته “سهرة”، التي صدرت عام 1994 و”دهشة الساحر” التي صدرت عام 1997، الكثير من القصص التي تحكي عن معاناة كاتب، وصحافي في بداية طريقه إلى الكتابة والنشر. والكاتب يعيش وسط عائلة بحرينية متوسطة الحال، وعلى عادة هكذا عائلات في الشرق، فإنَّها لا ترى في الأدب وكتابته غير ضياع للوقت والجهد. وأنَّ الابن الموهوب إنْ استمر في هكذا ولع، فهو ضائع لا محالة، وليس أمامه غير طريق الفقر والحاجة، وأنَّه لا طائل سيأتي من وراء حرفة الأدب والكتابة.

تطرق الكتاب إلى هذه الظاهرة التي عانى منها الكاتب الراحل، حيث أن بعض العائلات ترى في نبوغ أولادها في هذا الجانب نقصاً في العقل والمواهب، وكارثة ألمت بها، لأنَّها رُزقت بفرد لا يستطيع أن يقف على رجليه وحده، وسيبقى عالة عليها، وبدلاً من أن يكون عوناً لها في مواجهة الحاجة والفقر، فقد صار مصدر قلق لها، وعاهة دائمة في النسيج العائلي.

الصدام مع المجتمع والعائلة هو ما نلمسه في أغلب قصص المجموعتين لخليفة. ولكن إلى جانب النشاط الفكري والسياسي لأبطال قصصه فإننا نستقرئ من خلالها حياة كاتبها في بواكير شبابه، حين كان ناشطاً فكرياً في سنوات الدراسة الثانوية، وناشطاً سياسياً بعد ذلك في المعهد العالي للمعلمين.

فقصصه: السفر، وسهرة، وقبضة تراب، والطوفان، وغيرها من قصص المجموعتين، كتبها الكاتب من وهج تجربته الشخصية، فهي سرود عن حياة الفقراء من العمال وأصحاب حرفتي الصيد والغوص من الباحثين عن رزقهم في صيد السمك أو اللؤلؤ أوالعمل في آبار النفط، كما كتب الراحل عن حياة الصحافيين الفقراء، المتعاونين مع صحف فقيرة لا تكاد تغطي ثمن مطبوعاتها، وتتخذ هيئات تحريرها من الصحافة وسيلة لحسم الصراع السياسي مع خصومها الطبقيين أو من يعادونهم فكرياً وسياسياً.

الرواية عند عبدالله خليفة أداة لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري

الروائي ليس واعظا

كتب الناقد صبري مسلم حمادي عن حياة الكاتب عبدالله خليفة وإبداعه الروائي، وربط العلاقة بين مراحل حياة الكاتب، ومراحل تطور كتابته الإبداعية، وتأثيرات عمله السياسي، والفكري على المتن الروائي الذي كتبه، فخليفة من جيل من الكتَّاب وضعوا كل أهدافهم في جعل الناس يؤمنون بما آمنوا به من أفكار فلسفية وسياسية، لكن خليفة لم يقع في هذا المَطَبّ.

وكتب الناقد حمادي في هذا الشأن، فقال “ليس من شأن الروائي الفنان أن يطل بفكره عبر سطور روايته، وبشكل مباشر كي يعظ أو ينصح أو يرسم خارطة طريق للمستقبل، لأنَّه إنْ فعل ذلك، فإنّه يضحي تماماً بالجانب الفني في عمله السردي، الذي قد يتحول إلى جنس كتابي آخر، هو المقال الاجتماعي ذو الهدف الإصلاحي”.

وهو مما لا يخفى على عبدالله خليفة الروائي البحريني ذي الخبرة العريضة في مجال الفن السردي، فقد نأى بفنه عن هذا المَطَبّ الخطير في كل أعماله الروائية والقصصية، ومارس ذلك في عواميده الصحافية، ومقالاته السياسية، ومقابلاته التي لها طابع فكري أو سياسي.

الكتاب النقدي الجديد “عبدالله خليفة.. السرد في زمن الإبداع” جاء بـ450 صفحة من القطع الكبير، وتميز برصانته النقدية وسعة مباحثه، ويمكن عدّه أحد أهم المصادر النقدية عن أدب وفكر عبدالله خليفة، الذي تميز بإبداعه الروائي، وإضافاته المهمة للسرد البحريني والعربي. وقد صدر الكتاب عن دائرة الثقافة بالشارقة ــ 2017.

17