عبدالله خليفة كاتب رصد يوميات البحارنة لحظة بلحظة

السبت 2015/08/08
خليفة الذي كان جديرا بعمر ثان

في يوم الاثنين الـ20 من أكتوبر من العام 2014 توقف إمداد الراوئي والقاص البحريني عبدالله خليفة لموقعه في بلوج سبوت بمقالاته الجديدة، وكذلك لم يجب على رسالتي في بريد التواصل الاجتماعي فيسبوك، أما بريده الإلكتروني على ياهو وبمصادفة فريدة، فقد أخذ يردّ برسالة وحيدة، كأنها نذير شؤم عن كل رسالة أرسلها إليه، وجميعها تؤكد فشل استلام رسائلي المرسلة إلى هذا البريد.

ثمة خطب ما حصل لهذا الكاتب الصديق، هذا ما شعرت به، وأنا أحاول الاتصال به على رقم هاتفه الجوال صباح يوم الثلاثاء الـ21 من أكتوبر، كان الهاتف يرّن ولا أحد يردّ.

تناقلت شبكة التواصل الاجتماعي الفيسبوك خبر وفاة الروائي والكاتب السياسي، وصاحب المواقف الوطنية المعروف عبدالله خليفة في المنامة، ، فصدمتني صورته، وقد غُطيت زاويتها اليسرى بوشاح الحداد، وقرأت الخبر الكئيب الذي رافقها: الروائي والكاتب السياسي، والمناضل البحريني عبدالله خليفة غادر عالمنا إلى العالم الآخر عن عمر 66 عاماً.

لحن الشتاء الطويل

عبدالله علي خليفة البوفلاسة، ولد عام 1948 في منطقة القضيبية “بيوت العمال” في أسرة عمالية بحرينية متوسطة الحال، كان والده يعمل في شركة بابكو النفطية، وقد عانت عائلته من وفيات الأطفال المتكررة، وكبر الكاتب خليفة وسط عائلة تخاف على أبنائها القليلين من المرض والموت، ولم يبق لديه من عائلته سوى شقيقة وشقيق واحد.

يحكي لنا عن طفولته في قصصه الكثيرة، التي نشرها عبر مجموعاته القصصية “لحن الشتاء” و”الرمل والياسمين” و”يوم قائظ” و”سهرة” و”دهشة الساحر” وغيرها، حكى فيها عن الواقع المنهار الذي عاشه في القضيبية، والعلاقات الهامشية، وحياة الناس التي تتحول بسرعة إلى قهوة مُرّةُ المذاق، لا يستسيغها أصحابها ولا الآخرون، ووحدهم من يبنون على مآسي الناس ثرواتهم، كانوا يرفلون بالفرح والحياة المتخمة، والحلم بالمستقبل السعيد.

جاءت مقالات خليفة السياسية في الحوار المتمدن، وأخبار الخليج، للتعبير عن هموم الناس ومعاناتهم، ورسم في قصصه الأخيرة شخصيات مركبة من حيوات صحفيين، وكتاب مجهضة أحلامهم، كبروا وهم يتجرعون الفقر والبؤس.

وضع خليفة معاناته الذاتية، ورسم لنا بالكلمات مرارات هذه الفترة ونفوساً ميتة، يقشعر لها جلد القارئ وهو يتابع حيواتها الكئيبة على الورق وهي أكثر موتاً من “نفوس” الكاتب الروسي غوغول في روايته الخالدة “نفوس ميتة”.

سياق روائي طريف يصنعه خليفة في \'الأقلف\' حيث ثمة صبيان لقيطان، امتلآ بالكراهية أو الحب خسرا عمريهما، ليتشكل الحدث الرئيسي في الرواية من هذه العلاقة، التي لم تباركها الكنيسة، ولم يعترف بها الجامع بين بطل الرواية يحيى، والممرضة المسيحية ميري

أزقة المحرق

يصف عالم الروائي الناقد د. صبري مسلم، وهو يتحدث عن رواية “الأقلف” لعبدالله خليفة، فيكتب في الصفحة الثقافية لأخبار الخليج، “ما إن تشرع بقراءة رواية ‘الأقلف’ حتى يطالعك عنوانها الواخز الذي يصعب نسيانه، ولا سيما أن الأقلف يعكس أكثر من مرجعية”.

ثمة إيحاء معتقدي واجتماعي وجنسي وشعبي لهذه المفردة، التي اختارها الروائي عنواناً لروايته، وأناط البطولة فيها بلقيطين، جعل أحدهما في مواجهة الآخر في سياق روائي طريف “ثمة صبيان لقيطان، امتلآ بالكراهية أو الحبّ خسرا عمريهما” ويتشكل الحدث الرئيسي في الرواية من هذه العلاقة، التي لم تباركها الكنيسة، ولم يعترف بها الجامع بين بطل الرواية يحيى، والممرضة المسيحية ميري، وفي إطار مهاد مكاني واقعي يرتكز على ملامح البيئة المحلية.

ويستظل النص بفضاء زماني مستقى من الماضي القريب إذ تؤرخ الرواية لحدث واقعي وبأسلوب الفنان لا المؤرخ حين يعود إلى الماضي كي يتخذ منه مهاداً زمانياً لروايته المضمّخة بعطور البيئة المحلية ونكهتها وهمومها.

جزيرة المسرات

لقد عبّر خليفة في أعماله القصصية والروائية عن مجتمع، علاقاته هشة، ويلهث أفراده وراء الكماليات والبحث عن الحقوق الضائعة، والمعاناة اليومية ومحاولة العيش بما متاح لها من هامش.

وضعنا القاص عبدالله خليفة في كل فقرة من فقرات قصص مجاميعه في أزقة المحرّق، في تلك الأزقة الضيقة التي يتذكر من خلالها القاص خليفة طفولته، وشبابه في منطقة القضيبية والحورة ورأس الرمان والفاضل والعوضية، وهي مناطق في البحرين تزدحم فيها بيوت العمال والفقراء من البحارة، والصيادين والباحثين عن اللؤلؤ من أهل البحرين في الفترة التي سبقت اكتشاف ثروة النفط.

سجّل عبدالله خليفة في قصصه لمحات من جهاد الآباء في توفير العيش الكريم والتعليم لأبنائهم، ومن يقرأ قصص الكاتب الراحل يحبّ الشعب البحريني البسيط والطيب، الذي تآخى أفراده في المسرات والأوجاع، نساء قصصه جميلات، ذكيات أذابت سنوات العمل الوظيفي الروتيني جمالهن، وجعلتهن يستعدن أيامهن الماضية، وهن يجتررن حكايات مُعادة عن المكياج، وآخر النمائم في أقسام العمل، حالمات بالفارس الذي لا يأتي أبداً، وإذا شاء الحظ الحسن وجاء، فإنه سيكون شيخاً هرماً حطمته السنوات، أكل كبده الكحول، وأتلفت روحه الحياة المُحبطة، التي قضاها في هذه الوظيفة، وذلك العمل، وهو يحاول أن يرضي مديره الفلاني ومسؤوله العلاني لكي لا يقطع أسباب عيشه.

روايته \'عقاب قاتل\' تتردد فيها أصداء واضحة من طفولته وصباه في مجتمع أخذ يتحول إلى مجتمع استهلاكي يعيش على تصدير النفط، فقد التقط خليفة أبطال روايته من شريحتي الطبقة الفقيرة والوسطى في المجتمع البحريني

أما المتزوجات في قصصه، فهن مترهلات يعشن المعاناة اليومية مع الزوج الباحث عن سعادته في أمكنة خارج بيت الزوجية في البارات ودور اللهو، وديوانيات الأصدقاء، وهن يحكين معاناتهن المريرة مع الأطفال وأمراض ارتفاع السكر وارتفاع ضغط الدم، ومتطلبات الحياة.

بدأ عبدالله خليفة حياته التعليمية في مدرسة القضيبية الابتدائية، ويقول عن تلك الفترة صديق طفولته علي الوادي في مقال نشره عن حياة عبدالله خليفة في إحدى الصحف البحرينية، إنه “لم يكن مواظباً على الانتظام في التعلم، فالأب والأم أميّان، وكان عبدالله كثير الهروب والتغيب عن المدرسة، وبالرغم من هذا فقد وضع والده نصب عينيه متابعة ولده لإكمال تعليمه”.

فأكمل الابن تعليمه الابتدائي بصعوبة، وأكمل بعد ذلك تعليمه الثانوي، وخلال هذه الفترة برزت مواهبه الأدبية بشكل مبكر، وأنهى سنوات معهد المعلمين العالي، وانخرط في العمل السياسي من خلال حزب جبهة التحرير.

كتب خليفة في راويته “الينابيع” التي صدرت عام 1996 عن قارة واسعة، وليس عن جزيرة صغيرة محددة الجغرافيا اسمها البحرين.

عقاب قاتل

نجد في روايته “عقاب قاتل” التي صدرت في عام وفاته 2014 أصداء واضحة من طفولته وصباه في مجتمع أخذ يتحول إلى مجتمع استهلاكي يعيش على تصدير النفط، فقد التقط خليفة أبطال روايته من شريحتي الطبقة الفقيرة والوسطى في المجتمع البحريني، لينجز نصه الروائي من خلال ما عاشوه، وما فعلوه من أفعال.

وسواء جاءت تلك الأفعال غير أصيلة، أي جاءت كردود أفعال، أو كأفعال ذاتية عبّرت عن اعتقادات اجتماعية، وفكرية تبنتها كل شخصية من شخصيات هاتين الشريحتين.

مقالات خليفة السياسية في الحوار المتمدن، وأخبار الخليج، تعبر عن هموم الناس ومعاناتهم، فهو يرسم في قصصه شخصيات مركبة من حيوات صحفيين، وكتاب مجهضة أحلامهم، كبروا وهم يتجرعون الفقر والبؤس

حدد خليفة معالم شخصية الأمّ في الرواية، كأمّ محدودة الثقافة تعيش في قاع المجتمع، وتعمل خياطة لتعيل ولديها اليتيمين، وهي أرملة لزوج ذي ماض مشين توفّي في بيت امرأة فاسقة، وخلف موته ذكرى موجعة لأسرته، أربكت حياتهم، وخلفت لديهم مشاعر عميقة بالدونية والانكسار في مجتمعهم المحافظ.

ولداها، عقاب وعمر، وفي هذه الأسرة الفقيرة تختلف توجهات الولدين بمضي السنوات، فيتأثر عقاب بالخطاب الديني الإسلامي الأصولي بينما يعيش الأخ الثاني عمر حياته المنفلتة، الأول يتابع المشايخ في المساجد ويتبنى فتاويهم وأفكارهم حول الإسلام، وينظر إلى أخيه كضائع ومرتد عن دينه، بينما كان عمر يقضي نهاراته في التسكع بين بار وآخر ويعود في المساء مخموراً، ويمضي حياته الماجنة في بناء العلاقات المشبوهة مع النساء الأجنبيات، وتربطه أخيراً علاقة حميمة بأجنبية هي”ليزا” التي يرفضها أخوه عقاب، ولا يعترف بعلاقتهما إلا بكونها علاقة زنى لا أكثر.

تلك العلاقة الضدية بين الأخوين أتاحت للسارد فسحة فكرية وتخيليية واسعة وأعطته الحرية في عدم تبنى وجهة نظر أحد الأخوين، أي أنَّ السارد لم يقف مع الضدين، فقد وضعهما على المحك، وفي مواجهة مستمرة، لتحريك أحداث الرواية، وخلق المواقف الدرامية الناتجة عن التعارض المبدئي والحياتي بينهما.

لعبدالله خليفة العديد من الكتب الفكرية منها، “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية” صدر الجزء الأول والثاني منه في العام 2005 عن المؤسسة العربية في بيروت، وعرض فيه للمقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية في مجلد أول، وبعد ذلك أصدر مجلداً ثانياً تناول فيه تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد.

مثقف من الخليج

في إحدى قصصه التي نشرها قبل وفاته بأيام قليلة، بعنوان “الضمير” لا يجد البطل عملاً شريفاً يعيش منه بكرامة في قريته المنعزلة، فيمارس السرقة وأعمال الرذيلة ليلاً، وفي الصباح يمارس النفاق الاجتماعي كشاب شريف، فيظهر مع المصلين وشيوخ الجوامع، وجبينه ينقط ورعاً وزهداً في الحياة، وهو ليس وحيداً في هذا التشظي النفسي، والصراع المرير بين احتياجاته التي لا تلبى وفق القانون، ولكنها تلبى بالخروج على القانون، وبدلاً من أن يحصل على اللقمة الحلال، تصير لقمته حراماً خالصاً، ولكي يبرر سلامة موقفه مع ضميره، يقارن نفسه بشيخ الجامع عبدالباسط، الذي لا يتقي الله، ويفعل ما يفعل في الخفاء، فيقول عنه بمونولوج مؤثر “يلمح الشيخ عبدالباسط .. أنه متصل برموز السماء.. فلماذا لا يطبق بقبضته على عنقه؟ أهو سر من السماء تعطيه فرصاً لكي يتوب؟”.

غادر عبدالله خليفة عالمنا مبكراً، وهو لا يزال يحلم بالكتابة عن البحرين وتاريخها، كان بحق بحاجة إلى عمر ثان، ليفرح بأصداء نجاح مشروعه الفكري والأدبي.

13