عبدالله مراد رسام الحدائق السرية في مواجهة الألم

عبدالله مراد رسام تفاصيل. تفاصيل قد لا تعني أحدا سواه. ولكن دمشق بقوة ياسمينها كانت دائما حاضرة في رسومه. هذا رسام يؤلف من اشتباك الحواس، بعضها بالبعض الآخر حدسه.
الأحد 2018/08/19
فنان يقاوم الحرب بالرسم

أن يكون الرسام دمشقيا، لكن بأسلوب حديث، ذلك حدث يمزج خيالين. خيال الواقع وخيال الرسم. مَن لا يعرف دمشق لا يمكنه فهم معنى الزمن الذي يفرض خياله على الواقع ويخترقه. شيء من ذلك الزمن الوردي كان يرافق عبدالله مراد أينما مضى.

يتأمل بعين الغريب

التقيته ثلاث مرات. في دمشق وبيروت وباريس. لم يكن الشخص نفسه في كل مرة التقيه فيها. ترك الأصل في مرسمه وسط دمشق القديمة. هناك رأيته أول مرة. كان عليّ أن أستعين بحواسي كلها لكي أرى رسومه. يومها وصفت ما رأيته بالمنمنمات الجريحة. كانت ألوانه المتفائلة لا تنبئ بأمل ساذج. صمته أحرجني. كما لو أنه هو الآخر كان يتأمل رسومه بعين الغريب.

عبدالله مراد رسام تفاصيل. تفاصيل قد لا تعني أحدا سواه. ولكن دمشق بقوة ياسمينها كانت دائما حاضرة في رسومه. هذا رسام يؤلف من اشتباك الحواس، بعضها بالبعض الآخر حدسه. ولأن مراد تجريدي مثل عطر فإنه يمس الأشياء بخفة.

ما هو متاح من تلك الأشياء يجعله سعيدا. إنه رسام زاهد ومتقشف بالرغم من ثرائه اللوني. يعرف أنه يهب الأشياء حضورا مختلفا عن حضورها الواقعي غير أنه يظل ينظر إليها من جهة كونها لقى نفيسة لا تصلح للتداول العام.

رسوم مراد تُشم مثلما تُرى. إنها مناسبة لكي يتعرف المرء من خلالها على خيال مدينة، ينصت زائرها إلى وقع خطواته على أرضها كما لو أنه يأتيه من عالم آخر. في ما بعد صار ذلك العالم الآخر ضالته الجمالية.

لقد تغيّر عبدالله مراد. العالم من حوله تغيّر هو الآخر. حين رأيت معرضه الذي أقامه في قاعة كلود ليمان بباريس عام 2016 فاجأتني مشاهده الواسعة التي لا تذكر بالتفاصيل الصغيرة. لم يعد العالم ورديا يا مراد.

ولد مراد في حمص عام 1944. درس الرسم في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وتخرج عام 1970. عمل مدرسا للتربية الفنية في معهد دار المعلمين. نال الجائزة الأولى في معرض تحية إلى ميرو وبيكاسو الذي أقامه المركز الثقافي الاسباني بدمشق.

أقام معارضه الشخصية في دمشق وحمص وبيروت وباريس. عرض أعماله من خلال غاليري أيام لوقت قصير ثم انسحب. يعيش ويعمل في دمشق.

رسام الإيقاع وحارسه

صورة المكان لم تكن هي التي تقض مضجعه، فالمكان بالنسبة لمراد لا ينحصر في صورته. حواسه تقول ذلك. يمكنني أن أقول باطمئنان إنه رسام روح المكان. ذلك قول يُريح حواسه ويعطيها حقها
صورة المكان لم تكن هي التي تقض مضجعه، فالمكان بالنسبة لمراد لا ينحصر في صورته. حواسه تقول ذلك. يمكنني أن أقول باطمئنان إنه رسام روح المكان. ذلك قول يُريح حواسه ويعطيها حقها

تلك سيرته الواقعية أما سيرته الخيالية فقد كانت دائما تتماهى مع فكرته عن العمل الفني. فهي سيرة غير سردية. هي أقرب إلى الشعر منه إلى الرواية.

يمكنه أن يروي لك كيف يتشكل العمل الفني غير أنه يصمت حين يتعلق بالفكرة الذي تشكل الدافع لممارسة الرسم في عمل بعينه. يمكنه أن يحيلنا إلى الجمال دافعا مطلقا. ليست محاولة منه للهروب من الإجابة بل كشفا عن يقين صار بمثابة بوصلته التي تهدي يديه إلى عالم، بات يعرفه من غير أن يسمح لنفسه بالتصريح بمحتوياته قبل أن يشرع أبوابه للآخرين.

كانت لمراد حدائقه السرية التي يمكن النظر إليها من جهة كونها مرآة لخيال المدينة التي يجتاز دروبها الضيقة يوميا للوصول إلى مرسمه. تجربة حسية يعيشها المرء منتشيا بحيوية حواسه التي تعيد اكتشاف المكان من جديد في كل مرة ترشقها حساسية.

في رسوم مراد يبلغ المكان واحدة من أرقى ذرى تحوله الجمالي إذ تتداخل عناصره لتأخذ شكل كائنات غامضة تنبعث من عالم خفي. ذلك هو عالم الرسم الذي استوفى عبدالله مراد شروطه ممن خلال الإمساك بإيقاع الأشياء بعد نسيانها.

لم تكن صورة المكان هي التي تقض مضجعه، فالمكان بالنسبة له لا ينحصر في صورته. حواسه تقول ذلك. يمكنني أن أقول باطمئنان إنه رسام روح المكان. ذلك قول يُريح حواسه ويعطيها حقها.

يبني مراد لوحته ببطء واستغراق. فهو يباشر الرسم من غير فكرة مسبقة. لا يعرف ما الذي سيرسمه ولن يكون متأكدا من النتائج. سيكون الأمر من غير معنى. ذلك الخواء لا يحرجه. إنه جزء من الطاقة البديلة التي يستمد منها قوته التي تعينه على المضي في فتح أبواب تقود إلى عالم غامض، عالم لم يتعرف عليه أحد من قبل.

تتكون اللوحة تدريجيا. جزء يستدعي جزءا يليه. مغامرة يباشرها الرسام من غير أن يكون مسلحا إلا بثقته بالرسم. يعرف مراد أن ثقته بالرسم ستنقذه من إملاءات العالم الخارجي وشروطه.

لقد درب يديه على أن تبصرا وهما تحلقان في فضاء تخلقه روائح المواد وأشباح العناصر التي تتحرك خفية تحت سطح اللوحة. علينا أن نصدق أن مراد يستخرج عالمه الثري بالكائنات والأشياء ولا يرسمه. إنه يحيطه برعايته ليس إلا.

من العدم يستخرج مراد عالمه ليضمه مؤقتا إلى عالمنا. حينها نكتشف أن هناك أسبابا للسعادة لا تزال خفية. تلك أسباب يعرف الرسام وحده كيف يهتدي إلى مصادرها ومتى يوقظها من نومها.

إنها جزء من طقوسه التي لا يعرف عنها أحد شيئا. هي جزء من علاقته السرية بالعمل الفني الذي لن يتخلى عن غموضه حتى وإن أكد الرسام نفسه مرارا أنه لا يقصد منه سوى أن ينشئ مديحا للجمال.

وليس بعيدا عن الحقيقة القول إن عبدالله مراد كان إلى وقت قريب جماليا خالصا. لم يكن ينظر إلى الرسم إلا باعتباره مشرع خلاص جمالي.

المقاومة عن طريق الرسم

رجل يكره العنف ولكن العنف غدر به
رجل يكره العنف ولكن العنف غدر به

يصف مراد العمل الفني بأنه “شيء يتحقق وجوده في لحظة ما، نتيجة صراع عبثي بين الخامات والأدوات. عبث يحاكي عبث حياتنا ووجودنا ودائما كنت أرى الرسم لغة تتشكل من الصمت. تُسمع بالعين وتُدرك بالبصيرة”.

تسللت مفردة “عبث” إلى قاموس الرسام بعد أكثر من سبع سنوات من الحرب بما حملته إليه تلك الحرب من مأساة شخصية. لو لم تقع الحرب لما جرت الأمور مجرى عبثيا. لكنا في مكان آخر.

يقول مراد “أعشق كل ما يجعل الحياة في ألق دائم وتوهج. وما كان الفن على مدى التاريخ إلا دعوة ضمنية للحرية والانعتاق في عالم لا يزال يكتنفه العنف والفوضى وانعدام العدالة. وليس إلا التفاؤل وبعض الأمل هو ما يمنحنا القدرة على العيش ومواصلة الحياة”.

عام 2016 رأيت مراد الآخر في باريس. الرجل الذي أخذت الحرب أعزّ ما لديه. ابنه فادي الذي كان هو الآخر رساما في الثلاثينات من عمره. رأيته يقاوم عن طريق الرسم. إنه يتذكّر بقوة. هناك شيء أقوى منه يجعله يرى في الحرب قدرا شخصيا. سيكون عليه أن يحارب القبح بالجمال. كانت لوحاته تضج بالجمال. غير أن الألم كان عاصفا. سيكون من الصعب أن نلحق الألم بالجمال أو الجمال بالألم.

سأتبنّى وجهة نظر الرسام حيث الألم لا يتناقض مع الجمال. مراد هو مخترع مرئيات، كانت من قبله لا شيء. يده المتألمة لا تخون طريقها إلى التعبير. إنه رسام صادق. ما كان يستخرج حدائقه من العدم إلا برفقة عطره الشخصي.

إنه رجل يكره العنف ولكن العنف غدر به. لذلك لم يعد أمامه سوى أن يحتمي بالجمال. سيكون جمالا متشنجا. وهو أعظم ما يمكن أن يقدمه رجل لم تنتصر عليه الحرب حين قاومها بالرسم.

9