عبدالمجيد البكري المقيم في جنة حروفه

الفنان التونسي يرسم أحيانا وحدات صغيرة من خلال خطوط ملونة لتقع تلك الوحدات كما لو أنها علامات على سطح اللوحة، غير أنها لا تشير إلى شيء معين.
الأحد 2019/05/05
فنان تونسي يأسر الواقع عن طريق التجريد

 “مجنون الحرف” سميته ما إن رأيت المئات من لوحاته قبل سنوات في نزل صدربعل بالحمامات بتونس. غزارته في الإنتاج تضعه في مصاف قلة من الفنانين العرب الذين يشعر المرء أنهم لا يقومون بشيء سوى أن يرسموا. الرسم حياتهم كلها. غير أن قدرته على أن يستخرج نتائج جمالية مختلفة من موضوع واحد تضعه في موقع متميز بين تلك القلة. ما من شيء سوى الحرف في لوحاته التي رأيتها. غير أنه الشيء الذي يغير من مظهره في كل مرة يُرسم فيها.

رنين حروفه البصري

عبدالمجيد البكري يجدد في طريقة نظره إلى الحرف ليجعل منه شيئا يقع في كل مرة خارج مظهره التقليدي. فإضافة إلى أنه يستفيد من طاقة الحرف العربي على الحركة بما يجعل موسيقاه الشكلية تتجدد في كل مرة يظهر فيها فإنه يلجأ في أحيان كثيرة إلى تقطيعه وإعادة تركيبه، يطيله ويقصره كما لو أنه جملة، يمكن اختزالها وتكثيفها أو التمتع في النظر إليها بما يسمح لها بالاستلقاء والتمدد.

استلهام الحرف العربي جماليا لعبته. غير أنها ليست لعبة شكلية.

استلهام الحرف العربي جماليا لعبته. غير أنها ليست لعبة شكلية.
استلهام الحرف العربي جماليا لعبته، غير أنها ليست لعبة شكلية

يشعر المرء وهو ينظر إلى لوحات البكري أن هناك طاقة تعبيرية خفية تكمن وراء التقاطعات والتداخلات التي تصنعها الحروف وهي تتنقل بخفة على سطح اللوحة لتخلف نوعا من التصادم الذي يصنع رنينا تتلقاه العين بفرح. ذلك ما يمكن أن أطلق عليه مجازا تسمية “الرنين البصري”.

هناك صخب حميمي لا يتبدد حين يأسر العين. إنه صخب كائنات لا تشهر عن وجودها إلا عن طريق أصواتها. فالعالم بالنسبة لهذا الرسام يختزل نفسه في أصواته التي يغلب عليها الصمت الشكلي. ذلك لأنها تقيم في الحروف التي تمثل بنيتها الشكلية. اللغة لا تقيم هناك. غير أنها مضطرة للقيام بذلك من أجل أن تُكتب ليس إلا.

الخطاط والرسام وما بينهما

البكري يكتب حروفه. إنه مضطر للقيام بذلك. غير أن لغته الفنية هي أبعد من محاولة الكتابة. فهو يبصر فيما تعيش حروفه حالة من العمى وهو يفكر في مصير حروفه التي تسقط في هذيانها. كل لوحة منه هي عبارة عن هذيان بصري يدور في فلك حلم الحروف في أن تتحرر من أصواتها.

وسط الحروفيين العرب يشكل البكري حالة خاصة. فهو خطاط، غير أنه يعصي الشروط التي تجعل منه خطاطا بالكامل. وهو رسام غير أنه لا يرسم إلا مستعينا بالحروف، وهو ما يجعل منه رساما ناقصا إذا ما اعتمدنا المفهوم التقليدي للرسم. يمكنني القول إن توزعه بين الخط والرسم يذكر بحالة الرسام التونسي نجا المهداوي غير أن المهداوي يقترب من الخط العربي أكثر منه. في بعض الأحيان يحاول البكري أن يصنع من الحروف أشكالا تُذكر بالواقع عن طريق الإيحاء بوجود أشكال، هي في حقيقتها مجرد أوهام بصرية على طريقة الـ”أوب آرت”. 

رأيت له رسوما تشخيصية تعود إلى السنوات الأخيرة. تلك الرسوم من وجهة نظري لا تمثله ولكن لا يحق لي أن أنكرها.           

البكري يجدد في طريقة نظره إلى الحرف ليجعل منه شيئا يقع في كل مرة خارج مظهره التقليدي
البكري يجدد في طريقة نظره إلى الحرف ليجعل منه شيئا يقع في كل مرة خارج مظهره التقليدي

ولد البكري في قابس بتونس عام 1942. لم يتعلم الرسم مدرسيا غير أنه انهمك فيه في سن مبكرة. عام 2012 أقام معرضا استعاديا في قصر خيرالدين بالعاصمة تونس كان عبارة عن احتفال مزدوج. بلوغه السبعين من عمره ومرور خمسين سنة على ممارسته الرسم في العام 1962.

من نيويورك إلى بكين انتقل البكري بأعماله عبر أكثر من خمسين سنة من الجهد الخلاق الذي حاول البعض أن يأسره في قائمة محاولات تأثيث اللوحة المعاصرة بعناصر تراثية أو مستلهمة من التراث، ولكن ذلك الأمر بالنسبة للبكري لم يكن أساسيا في تجربته، على الأقل في المرحلة التي اطلعت على نتائجها وهي المرحلة الحروفية.

لقد تعامل الفنان التونسي مع الحرف باعتباره جزءا من مشهد حياة معاصرة يعيشها وهو ابتعد بذلك عما حسبه الآخرون ذخيرة تراثية. لم يكن تراث الخط العربي يعنيه في شيء. لقد وجه عنايته إلى الحرف وحده. كلامه وصمته. هدأته وصخبه. عقله وجنونه. جدواه وعبثيته. نظر إلى الحرف بعيني تلميذ موسيقى. وكما أتوقع فإن البكري تعلم من الموسيقى أكثر مما تعلم الرسم. هناك في لوحاته إيقاع لا يدركه سوى الموسيقيين.   

أنا على يقين من أن الخطاطين يغبطونه بسبب حساسيته الفريدة من نوعها في مواجهة الحروف ومحاولة تطويعها خارج سياق النص المباشر. سيغفر له الخطاطون إنه رجل يلعب بطريقته الخاصة لأنه من وجهة نظرهم ليس خطاطا وسيحيطه الرسامون باهتمامهم لأنه يهب الرسم متعا هي ليست من أصله وسيحرصون على النظر إليه بحذر، بغية انتظار الفرصة التي تتيح لهم استبعاده من حلبتهم.

“الحلم والمقاومة” كان ذلك هو عنوان معرضه الاستعادي. وهو عنوان يلخص تجربته مع العالم الخارجي. 

المقاومة عن طريق الفن

البكري يشكّل وسط الحروفيين العرب حالة خاصة
البكري يشكّل وسط الحروفيين العرب حالة خاصة

الحالم لا يزال يقاوم. البكري يقاوم قدره حروفيا. كانت فكرته عن الرسم موقع اختلاف. لا تزال حتى اللحظة كذلك. لا يحتاج المرء إلى أن يدافع عن نفسه حين يتعلق الأمر بالرسم. فكرة أن تكون رسومه مغرية بالنسبة للأوروبيين لم تحظ باهتمامه. سيقول لك “إنه فعل كل ذلك ليكون فنانا عربيا” ذلك هو حلمه. وهو الحلم الذي قاوم من أجله.

ولكن علينا أن نتعرف على المقاومة عن طريق الفن كما فهمها الفنان البكري. فهي مقاومة من طراز خاص. ثمة ما يجعله قريبا من فناني المنمنمات. ربما ستهلك مساعيه للإبلاغ عن تجربته الفنية لو وصف فنه بأنه مجرد تزويق. صفحات زخرفية يمكن أن تُلحق بأي كتاب. هذا ما نظنه غير أن البكري يلذ له أن يوصف فنه كذلك. يلذ له أحيانا أن يكون فنه وصفيا. فتأخذ الحروف في تشظيها شكل زهرة أو آنية أو شمس أو غيمة أو جرة فخار. عن طريق التجريد يمكنه أن يأسر الواقع من غير أن يرسمه.

الكائن الجمالي الغريب

يرسم أحيانا وحدات صغيرة من خلال خطوط ملونة لتقع تلك الوحدات كما لو أنها علامات على سطح اللوحة، غير أنها لا تشير إلى شيء معين. إنها علامات يقترحها الخط أثناء نزهته لتشكل عالما يُرى من بعد بطريقة يستدرج سحرها المتلقي إلى أن يقترب منها رغبة منه في التعرف عليها. حينها يكتشف أنه سقط في الفخ الذي نصبه الرسام. فلا شيء هناك سوى ذلك الإيقاع الخطي الذي صنع منه الرسام متاهة لونية. لن يهلك مجنون الحرف إذا لم يستنفذ قدرته على اللعب على حبال الحرف.

 البكري فنان واسع الحيلة. له صنعة الحرفي التي تنجد حين يجف النبع وله خيال الفنان الذي يضرب ضربة واحدة، تكون بمثابة بشارة لفتح طريق جديدة. في الحالين فإن البكري هو صانع لوحات لا يمكن أن يخونها الإتقان. “لقد شُبه لهم” يمكنه أن يقول معلقا على من يحصرونه في منطقة الخط.

وهو عن طريق تلك اللعبة لا ينكر صلته بالخط العربي بقدر ما يسعى إلى إقناع الآخرين بأن هناك أشكالا لتلك الصلة لم يتعرف عليها الآخرون بعد. وهي الأشكال التي تقترحها تجربته. ويشك الكثيرون في أن أحباره ستقاوم الزمن. غير أن فكرته عن الزمن تجعله على يقين من أنه فعل الشيء الصواب حين قرر أن يحرر الحرف من فصوله الأربعة ليجده منفيا كما لو أنه كائن غريب يقيم في إيقاعه الموسيقي من غير أن يحتمي بدلالة أو معنى.

9