عبدالناصر غارم فنان سعودي في طريقه إلى العالمية

عبدالناصر غارم فنان صعب، ذلك لأنه يشق بصرامة طريقه إلى العالمية من غير أن يتخلى عن هويته. بل إنه يعتبر تلك الهوية هي أساس عالميته.
الأحد 2019/06/02
فنان متمسك بفضائل هويته

 يستحق الفن أن يعيش المرء من أجله حياتين. غير أن من الصعب أن تكون واحدة منهما لسواه. يمكنه أن يكون الناظر والمنظور إليه. ويمكن أن يتخيل حياة لم يعشها واقعيا فيكون بمثابة آخر يملك موهبة الأنا في التجلي.

غير أن تجربة الفنان السعودي عبدالناصر غارم تطرح ثنائية من نوع مختلف. فهو عسكري محترف وفنان محترف في الوقت نفسه. وهو ما يذكّر بتجربة الفرنسي أنطوان دي سانت أكزوبيري الذي كان طيارا محترفا وروائيا محترفا في الوقت نفسه.

اللافت أن الاثنين يجمع بينهما التجريب على مستوى الأداء الفني.

غارم الذي ذاعت شهرته يوم بيع أحد أعماله “رسالة رسول” من خلال مزاد كريستيز دبي بـ”842500” دولار اختار أن يكون فنانا مفاهيميا، بما لا يدع مجالا للشك في عزوفه عن الدخول إلى سوق الفن من جهة استرضاء الذائقة الجمالية السائدة. من الواضح أنه لا يعرض أعماله الفنية من أجل أن يبيعها.

الذاهب إلى العالمية بجذوره

علاقته بالفن ينطلق فيها غارم من لحظة انفصال عن المفاهيم التقليدية وأيضا الأنواع الفنية السائدة.
علاقته بالفن ينطلق فيها غارم من لحظة انفصال عن المفاهيم التقليدية وأيضا الأنواع الفنية السائدة

على طريقة الألماني جوزيف بويز يتبع غارم فلسفة “الفن الاجتماعي” وهو أسلوب في التفكير الفني يقف ضد انفصال الفن عن مشكلات الحياة المباشرة غير أنه لا يصف تلك المشكلات بشكل مباشر على طريقة الواقعية الاشتراكية بقدر ما يحاول الوصول إلى خلاصاتها من خلال مشاهد صادمة يغلب عليها الغضب. وهو ما يوحى بأن ذلك الأسلوب لا يدير ظهره للسياسة بوجهها النقي، من غير التورط في مزادها.

غارم يمثل شريحة جديدة من الفنانين في المملكة العربية السعودية تفكر في الفن في إطاره العالمي. غير أن المفاجئ والمريح في الأمر أن أولئك الفنانين وقد استوعبوا “العالمية” بكل شروطها صاروا يلوحون بـ”محليتهم” وهي قوتهم الفكري والجمالي الذي يمكن أن يقدموا خلاصاته إلى العالم.

غارم فنان معاصر حقيقي وليس نسخة مستوردة. ما قدمه حتى الآن من أعمال فنية لا تخون شرط معاصرته الذي تشكل إنسانية الفن عماده. فاللغة التي حمّلها الفنان مشكلات محلية يمكن أن تُفهم في مختلف أنحاء العالم. فهي لغة المواطن الكوني التي تنطوي على معالجات بيئية واجتماعية لا تشبه سواها بسبب ارتباطها بأصول ثقافية حرص الفنان على التمسك بها.

وهكذا ينحو غارم إلى العالمية، كونه فنانا معاصرا، غير أنه يستلهم عالميته من جذوره التي يحملها معه.

فنان من طراز خاص

مزج الغرابة بالتراث خيار يذهب إليه غارم مغامراً بالفكرة ذاتها
مزج الغرابة بالتراث خيار يذهب إليه غارم مغامراً بالفكرة ذاتها

ولد غارم عام 1973 في خميس مشيط وهي واحدة من قرى أبها جنوب المملكة. عام 1992 تخرج من أكاديمية الملك عبدالعزيز الحربية. في قرية المفتاحة التشكيلية بدأ عام 2003 الممارسة الفنية من غير أن يسبقها بدراسة فنية ممنهجة. عام 2004 شهد أول عروضه حيث شارك في معرض جماعي بجدة من خلال “جماعة شتى”. قدم عمله “فلورا وفونا” في بينالي الشارقة عام 2007 وهو ما لفت الأنظار إليه. أما في 2008 فإنه نظم العرض الأول لـ”حافة الجزيرة العربية” بلندن. بعد ذلك تتالت العروض تحت العنوان نفسه في إسطنبول وبرلين والرياض ودبي.

من الواضح أن غارم ينطلق في علاقته بالفن من لحظة انفصال عن المفاهيم التقليدية وأيضا الأنواع الفنية السائدة. تلك بداية تضمن للفنان استقرارا نفسيا وهو يمارس استفزاز المنظومة الجمالية السائدة. فهو يقيم خارج تلك المنظومة، حتى وأن لجأ في بعض الأحيان إلى استعارة جزء من تقنياتها. لم يلزم غارم نفسه بتعلم فنون، يعرف أنه لن يمارسها. لذلك اتجه مباشرة إلى ممارسة فنون التجهيز والتركيب والأداء الجسدي والحدث والأرض والفيديو وسواها من الفنون المعاصرة.

غارم الذي بدأ حياته الفنية برسم لوحات مائية صغيرة كان قد استند إلى ثقافة معرفية كبيرة في أحوال الفن في العالم بحيث كانت أعماله الفنية المعاصرة الأولى تكشف عن طراز جديد في التفكير. لم يشأ الفنان الانخراط في وهم العالمية من جهة التقليد العبثي، بل قُدر له أن يطرح على العالم نموذجا فنيا مختلفا، يعالج من خلاله مشكلات البيئة والمجتمع التي يعرفها ويسعى إلى وضع حلول لها.

العبث والخلاص معا

وكما أرى فإن عبدالناصر غارم استطاع أن يقدم النموذج الفني المضاد لما كانت آلة التسويق العالمية قد عملت لسنوات من أجل الترويج له. وهو ما يهب تجربة الفنان السعودي قوة الفن القادم من جهة إلهام مختلف. فالحقائق التي يستند إليها فن غارم ويقدمها تضع العالم الغربي في مواجهة قراءة جديدة للشرق العربي ــ المسلم. وهي قراءة عقلانية، لا مكان للعاطفة فيها. فغارم ينتج فنا يدعو إلى التفكير.

“فلورا وفونا” عمله الأشهر الذي عرضه في بينالي الشارقة عام 2007 يقدم فكرة لا عن طريقته في التفكير فحسب بل وأيضا عن تقنياته المتمردة في تقديم أفكاره بطريقة صادمة. نفذ عمله في مدينة أبها. يومها لف غارم نفسه

[ غارم عسكري محترف وفنان محترف في الوقت نفسه. وهي ثنائية تذكر بتجربة الفرنسي أنطوان دي سانت أكزوبيري الذي كان طيارا محترفا وروائيا محترفا في الوقت نفسه.
غارم عسكري محترف وفنان محترف في الوقت نفسه. وهي ثنائية تذكر بتجربة الفرنسي أنطوان دي سانت أكزوبيري الذي كان طيارا محترفا وروائيا محترفا في الوقت نفسه

وشجرة بصفائح من البلاستيك وبقي هناك ست ساعات متواصلة. كان الهدف من وراء ذلك العمل هو التحذير من الأضرار التي تلحقها الأشجار المستوردة بالسكان المحليين. تلك فكرة الإبقاء عليها بمعزل عن العمل الفني. غير أنها ستكون مجردة من قوة إيحائها وقدرتها على خلق محيط تفاعلي.

على طريقة بويز في عمله “أنا أحب أميركا وأميركا تحبني” الذي قدمه في إحدى صالات نيويورك سجن غارم نفسه مع عدوه. الذئب في حالة بويز والشجرة الأجنبية في حالة

غارم. خصمان يقتسمان مجالا محدودا ويتصارعان من أجل البقاء. لقد اختزل غارم المسافات ليضع الخصمين وجها لوجه في محيط مغلق. ومن خلال ذلك المحيط المغلق استحضر كل واحد منهما استعداداته لمقاومة الآخر أو القضاء عليه.

لا يميل غارم إلى أن تكون هناك حكاية. هناك أشياء كثيرة يمكن أن تُروى في إطار فكرته غير أنها تقع خارج اهتمامه. تلك واحدة من صفاته التي تميزه عن سواه من الفنانين المعاصرين، فهو لا يدق أبواب عاطفة المتلقي من أجل أن يجذبه إلى فكرته. ذلك ما يشير إلى اعتزازه بحريته. وهو كما أرى درس للآخرين.

وكما يبدو فإن الصرامة التي تعلمها من حياته العسكرية نفعته كثيرا في ذلك المجال وهي في الوقت نفسه ساهمت في تقديم فنان يقدم فكرته بطريقة صلبة لا تخسر رهانها أمام عواطف الجمهور.

“نصف قطب” هو عنوان عمل يتكون من نصفين. أحدهما يمثل قبة المسجد النبوي بالمدينة المنورة والثاني يمثل خوذة محارب. دُمج النصفان ليكونا قطعة واحدة يبلغ قطرها ثلاثة أمتار وارتفاعها 80 سنتيمترا. ذلك العمل يُمكن أن يُقرأ بطرق مختلفة، حسب أسلوب التأويل تبعا لطريقة التعامل البصري الذي لن يكون بعيدا عن المعرفة. بالنسبة للفنان فإن واحدة من أهم ركائز تفكيره إنما تكمن في البحث في تفاصيل معادلة المتغير والثابت في الحياة. وهو في عمله “نصف قطب” يسعى إلى تسليط الضوء على المنطقة التي يتردد الكثيرون في الاقتراب منها. هناك حيث يقع الصدام الذي هو في جزء منه تجسيد لسوء فهم تاريخي.

في عمله “الصراط” يبدو غارم سرياليا بفكاهة سوداء. فهو يستند أصلا إلى حدث واقعي. كان المشاع أن لا يمر السيل بالجسر فتجمع سكان القرية على الجسر فإذا بالسيل يضرب الجسر ويقتلهم. على أشلاء ذلك الجسر كتب غارم كلمة “صراط”. يمكنك أن تقرأ تلك الكلمة بطرق مختلفة. دينية ودنيوية. لك خيار أن تمضي مع الفكرة إلى نهايتها. العبث الذي يمتزج بالتفكير في الخلاص.

عبدالناصر غارم فنان صعب. ذلك لأنه يشق بصرامة طريقه إلى العالمية من غير أن يتخلى عن هويته. بل إنه يعتبر تلك الهوية هي أساس عالميته.

الفنان السعودي يمارس استفزاز المنظومة الجمالية السائدة
الفنان السعودي يمارس استفزاز المنظومة الجمالية السائدة 

 

9