عبدالناصر والإخوان في لعبة الأمم

الخميس 2014/03/20

بما أني مازلت بين طيات كتاب لعبة الأمم لمايلز كوبلاند، وجب عليّ توضيح دور عبدالناصر في لعبة الأمم، ولأوضح يجب أن أستوضح من مستشاري الفكري “شعدون” عن بعض الملابسات، لكن شعدون متأخر عليّ لأسباب أجهلها، قد تكون أمنية أو أمية، بمعنى نيته لرفع الأمية السياسية عني، فأتعلم استنباط المعلومة دونه، لكن حتى وإن فعلت، أريده أن يختم على قولي، فأنا مازلت طالبة عنده، ولم أتخرج من مدرسته بعد.

تفحصت كتاب “لعبة الأمم” مرة أخرى، وأول ما أثار توجسي أن نسخته الإلكترونية على الشبكة الإلكترونية نشرت ضمن كتب عربية تصِم “عبدالناصر” بالعمالة لأميركا، ويبدو أن هذا الكتاب وضع في تلك القائمة ليدعم تلك الفكرة، ولما تفحصت الموقع أكثر وجدت أنه لجماعة الإخوان المسلمين، حينها لم يعد قولهم يضير، فأعداؤه ليسوا من الأخلاق ليمتدحوه.

غصت في الكتاب أحاول أن أجد ترياقا لوصم عبدالناصر بالعمالة، من اسم الكتاب نفسه، قد تم استنباط الأفكار على طريقة شعدون، ناهيك عن أهمية الكتاب بمعلوماته الملهمة، في زمن تشوشت فيه الأفكار وتلوثت، فكان أول ما لفت نظري هو استراتيجية لعبة الأمم التي ساقها المترجم على لسان زكريا محيي الدين نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة عام 1962: إنه في لعبة الأمم أو لعبة السياسة ثلاثة مبادئ: الأولى، إن لكل لاعب أهدافه الخاصة التي لا تتفق وأهداف اللاعبين الآخرين؛ والثانية، إن اللاعب مجبر بطبيعة محيطه على التحرك في لعبة غير مربحة بالضرورة؛ وأخيرا ليس في لعبة الأمم من رابح بل الخسارة هي المسيطرة.

لكن الملفت أن هدف جميع اللاعبين هو المحافظة على استمرار اللعبة، وتوقفها يعني الحرب المحتمة، فأوحى لي هذا القول أن لعبة السياسة كالإدمان على القمار، خاصة للطرف الخاسر، الذي يظل يلعب معتقدا بأنه سيربح هذه المرة، متناسيا حقيقة أن الأساس في اللعبة -القمار- هو أن يربح التاجر أي صاحب محل القمار، وليس الزبائن والمتوهمون، الساعون وراء الربح السهل والسريع، وربما فسر لي هذا سبب فشل جميع أقطاب المعارضة في الدول العربية، سواء التي اكتسحها الربيع العربي أو تلك التي نأت عنه، ليس لأمر يخصهم، لكن لأمر يخص خبرتهم، ولأن صاحب المحل -الذي هو في الداخل الحكومة، وفي الخارج القوى العظمى- لا يريد لهم الربح كما لن يمكنهم منه!

وهذا أيضا هو حال الإخوان منذ نشأتهم، مرورا بعهد عبدالناصر، إلى اعتصاماتهم برابعة، فبعد أن ذاقوا حلاوة المكسب، ظنوا أنهم رابحون باحتجاجاتهم في رابعة، متناسين الحقيقة التي تقول بأن 95 بالمئة من أولئك الذين يكسبون من القمار يخسرون ما كسبوه في مدة أقصاها سنتين، وذلك لقلة الخبرة في إدارة الأموال الطائلة، مما جعل الإخوان يخسرون مكاسبهم في قمار ثورات الربيع العربي.

كتبت سابقا أن ثورات منتصف القرن العشرين من صنع الاستخبارات الأميركية، كما كتب مايلز كوبلاند في كتابه معرض حديثنا، وكتبت أيضا أن الترويج لتلك الثورات جاء عن طريق إذاعة البي بي سي عربي، أي أن الغرب وأميركا لم يحرضا عليها بشكل مباشر، إنما بتحريض غير مباشر عن طريق تمجيد الثورات اليمينية في أميركا اللاتينية، وهذه مرة أخرى وليس ما أقوله أنا، إنما ما يقره الكاتب عن عبدالناصر.

ورغم محاولات الكاتب بإلصاق التهم إلى جمال، لكنه لم يستطع الإقرار بالاتصال المباشر بين عبدالناصر والاستخبارات الأميركية، وزد عليه اعترافه بأن الاستخبارات الأميركية عَمِلت جاهدة لتحطيم نفوذه لكنها لم تفلح: “لقد عملنا بقساوة لتحطم نفوذ عبدالناصر أكثر مما عملنا لبنائه وبسطه”، وهذا يجعلني متفائلة بالنسبة لمستقبل المشير عبدالفتاح السيسي، فلن يضيره أو يضره الهجوم الأميركي على طريقته في ضبط الأمن بمصر.

وما يدحض أية تهمة عن عبدالناصر كعميل أميركي، هو مخالفة عبدالناصر للعبة الأمم –وفقا للكاتب- حين صار زعيما عربيا، وهذا ما لم تضعه أميركا في الحسبان، وفوق هذا ترسيخه وترويجه للقومية العربية في أذهان ومذاهب الكثيرين بما فيهم أنا، ومن شدة كره الكاتب لهذه الحقيقة ردد في أكثر من موقع أن “ناصر” ليس عربيا، وكنت على وشك تصديقه، لكني وجدت في كل المراجع أن “ناصر” عربي حتى النخاع وإلا ما صار قوميا.

وأخيرا، أقر الكاتب أن الأميركان فكروا في كل تفاصيل الانقلاب على الملك فاروق، لكنه اعترف أيضا بأنهم لم يعلموا بالانقلاب إلا يوم حدوثه، ونشر خبره في الصحف، وهذا يعني أنهم أرادوا ما حل بالعرب في الربيع العربي، ورحبوا به لعلمهم أن المعارضات الحالية ضعيفة، ولن تقوى على قيادة دول قوية كمصر مثلا، أو حتى سوريا، لذلك أرادوا المعارضات أن تعتلي عروش تلك الدول، فلا تقل لي أن الديمقراطية هدفهم، فوفقا لمايلز ما كان ببالهم هو “توطيد العلاقات مع الحكم الجديد، لأن الحياة الديمقراطية يجب أن يتم بناؤها ابتداء من درجة الصفر”، وهذا ما يجب أن يراه العقلاء بيننا، فالديمقراطية الحقيقية تبنى من الصفر في ظل استقرار سياسي، لا تأتي من الفوضى. وما كان ببالهم حينها أيضا أن تجمع الآراء على كراهية الطبقة الغنية في مصر وليست إسرائيل، واليوم هدفهم أن تتخبط الآراء ليجتمع العرب على كره بعضهم بعضا.

وأخيرا، لديّ اعتراف صغير، أنا لست مع ما قام به عبدالناصر، لأني ملكية حتى النخاع، بالرغم من أني بعد ثورات الربيع العربي وشرح شعدون، صرت قومية حتى أذني، لكني ظللت ملكية كما أنا.

16