عبدالنبي ذاكر: وضع المترجم عربيا كوضع مصارع طواحين الهواء

الاثنين 2014/03/03
ذاكر: الرواية ولدت من رحم الرحلة التي منحتها دينامية خاصة

القاهرة- بدأ الباحث المغربي عبدالنبي ذاكر شاعرا وناقدا، حيث اختار قصيدة “يطير الحمام يحط الحمام” للشاعر الفلسطيني محمود درويش موضوعا بحثيا في الإجازة، قبل أن ينتقل إلى عالم الرحلة الذي حمله إلى الترجمة، كون كتابه “أوروبا والمغرب: نظرات متقاطعة”، تطلَّب منه ترجمة نصوص الرحلة فرنسية وأنكليزية وأسبانية وغيرها بحثا عن الصورة التي يكوّنها الآخر عن المغرب. “العرب” التقت ذاكر لتتحدث إليه في عديد من المحاور والمواضيع فكان هذا الحوار.

حصل عبدالنبي ذاكر، الذي يعمل أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر بأكادير، على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة التي يمنحها “المركز العربي للأدب الجغرافي- ارتياد الآفاق” لأكثر من دورة، وله العديد من المؤلفات ما بين الترجمة والبحث والتحقيق.


كائن سوسيولوجي


يرى ذاكر أن الرحلة “كائن سوسيولوجي في تحوّل دائم منذ الرحلات الملحمية القديمة إلى الرحلة الرقمية الراهنة على شبكة الأنترنت. لكن هناك ثوابت تعتبر من المحددات الأساسية للرحلة ـ سواء أكانت نقلة بالجسد أم بالخيال فقط ـ منها أنها محكي استكشافي متعدد الأشكال، ينهض على الوصف والملاحظة والانطباع والاستطراد، لأنه يجعل من المشاهدة ـ أو تخييل المشاهدة ـ وسيطا للقول بالصوَر المسافرة في البرَّاني والجواني”.

الرحلات ظلت على مر الحقب التاريخية ملمحا حضاريا يصل المشرق بالمغرب

ويلفت ذاكر إلى أن أنواع الرحلة تكاد تندُّ عن الحصر، لكن لا نتوفر على نَمذجة شمولية، و”هو ما يعقد أكثر فهمنا لطبيعة هذا الجنس الأدبي الزئبقي الذي يحمل ألف وجه ووجه، وألف شكل وشكل. لكن، مبدئيا يمكننا التمييز بين الرحلة الخيالية التي يسافر أصحابها بالخيال فقط لا بالجسد، والرحلة الواقعية التي تقوم على السفر بالجسد، وهي أنواع عدة منها: الرحلة الاستكشافية والسِّفارية والسوسيولوجية والسياحية والفهْرسية والجغرافية والأركيولوجية والفلسفية والتبشيرية والحجية، واللائحة طويلة”.


مركزية إثنية


وحول الفروق الأساسية من حيث الرؤية والكتابة بين الرحلة العربية والرحلة الغربية، وبين الرحلة القديمة والمعاصرة، يقول ذاكر: “من حيث الرؤية، صدرت الرحلة العربية قديما عن مركزية إثنية ترمي بالآخر في الظُّلمة البرانية التي تتوطن فيها دار الكفر مقارنة بدار الإسلام. ومقارنة بالعربي “الفاتح” المعتدّ بمرجعيته الثقافية والحضارية، يمكن القول إن الرحالة الغربي “المستعمر”، “المبشِّر”، “التاجر”، قد صدر هو الآخر عن مركزية إثنية أوروبية تكرس دونية الآخر، وتعلي من شأن الذات.

أما من حيث الكتابة، فالرحلة القديمة عموما -عربيها وغربيها- لم تحتف بالكتابة بقدر احتفائها بالغريب والعجيب والمدهش، أما الرحلة المعاصرة -العربية والغربية- فقد نحت منحى تجديديا يربط تجربة السفر المعيشة بالكتابة والتخييل وتكنيك الوصف والسرد وتقاطع الأجناس والأشكال والأنماط، وتوظيف التناص والكتابة الشَّذرية، وشَعْرنة الخطاب، واستبطان الذات والآخر”.
العقلية الذكورية التي نؤرخ بها لثقافتنا هي الشجرة التي تحجب عنا الظلال الوارفة لعطاءات المرأة العربية

أما عن العلاقة بين الرواية والرحلة، فيشير ذاكر، إلى أن هناك من الباحثين من ذهب إلى أن الرواية ولدت من رحم الرحلة التي منحتها دينامية خاصة. وفي هذا السياق أذكِّر بالدراسة القيمة لأدامز بيرسي “أدب الرحلة وتطور الرواية”.

ومن يقرأ رواية “دون كيخوطي” لسرفانتيس، لا شك أنه سيلاحظ أنها وجدت سندا لها في ثيمة السفر والتجوال. وحتى في الأدب العربي هناك هذا التداخل بين الروائي والرحلي سواء أثناء النشأة أو في لحظة عنفوان الرواية مع أعلامها كنجيب محفوظ الذي بنى روايته “رحلة ابن فطومة” في قالب رحلي. وفي السياق نفسه أشير إلى رواية لحميداني حميد “رحلة في الطريق السيار”.

وما تزال الرحلة مصدرا ثَرّيًا للروائيين. وهنا أشير إلى رواية سعيد علوش “تاسّانو ابن الشمس ملعون القارات”، وقبلها بكثير رواية أمين معلوف “ليون الإفريقي”.


عقلية ذكورية

الرحلة مصدر ثَرّي للروائيين


يفسر “ذاكر” عدم ظهور رحالة امرأة في الشرق، قائلا “العقلية الذكورية التي نؤرخ بها لثقافتنا وآدابنا وفنوننا هي الشجرة التي تحجب عنا الظلال الوارفة لعطاءات المرأة العربية في هذا المضمار الذي قد يُظَن أنه حكر على الرجال. هل ستستغرب إذا قلت إن المرأة العربية جابت العالم وأنتجت رحلات حول العالم، هذا كثير، أليس كذلك؟

إنني معجب بالعديد من الرحالات العربيات الرائدات، وأحلم بعقد مؤتمر دولي يخصص لرحلاتهن، وما أغزر فوائدها! تُرانا نسينا عائشة عبدالرحمن المعروفة ببنت الشاطئ ورحلاتها إلى أسبانيا وأوروبا. وهل يمكن تجاهل درية شفيق ورحلتها الضخمة حول العالم.

وليلى أبو زيد ورحلاتها إلى أميركا وأنكلترا، ونوال السعداوي ورحلاتها حول العالم. بل أعود بك إلى القرن الـ18 لأذكِّر بالفقيهة السياسية الأديبة والوزيرة خناتة بنت بكار زوجة السلطان المولى إسماعيل التي خلد الوزير الإسحاقي رحلتها الحجازية لسنة 1143هـ”.

ويلفت ذاكر إلى أن المرأة الغربية الرحالة تندُّ عن الحصر بمنجزاتها الرحلية العظيمة، والجغرافيات التي استكشفتها، لكن الدراسات في هذا الباب أيضا قليلة. وهنا أشير إلى دراسة سبق أن نشرتُها عن امرأة فرنسية جابت الصحراء الشاسعة، إنها أوديت دو بّْويغودو. من منا لا يذكر مدام دوسْتايل ورحلتها الألمانية التي كانت وراء ميلاد الرومانسية الفرنسية، وجورج ساند التي خلدت رحلتها الإسبانية في بعض أعمالها الروائية.

وقد سجلت مطالع القرن الماضي أسماء نسائية وازنة في أدب الرحلة سردتها بتفصيل في مسرد بيبليوغرافي ذيلت به كتابي: “أوروبا والمغرب: نظرات متقاطعة”، ومن تلك الأسماء أذكر: ويليت هنرييت، أنييس جيرالدين الشهيرة باسم لايدي غْروڤ، وماري هنرييتا كينغْسلي، وإيميلي كيني المعروفة بشريفة وزَّان. وليس لرحّالتنا العربيات ما يغبطن عليه الرحلات الأوروبيات، فالعقلية الذكورية كانت دائما وراء الإقصاء والتهميش والانتقاد الجارح.

ونوّه “ذاكر” بالدور الذي لعبه ويلعبه المركز العربي للأدب الجغرافي في إحياء الاهتمام بأدب الرحلة، يقول “مجهود كبير تضطلع به مجموعة قليلة جدا. ونحن بحاجة إلى توسيع دائرة هذا المركز بخلق فروع له في جغرافيات مختلفة”.

رحلات المشارقة إلى المغرب كانت محدودة في الزمان والمكان، وتحتاج إلى من يتصدى لها بالدراسة والتحقيق

ويضيف قوله: “قيمة جائزة ابن بطوطة اليوم تجاوزت الاعتبار المادي. وعلى الرغم من ضآلته، فالمرشحون كانوا دائما في تزايد، إذا استثنينا الدورة الأخيرة التي تأثرت بأحداث ما سمي بـ”الربيع العربي”. نحن نتوق دائما إلى الأفضل، وهذا يتوقف على من لديه إرادة دعم الشأن الثقافي في بلداننا أولا. ولا أحد يرضى عما آل إليه وضع الثقافة في أوطاننا”.


مجهودات فردية


يؤكد ذاكر على أن وضع المترجم عربيا كوضع مُصارِع طواحين الهواء. هناك مجهودات فردية لا تُنكر، لكن لا إستراتيجية تجمعها، ولا إرادة سياسية تسندها. وهي غالبا ما تكون ترجمة براغماتية لها صلة بإنجاز أعمال أكاديمية، أو تكون استراحة محارب مع نصوص منتقاة لسهولتها لا لجدتها وقيمتها.

وغياب مشروع ترجمي كمشروع بيت الحكمة في العصر العباسي، يعني أن أولياء أمورنا ما عادوا يحلمون بما حلم به خلفاء العصر العباسي. ولا شك أن الخرق سيتسع على الراقع إن لم تكن هناك صحوة ترجمية تنتبه لما يستجد في عصرنا من معارف يدرك علماء اللغة العربية حق الإدراك أنها قادرة على تمثلها وتوليد مصطلحات ومفاهيم تتخطى دائرة الاستهلاك إلى آفاق الإنتاج”.
15