عبدالهادي التازي موسوعي حلّق في العالم باحثا عن دهشة المعرفة

السبت 2015/04/18
التازي عاشق الرحلات

لم يكن عبدالهادي التازي منشغلا بأدب الرحلات فقط، وهو الذي حقق ورتّب “رحلة ابن بطوطة” قبل نحو عشرين عاما، بل إن التازي عاشق للرحلات والأسفار، جواب أمصار وجوال أقطار، مرتاد آفاق وأمداء.

كان يحكي مبتهجا، ذات حوار معه، قبل سنتين، أنه استقل الطائرة نحو 1281 مرة ورحلة، في سفريات قادته إلى مختلف العواصم والمكتبات والمتاحف التي زارها في رحلته شرقا وغربا.

وهو لم يسافر في الزمن الحاضر فقط، بل سافر في الماضي، وهو يطل علينا كل مرة بنادرة جديدة أو رحلة منسية أو مخطوطة فريدة، أو عمل على النسخة الوحيدة، كما يقول المحققون، أو اشتغال على “تقييدة شريدة”، كما فعل مع أبي القاسم الفجيجي. لكن الراحل لم يكن يتوجه في ذلك نحو الماضي، بقدر ما كان يتوجه بهذا الماضي نحو الآتي والمستقبل.

قرين ابن بطوطة

سيظل اسم عبدالهادي التازي مقترنا بابن بطوطة ورحلته التي حققها في ستة مجلدات، ونشرتها أكاديمية المملكة المغربية، وهو عضو مبرز فيها، وكان ذلك سنة 1997.

وإذا كان المستشرقان ديفريميري وسانكينيتي قد نشرا الرحلة في منتصف القرن التاسع عشر، اعتمادا على ثلاث مخطوطات، فقد اعتمد التازي على ثلاثين مخطوطة، وجعل الجزء الخامس منها خاصا بالفهارس، بنحو 33 فهرسا، بما فيها فهرس الأنهار والجواهر والحلي والعطور والطعام والشراب واللباس والكنائس والأديرة والمزارات والمساجد والنبات والنقود والعملات والألفاظ الحضارية، ويورد التازي في المقدمة قائلا: “لقد رأينا أن هذه الفهارس والملاحق كانت ضرورية للمساعدة على الاستفادة الكاملة من هذا التراث الغني والضخم الذي هو رحلة ابن بطوطة”. فكان يرى في الرحلة تراثا كاملا ممتدا في التاريخ والجغرافيا، حيث يربط المكان الزمن الماضي بالزمنين المقابلين: الحاضر والمستقبل.

وأما الجزء السادس فقد خصصه المحقق المؤرخ لمجموع من المستدركات على تحقيقه رحلة ابن بطوطة، وقد ضم هذا المستدرك صورا وأشعارا ونوادر وأرقاما ومعطيات وإضافات لا تنتهي، أكدت أن ابن بطوطة إذا كان قد انتهى من رحلته في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، قبل عصور النهضة الأوروبية، فإن عبدالهادي التازي قد مات وفي نفسه شيء من تحفة ابن بطوطة، ومن تحفة أدبية كتبها الناس منذ ترجلوا، اسمها الرحلة.

التحليق إلى البعيد

وفضلا عن اشتغاله بنصوص الرحلات، وفي مقدمتها رحلة ابن بطوطة الطنجي، فإن التازي هو كاتب رحلة، أيضا، ومن المتأخرين الذين فعلوا ذلك، وفي عدد من الأنواع الرحلية، فكتب الرحلة السياحية، عندما زار فرنسا أول مرة، بعدما تلقى دعوة من أسرة فرنسية، وكان ذلك سنة 1952، وصدرت بعنوان “رحلتي الأولى إلى فرنسا”، وهي الرحلة التي سرعان ما تحولت إلى رحلة سياسية، مع مرور الأوقات والصفحات، انتبه فيها الرحالة إلى الفرق ما بين الفرنسيين الذين التقى بهم في فرنسا والفرنسيين المعمرين الذين عرفهم وخبرهم في المغرب.

وكيف أن الفرنسيين الذين التقاهم في باريس مواطنون عالميون كونيون متسامحون وديمقراطيون ومتشبعون بقيم الحرية والعدالة والمساواة، وأما المعمرون الفرنسيون ممن احتلوا المغرب والجزائر وتونس وغالب دول أفريقيا هم موظفون مسخرون لخدمة الآلة الاستعمارية العسكرية الفرنسية.

وعلى غرار كتاب الرحلات المكية والحجازية “الحجية”، التي اشتهر بها المغاربة في مختلف العصور، نسج عبدالهادي التازي رحلته المكية سنة 1959، وهي رحلة “التحليق إلى البيت العتيق”. وكان التازي قد حلق إلى الديار المكية على رأس أول وفد رسمي حجي يقوم بأداء مناسك الحج على عهد الملك محمد الخامس، بعد استقلال المغرب.

على غرار كتاب الرحلات المكية والحجازية "الحجية"، التي اشتهر بها المغاربة في مختلف العصور، ينسج عبدالهادي التازي رحلته المكية سنة 1959 "التحليق إلى البيت العتيق". وكان التازي قد حلق إلى الديار المكية على رأس أول وفد رسمي يقوم بأداء مناسك الحج في عهد الملك محمد الخامس

قبل نحو 18 سنة، وبعد صدور تحقيقه لرحلة ابن بطوطة “تحفة النظار”، كان لنا أول لقاء مع المؤرخ الراحل عبدالهادي التازي، في كلية آداب بتطوان. وقد ألقى علينا الرجل درسا افتتاحيا بعنوان “مستقبل الماضي”، حدثنا فيه عن تجربته في الكتابة والتأليف والبحث والتحقيق، وعن عجائب أسفاره وغرائب أخباره، وعن تحقيقه رحلة ابن بطوطة الطنجي، وتوجهه بعدها نحو الاهتمام بالرحلات والنصوص السفارية والدبلوماسية وغيرها، وكيف يمكن لنا أن نكتب تاريخ العلاقات المغربية الأوروبية من خلال هذه النصوص.

كيف يمكن أن نفهم المرحلة الاستعمارية من خلال المرحلة ما قبل الاستعمارية، لكي نفهم اللحظة الراهنة، وكيما نتوجه نحو المستقبل. أي أن نكتب تاريخ المستقبل، كما علمنا التازي في هذا الدرس الافتتاحي.

نحن الذين كنا يومها طلبة منبهرين بحداثة أدونيس وخطاب الحداثة كما يترجمه، ما كنا نعتقد أن المؤرخ ابن القرويين يعرف أدونيس، فإذا به يؤكد لنا يومها أن صدمة الحداثة كما تحدّث عنها شاعر الحداثة مبثوثة في أعمال الرحالة المغاربة، منذ “النفحة المسكية في السفارة التركية” للتمكروتي، ورحلة الوزير الغساني “الافتكاك” و”نتيجة الجهاد” للغزال، والرحلة الإبريزية إلى الديار الإنكليزية لمحمد الطاهر الفاسي، وصولا إلى رحلة الوزير الصفار التطواني.

وكان التازي قد نحت، يومها، اصطلاحا نسجه على منوال أدونيس، وهو “دهشة الحداثة”، كما ترتسم هذه الدهشة على ملامح ومحيا تلك الرحلات. كما حدثنا التازي يومها عن أطروحة صامويل هنتنغتون، حول “صدام الحضارات”، والتي ظهرت سنة 1993، وكنا لا نزال مشدوهين لها بها، فإذا التازي يزيد من افتتاننا، وهو يحدثنا عن لقائه بصامويل هنتنغتون، في مؤتمر دولي في نيويورك، وكيف ناقش معه سؤال صدام الحضارات بسؤال حوار الحضارات، كما بنته نصوص إنسانية وكونية كبرى، في مقدمتها نصوص الرحلة، التي كانت أول منجز إنساني كتابي سجل حوار الحضارات والثقافات، منذ النص الإنساني الكبير لرحالة مدينة طنجة الدولية ابن بطوطة، شمس الدين محمد بن أحمد اللواتي الطنجي.

بقدر ما كان عبدالهادي التازي وسيبقى مثقفا وعالما موسوعيا، خلّف منجزا باهرا وفهرسا زاخرا، يضم عشرات الأبحاث والدراسات والتحقيقات، بقدر ما كان مثقفا وباحثا متخصصا، انفرد بالبحث في نوع مخصوص من أنواع المتن الرحلي، ويتعلق الأمر بالرحلات السفارية والدبلوماسية تحديدا.

بل يمكن القول إن مجال اشتغال الرجل ومدار اهتمامه ومظانه الأدبية هو النصوص التاريخية الدبلوماسية بشكل عام، ما يعني أن الرجل يخرج هنا من دائرة التاريخ العام إلى دائرة التاريخ الخاص. وقد خلّف التازي وخلّد أعمالا مركزية في هذا الصدد، ومنها كتاب “جولة في تاريخ المغرب الدبلوماسي” وكتاب “تاريخ العلاقات المغربية الأمريكية”، و”ليبيا من خلال الوزير الإسحاقي” و”الرموز السرية في المراسلات المغربية عبر التاريخ” و”التاريخ الدبلوماسي للمغرب” و”رحلتي الأولى إلى فرنسا”، فضلا عن ترجمته للكتاب النادر الذي ألفه الجنرال دو لاطور تحت مسمى “حقائق عن الشمال الأفريقي”.

كان اهتمام الراحل بالرحلات اهتمام مؤرخ موثق ومستطلع مدقق، يرحل في الأرض أو في نصوص الرحلة، يبتغي القبض على الحقيقة التاريخية والعلاقة السياسية والماضي الذي صنع الحاضر، والحاضر الذي سيرسم ملامح المستقبل. من هنا، لم ينظر التازي إلى الرحلة بما هي نص أدبي واحد، وإن انتظمت فيه نصوص وأجناس وأشكال للكتابة كثيرة، بل نظر الراحل إلى الرحلة بما هي نصوص كثيرة ووثائق متعددة وشهادات ومذكرات ورسائل ونوادر وسير وتراجم ومراسلات وغيرها.

أي أنه نظر إلى الرحلة باعتبارها مكتبة أو خزانة رسمية أو غير رسمية، أو تاريخا كتب ممتدا في المكان والزمان معا، بعبارة بول ريكور. ولعل العمل الذي يشهد على ذلك هو إخراجه وتأليفه لكتاب “صقلية في مذكرات السفير بن عثمان”، فكان من الباحثين المتقدمين الذين اشتغلوا على نص وجنس “المذكرات” في التاريخ العربي.

معرفة التازي بالحقل السفاري والدبلوماسي معرفة علمية وعملية، فقد شغل منصب سفير المغرب في العراق وليبيا، ثم في الإمارات العربية المتحدة، مثلما شغل منصب الرئيس المؤسس لنادي الدبلوماسيين المغاربة منذ 1990، كما انتخب كأول رئيس عربي للمؤتمر العالمي للأسماء الجغرافية في دورته السادسة في نيويورك

وأما معرفة التازي بالحقل السفاري والدبلوماسي معرفة علمية وعملية أيضا، حيث شغل الرجل منصب سفير للمغرب في العراق، كما في ليبيا، ثم الإمارات العربية المتحدة، مثلما شغل منصب الرئيس المؤسس لنادي الدبلوماسيين المغاربة منذ 1990، كما وانتخب أول رئيس عربي للمؤتمر العالمي للأسماء الجغرافية في دورته السادسة، الذي انعقد في نيويورك.

وبقدر انفتاح الرجل على جامعات وثقافات العالم، وهو الذي كان يتحدث ويحاضر ويحرر ويفكر بأكثر من خمس لغات أجنبية، بقدر ما ظل وفيا لثقافته التراثية العميقة، وإن كان ينظر إلى التراث باعتباره نصا يمتد في المستقبل، كما يرى هايدغر، نصا ماثلا أمامنا، لا إرثا خلفنا، نلتفت إليه، فلا نعود نقوى على التوجه نحو المستقبل.

أفكار التازي المبكرة

من هنا، فإن التازي، وهو خريج جامعة القرويين، سنة 1947، عندما كان عمره لم يتجاوز 26 سنة، سوف يتوجه إلى مصر، ليحصل من جامعة الإسكندرية على دكتوراه كانت أطروحته عن جامعة القرويين نفسها. ولو تم العمل بما جاء في تلك الأطروحة، لكانت هذه الجامعة، التي هي أقدم جامعة في العالم، واحدة من أرقى الجامعات العالمية، وفي كتاب “المسجد والجامعة” يستحضر التازي الأطروحة من جديد، ويسائل الفضاءات العلمية في عالمنا العربي، وهو يذكرنا بالأدوار التي كانت تضطلع بها المساجد، يوم كانت فضاء للفكر الفلسفي، منذ حلقة الحسن البصري مؤسس علم الكلام، مرورا بحلقات الخوارزمي الرياضية، وحلقات ابن الهيثم البصرية، وحلقات ابن رشد العقلانية في مسجد قرطبة وجامعها الكبير.

وقد دافع عبدالهادي التازي عن هذه الأفكار في مؤسسات ومراكز علمية وبحثية لمع اسمه فيها وهدر صوته، مثل أكاديمية المملكة المغربية ومجمع اللغة العربية في القاهرة ومجمع اللغة العربية في دمشق والمعهد العربي الأرجنتيني والمعهد الإيطالي الأفريقي والمجلس الدولي لهيئة المعجم التاريخي.

كان عبدالهادي التازي قد أهدى جزءا غاليا من مكتبته لخزانة جامعة القرويين، قبل نحو عشر سنوات من اليوم، بمجموع يفوق 7 آلاف كتاب، حيث مات الرجل وفي نفسه شيء من القرويين، عاصمة العلم في مدينته فاس، حيث دفن في ضريح الشيخ محي الدين بن عربي، صاحب القولة المأثورة “كل فناء لا يعطي بقاء لا يعوّل عليه”. وقد خلّف عبدالهادي التازي تراثا علميا زاهرا، وحقق ووثق متنا علميا وسياسيا وأدبيا هادرا، فرحل وترحل، كما عشق الرحلات، وكما تغنى بالحياة، ولكنه لا يفنى.

12