عبدالهادي الوشاحي.. نحات الأعمال الصرحية الخادشة للفراغ

الزائر لمكتبة الإسكندرية لا بد له أن يلمـح ذلك الضيف الجديد الجالس بشموخ في ساحتها الخارجية، وفي حضور لافت لا تخطئه عين، ذلك الضيف ليس سوى تمثال بالحجم الكبير يرتفع لأكثر من أربعة أمتار لعميد الأدب العربي طه حسين، هو ما أبدعه النحات المصري الراحل عبدالهادي الوشاحي الذي أهدت أسرته تمثال العميد إلى مكتبة الإسكندرية قبل أشهر قليلة.
الجمعة 2017/10/27
إيقاع آسر

القاهرة – رحلة طويلة قطعها تمثال طه حسين المنصوب حاليا في مكتبة الإسكندرية منذ أبدعه النحّات المصري الراحل عبدالهادي الوشاحي، فعلى مدى أكثر من عقدين ظل فيها التمثال حبيس الجدران داخل محترف الفنان بعد أن تعطل مشروع إقامته أمام جامعة القاهرة، هذه الجامعة التي تولى طه حسين عمادتها في خمسينات القرن الماضي.

وقبل أربع سنوات تقريبا طالب البعض بإقامة تمثال الوشاحي في مدينة المنيا الواقعة في جنوب مصر، حيث مسقط رأس طه حسين ردا على تحطيم تمثال نصفي لعميد الأدب العربي من قبل منتسبين إلى الجماعات المتشددة، وأعلنت وقتها جبهة الدفاع عن الإبداع، وهي أحد الكيانات الثقافية الناشئة، عن تكفلها بتوفير التكلفة من طريق التبرعات في ما يشبه الاكتتاب العام، وهو أمر أعاد إلى الأذهان قصة إنشاء تمثال نهضة مصر المواجه لجامعة القاهرة للمثّال المصري الراحل محمود مختار، الذي تم جمع تكلفته عن طريق تبرعات المصريين في بدايات القرن الماضي، غير أن المشروع لم يكتمل هو الآخر، وظل التمثال قابعا في مكانه داخل محترف الفنان إلى أن استقر أخيرا في مكانه الحالي.

اللافت في تمثال طه حسين للوشاحي كما في تماثيله الأخرى هو ذلك الإيقاع الفريد الذي يربط ما بين الكتلة والفراغ، إيقاع آسر ذو وقع سحري يخاطب البصيرة قبل أن يأسر البصر والحواس، هو “القفزة المستحيلة” كما أطلق الوشاحي على إحدى منحوتاته، هو شكل الفراغ وميكانيكية سقوط الضوء على الكتلة.

في أعمال الوشاحي ثمة حالة رائقة أشبه بموسيقى الكون وتناغم الأفلاك، في لحظة تظنها كلمحة من حلم أو دفقة لا شعورية من خيال، لكنها لا تلبث بعد لحظات من تأملها أن تكشف لك عن سر الأشياء ونقائها، ويبقى هذا الخيط الذي يربط بين تمثال طه حسين، وكل المنحوتات التي أبدعها الوشاحى طوال تاريخه الممتد منذ منتصف خمسينات القرن العشرين وإلى أن فارق الحياة بوشائج من الصدق الطفولي والحماسة المتوهجة.

كان الوشاحي فنانا أصيلا، يتسم بأسلوب خاص وفريد ميّز أعماله النحتية، ففي حين كانت أعمال معظم الرواد الذين سبقوه أسيرة لطغيان الكتلة الفرعونية، تحرر الوشاحي من ذلك الأسر، فأتت أعماله في حالة تحليق دائم، يطغى عليها نوع من الحركة الدائرية.

كان الرجل فريدا في أسلوبه وكان فريدا أيضا في اختياراته لمضامين أعماله، وهو ما ينعكس على أسماء منحوتاته مثل “القفزة المستحيلة”، “محاولة لإيجاد توازن”، “استشراف” و”رؤية”.

عمال عبدالهادي الوشاحي هي لحظة تظنها كلمحة من حلم أو دفقة لا شعورية من خيال

وتميزت أعمال الوشاحي أيضا ببنائها الصرحي حتى لو تضاءلت أحجامها، فكل عمل من أعماله هو في الحقيقة مشروع لعمل ميداني، ويعود ذلك إلى اعتماده على منطق الدوران في الفراغ، فالكتل التي ينحتها الوشاحي لا بد لها أن تقيم حوارا مع ما يحيط بها من فراغ، تتواءم معه حينا وتتحداه حينا آخر فارضة عليه منطقها الخاص.

والوشاحي هو أستاذ للعديد من المثّالين المُجيدين على ساحة العمل الفني الآن في مصر، فالكثير منهم يدين له بالفضل والأستاذية، حتى وإن لم يتتلمذ على يديه بشكل مباشر، فقد كان محترفه مفتوحا للجميع، حتى في أيامه الأخيرة التي عانى فيها كثيرا من تداعيات المرض.

كان الوشاحي لا يزال بعد طالبا في السنة الثانية بكلية الفنون الجميلة حين فاز بجائزة من صالون القاهرة، وهو أحد الفعاليات الفنية الهامة في فترة الستينات من القرن الماضي، وقد كان حينذاك دائم المشاركة في المعارض الجماعية التي تقام في القاهرة من آن إلى آخر، وكانت له رغم حداثة سنه أعمال معروضة في متحف الفن الحديث بالقاهرة، ويتردد اسمه في أوساط الفن التشكيلي المصري، حتى أنه تمت دعوته للمشاركة في بينالي الإسكندرية وهو لا يزال طالبا في الفنون الجميلة.

وقد مثلت فترة ستينات القرن العشرين فترة خصبة في حياته، بما تحمله تلك الفترة من مشاعر قومية ووطنية وإحساس عميق بالنهضة والرغبة في التحرر، ففي الستينات أنهى الوشاحي دراسته في الفنون الجميلة، وفيها أيضا كانت أول أسفاره، ذلك الحلم الذي طالما راوده كثيرا قبل تخرجه.

كان سفره لأول مرة إلى أوروبا في عام 1965 لتمثيل مصر في بينالي باريس الدولي، وبعدها بثلاثة أعوام تقريبا سافر مرة أخرى لقضاء سبعة أعوام كاملة ما بين إسبانيا وإيطاليا. ذهب الوشاحي أولا إلى إسبانيا لاستلام جائزة عن أحد الأعمال التي شارك بها في بينالى “أبيثا” الدولي، وهناك سمع عن مسابقة لإنجاز تمثال ميداني في أحد شوارع مدريد، فتقدم لها، وكانت المفاجأة أن فاز تصميمه من بين المئات من التصاميم الأخرى وحظي بإعجاب الجميع، ليمتد به المقام في إسبانيا لأكثر من خمس سنوات.

سافر بعدها إلى إيطاليا التي قضى فيها ما يزيد عن العامين، متجولا بين متاحفها ومحترفات فنانيها، ليعود الوشاحي بعدها إلى القاهرة محملا برصيده البصري الذي امتزجت فيه أساليب النحت المعاصر بما تركه أسلافه الفراعنة من منحوتات صرحية مازالت تتحدى الزمن.

رحل عبدالهادي الوشاحي في أغسطس عام 2013 عن عمر يناهز 76 عاما قبل أن يشاهد أيا من تماثيله منصوبا تحت ضوء الشمس، أو “نور الفراغ” كما كان يسميه، والذي ظل مؤمنا طوال حياته بأنه المكان الطبيعي للعمل النحتي.

17