عبدالهادي سعدون لـ"العرب": الشعر الشعبي للمرأة العراقية يختزل حضارة كاملة

القارئ الأوروبي يتعرف في كتاب "الغناء والجرح" للكاتب عبدالهادي سعدون على أهمية نماذج شعر النساء وكذلك على أسماء مهمة في الأهزوجة العراقية.
الاثنين 2020/12/07
عراقيات أبدعن في الفولكلور (لوحة للفنان محمود فهمي عبود)

تحفل المجتمعات العربية منذ القدم بالكثير من الأشعار الشعبية التي تنسب إلى مجهول، وغالبا ما تكون حول مواضيع الحب والتمرد والمعاناة وغيرها. وفي الأغلب يكون أصحاب تلك النصوص نساء، وإن ظهر بعضهن فكثير منهن خلّدن قصائد هامة لكنهن بقين في الخفاء وهذا ما يحاول كشفه الكاتب عبدالهادي سعدون الذي كان لـ”العرب” معه هذا اللقاء.

يمثل كتاب “الغناء والجرح: مدخل لدراسة شعر نساء العراق الشعبي” الذي صدر هذه الأيام، أول كتاب من نوعه يكتب باللغة الإسبانية للباحث العراقي المقيم بمدريد منذ عام 1993 عبدالهادي سعدون، وهو الكتاب الثاني له في الموضوع نفسه بعد الكتاب الذي أصدره عام 2018 عن دار أوليفانته الإسبانية “ليس كل ما أكتبه شعراً: منتخبات من شعر نساء العراق” الحائز على جائزة أفضل كتاب شعري مترجم للعام نفسه.

ويخصص سعدون كتابه الجديد لمنتخبات شعرية من الشعر الشعبي الدارمي العراقي الذي كتبته النساء، حيث يعد الكتاب بمثابة دراسة متكاملة عن كل الأنواع الشعرية التي تبارت بها نساء العراق في فنون الشعر المختلفة، مع التركيز على أنواع بعينها وشاعرات برزت أسماؤهن عن غيرهن لأسباب اجتماعية وظروف معينة.

وجاء الكتاب الصادر باللغة الإسبانية عن دار النشر المدريدية بيربوم، في 134 صفحة، وزينت غلافه لوحة إيحائية وحروفية مدهشة للفنانة العراقية المغتربة نوال السعدون، وتضمن مقدمة وثلاثة أبواب بداية بقصيدة المرأة العراقية الشعبية (مقاربة وتحليل)، وثانياً مقارنة وتوثيق لشعر المرأة العراقية مع أنواع شعر النساء العربيات والمشرق الأخرى، ويختتم الكتاب بفصل ثالث فيه منتخبات شعرية مختلفة عن كل الأنواع المدروسة سابقا.

أهمية الدراسة

أول دراسة بحثية مع نماذج تطبيقية عن شعر نساء العراق الشعبي بلغة هندو – أوروبية وهي الإسبانية
أول دراسة بحثية مع نماذج تطبيقية عن شعر نساء العراق الشعبي بلغة هندو – أوروبية وهي الإسبانية

ما يميز كتاب “الغناء والجرح: مدخل لدراسة شعر نساء العراق الشعبي” هو أنه أول دراسة بحثية مع نماذج تطبيقية عن شعر نساء العراق الشعبي بلغة هندو – أوروبية وهي الإسبانية، إذ أن الدراسات الأكاديمية والبحوث عن الشعرية الأنثوية في المشرق لم تدرس هذه الظاهرة ولم تتطرق لها سابقا، مما يعد الكتاب بمثابة سبق كبير للأدب العراقي من جهة، وللغة الإسبانية كي تكون قنطرة ووسطاً ناقلاً لها إلى لغات العالم المختلفة.

وفي الكتاب سيتعرف القارئ الأوروبي على أهمية نماذج شعر الدارمي “أو شعر البنات”، وكذلك على أسماء مهمة في الأهزوجة العراقية المعروفة وكذلك في نماذج قصائد العتاب والحداد والحزن والبكائيات كما عليه قصائد “الرحى”، وأيضاً تركيز كبير على شعرية خنساء الشعر الشعبي العراقي ألا هي شاعرة القرن التاسع عشر المعروفة فدعة الأزيرجاوية.

من المفيد في هذا الكتاب أنه يشبه الوثيقة البحثية عن الشعر الشعبي العراقي، هو الرصد الكبير لكل كتب الفولكلور والأدب الشعبي العراقي ووضعها في قائمة ليستفيد منها الباحث الإسباني خاصة والغربي عامة. إذ حاول الباحث الإحاطة بكل الكتب العراقية والعربية التي تناولت موضوع الشعر الشعبي العراقي بدءاً من أول كتاب للباحث عبدالرزاق الحسيني حتى آخر الإصدارات التي كتب فيها وعنها آخر الباحثين الشباب.

حول الكتاب يقول سعدون “بما أنها أول دراسة عن الشعر الشعبي النسوي العربي ممثلاً بالمرأة العراقية بلغة هندو – أوروبية وهي الإسبانية، كان لا بد أن تكون دراسة مستفيضة عامة تغطي كل جوانب هذه الشعرية وملامحها الرئيسية المجهولة وغير المعروفة للباحث والمطلع الغربي. كان لا بد من التأكيد عبر هذه الدراسة على أهمية ما تنتجه المرأة العربية على الرغم من ظرفها ووضعها الاجتماعي من شعرية في الموروث الشعبي العربي، حتى لو جاء نتاجها الأعظم بصفة مجهولة، أي لم تدونه باسمها، بل يصبح من أهم الشعريات المجهولة المتداولة شفاهياً بينهن أو بين الجمهور العريض”.

ويضيف “كما أكدت على مسألة هذه الشعرية الحية وعلاقتها بالأغنية كما عليه ‘الدارمي: القصيدة القصيرة للمرأة العراقية‘، وعلاقتها بموروث التخت المشرقي للغناء العراقي عبر عصور طويلة مما سهل حفظه لنا، أيضاً ساهمت بتطور مفهوم الأغنية وشعريتها العالية. ومن جملة المميزات الأخرى، قدم أنواع الشعرية النسائية التي ترجع إلى نصوص أولية تعود للحضارة الميزوبوتامية الرافدينية، ويضاف إلى ملامح ومميزات أخرى تستفيض بها الدراسة ومن الصعب تلخيصها هنا في هذا المجال الضيق”.

نصوص المرأة

كاتب

يؤكد سعدون أن للشعر النسائي في العراق خصوصية تميزه عن الشعر الذي يكتبه الرجل، ويقول “فروقات شاسعة بعضها يتقاطع والبعض الأكبر يتفرد بميزته الأنثوية، كل الشعرية النسوية ليست العراقية فحسب، بل تقفز لتكون ميزة المرأة الشاعرة العربية، تنبني على فكرة التواجد والحضور والتحرر من ضغوط مجتمعية وبطريركية متوارثة ومنصبة بعيداً عن الواقع ورغبة الذات الأنثوية. الغناء والشعر النسوي متميزان بنبرة أنثوية خالصة لا تخطئهما الأذن السامعة ولا العين القارئة من مفردات وتعابير وشجون تختلف عن النص الذكوري”.

ويتابع مؤلف الكتاب “كما أن نصوص المرأة معبأة بمفردات التعبير الاجتماعية الملتصقة بها، خذ مثلاً قصيدة الدارمي بحسها ومباشرتها التعبيرية وقوتها بالتركيز على وضعها إزاء المجتمع والحبيب والقدر والظروف القاهرة. مثلها مثل الأهازيج وقصائد العتاب والوجد والحزن. بل أن قصائدها الإيحائية عن الجسد والفراق والحبيب والفراش تتم بلمسة أنثوية مغايرة وحميمة لا تجدها في القصيدة الذكورية بالمرة”.

ويوضح سعدون أسباب اهتمامه بالشعر النسوي العراقي قائلا “اهتمامي بدراسة الفولكلور والأدب الشعبي أولاً منذ فترة طويلة، كمحب وقارئ للشعر الشعبي العربي والعراقي، ولي آراء ومقالات فيه وأضعه في أحيان كثيرة بمرتبة متقدمة عن شعرية الفصحى. لا يجب أن ننسى أن اللغة العامية قديمة قدم اللغة الأم وممثلة حقيقية عن روح الشعوب وثقافتها وفنونها. هذا ما جعلني أدرسها بأكاديمية سمح بها تواجدي في الأوساط الأكاديمية الإسبانية والاهتمام الكبير الذي يولونه للأدب الشعبي عموماً”.

ويشير إلى أن ما أصدره في كتاب “الأغنية والجرح” وقبله في “أنطولوجيا الشعر النسائي” إنما هو جزء من دراسات مطولة عن أثر النسوية في الآداب الشعبية العربية عموماً والعراقية خاصة، وهي تتطرق لكل مفاهيمه وأنواعه، ليس الشعر وحسب بل الحكاية والتقاليد وما إلى ذلك، بحيث أصبح مشروعه الأساس وكتاباته التحليلية النقدية فيه.

ويرى سعدون أن القيمة التي يمكن أن يشكلها الكتابان الحالي والسابق بالنسبة إلى المكتبة الإسبانية خاصة والغربية عامة، أنهما أول كتابين ينشران بالإسبانية عن هذا النوع الشعري النسوي العربي، كدراسة وتحليل ونماذج منتخبة مترجمة. وهذا شيء مهم خاصة وأنه يمثل فاتحة ضرورية للتنبيه والترويج والمتابعة للباحث الأوروبي والقارئ على حد سواء.

الكتاب بمثابة دراسة متكاملة عن كل الأنواع الشعرية التي تبارت بها نساء العراق في فنون الشعر المختلفة، مع التركيز على أنواع بعينها

وحول أبرز الأسماء التي ضمتها الدراسة الحالية وأسباب اختياره لها، يتابع سعدون “ركزت كل الاهتمام على عينات شعرية مختلفة وعلى تصانيف شعرية وأنواع مكرسة للنموذج النسوي أكثر منه التركيز على أسماء شاعرات بعينهن. مع ذلك، هناك ذكر لأسماء مختلفة نتعرف عليها في مصنفات شعرية تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مثل شاعرات ثورة العشرين العراقية ضد الإنجليز بنماذج شعرية بما سمي بالأهازيج، وأيضاً لا بد من ذكر الشاعرة الفراتية فدعة الأزيرجاوية التي لقبت بخنساء الشعر الشعبي العراقي، وهي من الشاعرات اللاتي تركن أثراً كبيراً لشعريتها وشخصيتها وظروفها المماثلة لظروف الخنساء من فقد ولوعة وحداد تضيف إلى ثقل ونوعية شعريتها في مجتمع ريفي عراقي”.

ويبقى أن نلفت إلى أن الباحث العراقي عبدالهادي سعدون قد نشر أبحاثاً ودراسات وترجمات عديدة باللغة الإسبانية، سواء تلك التي تناولت الشعرية العراقية والعربية مباشرة أو تناولت موضوع الحكاية والقص والرواية، ومن كتبه الأخيرة التي حازت نجاحاً ملحوظاً في الوسط الثقافي الإسباني، ترجمته ودراسته عن التراث الإيروتيكي العربي من منظور الدراسات التراثية العربية. كما من المتوقع أن يصدر له مطلع العام القادم كتاب “رفيقات أنهيدوانا: أنطولوجيا شاعرات كلاسيكيات عربيات من القرن الثالث حتى القرن الثالث عشر” عن دار بويتيكاس الإسبانية.

15