عبدالوهاب البياتي: أترك وجع الحديث عن الحداثة للشعراء الذين ليس لهم قراء

الثلاثاء 2014/01/07
البياتي: كلما كان الشاعر متصلا بواقعه كلما كانت قصيدته جيدة

تواصل “العرب” نشر الجزء الثالث والأخير من حوار الشاعر العراقي عبدالوهّاب البياتي الذي كان أجراه معه الشاعر والصحفي الجزائري أزراج عمر في تسعينات القرن الماضي ومرّت عليه سنوات طويلة دون أن يُنشر. وفي الحوار يتأكّد القول بأنّ الخوض في شعره لا يستقيم له معنى ما لم نضعه على محكّ سيرته الحياتية. ذلك أنّ البياتي من الشعراء الذين خَبِروا زمانَهم بتصاريفَ وقائعه وأخبروا عنه في حياتهم ونصوصهم حتى صار يصعب على القارئ تبيّن حدود التجربة وحدود التخييل في أشعارهم. ولعل هذه الخصيصة هي التي مكّنته من حيازة تجربة شعرية لها ملامحها التجديدية ولها أساليبها في التحرّش بالسائد الاجتماعي والسياسي والفني، ولها قدرتها على تجاوز المحليّ والوطني وملامسة حدود الكونية. وفي هذا الجزء من الحوار، يتعرّف القارئ على بعض مواقف البياتي من حداثة المتنبّي وشعراء البلاطات وسقوط ورقة التوت عن الواقع العربي وغير هذا كثير.

في التسعينات من القرن العشرين وفي ذروة الحصار المضروب على العراق لسنوات طويلة دُعيت لأشارك في مهرجان المربد للشعر بالعراق، وعند وصولي ضمن وفد الشعراء والأدباء العرب والأجانب الذي اتجه من لندن عبر باريس إلى بغداد وجدنا الشاعر الشهير عبدالوهاب البياتي ومعه الوفد العراقي الذي كان في استقبالنا بمطار بغداد.

وفي الليلة الأولى من وصولنا كانت لي، وبحضور الناقد السوري خلدون الشمعة بفندق الشيراتون، جلسة ممتعة مع الشاعر البياتي. حيث طال الحديث بيننا طوال السهرة قضايا كثيرة، فاستأذنت الشاعر البياتي في تسجيل ما كان يدور بيننا من كلام حول شعره وتجربته الحياتية، فكان هذا الحوار الذي تنشر “العرب” الجزء الثالث والأخير منه في عدد هذا اليوم.

مرّت سنوات طويلة دون أن يرى حواري مع الشاعر عبدالوهاب البياتي نور النشر، وذلك جراء توقف مجلة الدستور عن الصدور نهائيا، حيث كنت من قبلُ أتعاون معها بصفة دائمة في التسعينات من القرن الماضي، إضافة إلى حياة الترحال الدائم التي عشتها شخصيا في المهجر البريطاني لمدة طويلة.

وبعد مرور أكثر من ربع قرن على إجراء هذا الحوار، عدت إليه مسجلا بصوته فوجدته طازجا وجديرا بأن ينشر ولو بعد رحيله عن دنيانا، إحياء لذكراه ولدوره الريادي إلى جانب الشعراء الرواد العرب في بناء وتطوير القصيدة العربية الحديثة في القرن العشرين.


قراء من الملائكة

بعد أن تعرّفنا إلى إجابات البياتي في الجزأيْن السابقين من حوارنا معه على مجموعة من الأسئلة الأيديولوجية والسياسية، رغبنا في هذا الجزء الاقتراب من موقفه في قضية تشغل بال النقاد كثيرا وهي قضية الحداثة. فهناك كلام كثير في هذه الأيام عن الحداثة والطليعية والقدامة في الشعر وفي السياسة، وفي العمران وغير ذلك. أدونيس يتحدث عن الحداثة، والشعراء الشباب في شمال إفريقيا يتحدثون عن الحداثة، وفي السعودية يتحدثون عن الحداثة وما بعد الحداثة.

فماذا تعني الحداثة بالنسبة إلى شعر البياتي داخل التراث في الشعر العربي، وداخل المعطى الشعري الأدبي والثقافي في الحياة العربية ككل.

وعن هذه الأسئلة، يقول البياتي: “بالنسبة إليّ لا أحب الدخول في المماحكة الفكرية والأيديولوجية وفي هذه المتاهات، لأنني أحقق الحداثة في كل قصيدة جديدة أكتبها وأترك ذلك للنقاد. الحداثة هي عندما أكتب قصيدة جديدة وأعبر بها عن تجربة جديدة بشكل جديد”.

وبسؤالنا البياتي عن ماهية التجربة الجديدة وماهية الشكل الجديد لديه، أجابنا بالقول: “إن التجربة الجديدة ليست هي تجربتي الذاتية فحسب بل هي التجربة الإنسانية لأن الشاعر هو جزء من الإنسانية، إنه يجب أن ننتقل من الحديث عن الشعر كمادة سحرية محضة أو كصياغة بيانية أو لفظية أو صياغة ذهنية إلى الشعر كتعبير عن الوجود الإنساني.أنا لست من هؤلاء الشعراء الذين يكتبون معادلات كيميائية وما أشبه ذلك ولا قيمة لها وليس لها قراء. وإن قلتم لي إن لها قراء من الملائكة، فإني أشك في وجود قراء ولكن إذا كان هناك قراء للشعر فهم قرائي، ولا أقول إنّ لهم قراء على الإطلاق، ولهذا أترك هذا الوجع، وجع الحديث عن الحداثة لهؤلاء الشعراء الذين ليس لهم قراء”.


حداثة المتنبي


ولكن، هل يعني البياتي بالحداثة في الشعر العربي تجاوزا للمعطى الشعري العربي بدءا من العصر الجاهلي إلى تجاوز تجربته ذاتها، هذا أمر يقول عنه البياتي: “عندما نعود إلى ديوان المتنبي وإلى كل القصائد التي أعجبتني وأعجبتك وأعجبت كل القراء العرب من القرن الرابع الهجري حتى الآن فإننا نجدها قد تحققت فيها الحداثة وأن المتنبي قد استطاع أن يخلق كونا شعريا جديدا وهذا الكون الشعري هو امتداد للتراث الشعري العربي أي لتراث المتنبي نفسه، إنه إضافة جديدة له، هكذا ببساطة يعني أمر الحداثة”.

خلال الحرب مع نظام الخميني إلى يومنا هذا، هناك حديث كثير عن قصيدة الحرب. وحول ما إذا كان البياتي يؤمن بمصطلح قصيدة الحرب وما هي مميزاتها الفنية وما تقييمه لها، أجابنا بقوله: “نعم، أعتقد أن الإبداع الشعري الذي يتناول كل مواضيع الحياة منها شعر الحرب الذي سميته يتوقف على الشاعر.

هناك شعراء يجيدون الكتابة في كافة الموضوعات منها هذا الموضوع، وقد يكون هناك شعراء لا يجيدون الحديث في الحرب. أنا لا أسأل عن موضوع القصيدة وإنما أسأل عن الشاعر، وأسأل هل هذا الشاعر موهوب ومبدع؟ إذا اتفقنا على هذا، فإنه يعني عندئذ أن الشاعر الموهوب إذا ما كتب في أي موضوع أو موضوع قصيدة الحرب، فإنه يجيد إجادة كاملة.

فالمتنبي على سبيل المثال وصف كل المعارك الملحمية التي خاضها سيف الدولة، وتعتبر قصائده تلك من عيون شعره، وهكذا الأمر بالنسبة للشعراء في كل العصور. ليس لدينا موقف معين من هذا الديوان من الشعر أو ذاك، و إنما عندما أقرأ الشعر أرى هل استطاع الشاعر أن يحقق الإبداعية فيه”.

وحول إمكان أن نقارن بين الشعراء الذين كتبوا قصيدة الحرب وما يسمى اصطلاحا بقصيدة الحرب في العراق وبين الشعراء الإنسانيين الذين كتبوا قصيدة الحرب مثل بابلو نيرودا، وبول إلوار، وشعراء المقاومة الفرنسية، وشعراء المقاومة ضد النازية الألمانية وشعراء السوفييت المقاومين ضدّ النازية الألمانية، يقول البياتي: “هناك فرق كبير بين من يكتب من وراء الطاولة أو المكتب، وبين من يكتب ويساهم مساهمة فعالة في الحياة اليومية سواء في السلم أو الحرب. هذه بديهية حقيقية ويتوقف على الشاعر أيضا وعلى مدى عمق التجربة. إنه كلما كانت التجربة عميقة ومتصلة بالواقع كلما كانت القصيدة جيدة”.


ذباب الموائد

عندما قلنا للبياتي إننا قرأنا عدّة مقالات عن ديوانه “بستان عائشة” منها مقالات تقول إنه تقهقر شعريا، أجاب: “أنا لم أقرأ هذه المقالات، أين قرأتها؟”، قلنا له بأننا وجدنا تلك المقالات في مجلة الناقد وفي جريدة القدس، فعلّق على ذلك بقوله: “مجلة الناقد كل أعدادها عندي؛ لكن لا أعرف هذه الجريدة التي ذكرتها ولا أعرف جريدة بهذا العنوان، هذه حقيقة.. ربما كتبها إنسان حاقد لا أدري، ولكن كل الكتابات التي كتبت وفيها دراسات قيمة وصلت إلى حدّ أن تكون كتبا ستنشر عن هذا الديوان، ولقد نال ديواني “بستان عائشة” إعجابا كبيرا في كل مكان. لا أدري. نعود ونقول إنّ كل شاعر تصاحبه جوقة من المعجبين ومن القراء ويكون هناك في الوقت نفسه ذباب الموائد.

أحقق الحداثة في كل قصيدة جديدة أكتبها وأترك ذلك للنقاد؛ الحداثة هي عندما أكتب قصيدة جديدة وأعبّر بها عن تجربة جديدة بشكل جديد

أنا أسمّي هؤلاء الصحفيين الصغار والذين يرتزقون من الكتابة هكذا”، ولما أعلمناه بأن من كتبوا تلك المقالات هم شعراء وليسوا مجرّد صحفيين، أجابنا بالقول: “طبعا، ففي كل العصور يمثل كل شاعر حقيقي ظاهرة حقيقية يتبعه الملائكة والذباب أيضا، نعم، بعض “الذباب” يحاولون أن يتطفلوا على موائد الشعراء، فكم من ذباب تطفل على موائد المتنبي، ولكن المتنبي بقي شامخا طوال العصور التي مرّت”.


الحل والترحال

وعن مصير البياتي بعد المنفى والهجرة الاختيارية فالسفر في أصقاع الأرض ثم العودة إلى العراق للاستقرار فيه، يقول: “أنا لم أعد لكي أستقر وإنما لكي أولد من جديد، طبعا، هذا يذكرني لكي أعود إلى فكرة الذباب. هناك ثوري في الثورة وهناك سلطويون في السلطة، فهؤلاء الذين يتحدثون عن السلطة وضدّ السلطة هم سلطة السلطة. أنا أعرف تاريخهم واحدا واحدا، وأعرف كيف يعيشون وماذا يفعلون وماذا يعملون؟ هذه قضية يجب بحثها.

هناك البعض الذي يعيش في أوروبا ويتظاهر ويتحدث عن موضوع السلطة ويرتبط بالسلطة. كلهم يرتبطون بالسلطة وهم سلطويون أكثر من أناس السلطة، وأنا والحمد لله لست من هؤلاء الناس، أنا مستقل كشاعر منذ أن بدأت حتى الآن ولا أرتبط بأحد إلا بنفسي”.

ويضيف البياتي بأنه لم يدخل في أيّ حزب حتى هذه اللحظة، ولم يخرج من أي حزب ليدخل في أي حزب، ويؤكّد أنه “سيّد نفسه، وسيّد الريح والمطر”. ولما سألناه عن مدى الرضى والسعادة بعودته إلى العراق، قال:”عندما يعود الإنسان إلى وطنه فهو أشبه بالطائر الذي يعود إلى عشه، وأن هذا أمر طبيعي بغض النظر عن السعادة وما أشبه. ويقال إن النهر لا يعود إلى المنبع ولكن الشاعر يعود إلى المنبع دائما لكي ينطلق منه من جديد ولكي يولد، فالشاعر في سفر وحِلٍّ وترحال مستمرّ، ولكنه يعود إلى وطنه دائما وأبدا لكي يبدأ رحيله من جديد.

هكذا كانت حياتي، حينما تتأملها، منذ خمسين عاما وحتى الآن. إنك ترى أن هناك مراحل عدت فيها إلى الوطن ثم رحلت عنه، ثم عدت إليه ثانية وهكذا فإنني في حلّ وترحال مستمرّ”.


سقوط قشرة الواقع

قلنا للبياتي إنّ الجزائر تمرّ حاليا بفترة صعبة، وأنت قد زرتها مؤخرا فكيف ترى مشهد الجزائر أولا ثم مستقبل الجزائر ثانيا؟ فأجاب قائلا: “لقد زرت الجزائر منذ ثلاث سنوات أو أربع. إن إجابتي عن هذا السؤال ستكون عن واقع العالم العربي لأن الحال في الأقطار العربية لا تقل عن الجزائر، ولهذا فإننا كأمة عربية وكعرب يجب أن نبدأ بداية جديدة، وأن ننطلق ببداية جديدة لأن قشرة الواقع الحقيقية قد سقطت. إذا لم نولد من جديد فإن مصيرنا هو الفناء والاضمحلال. وكأمة لها تاريخ قديم وحضارة قديمة فالمسألة هي هذه، ثم أحبّ أن أقول إنه عندما أحبّ أن أكتب عن موضوع ما فأنا لا أنتظر ثناء ولا شكرا ولا زيارة؛ أنا أحمد الله”.

وقد دفعتنا إجابة البياتي إلى توضيح أننا لا نتحدث عن الزيارة كبذخ بل نتحدث عن الزيارة كمشاركة في فعل البناء الثقافي، فأجابنا بقوله: “معظم البلدان العربية التي نزورها الآن سواء كسياح أو كمثقفين نكون فيها متفرجين أكثر، ولا تتاح لنا فرصة الاطلاع على أوضاعها.

هذه قضية قائمة في واقع العالم العربي بعكس البلدان الأخرى التي تستطيع الاطلاع فيها على كل شيء”.

كل شاعر تصاحبه جوقة من المعجبين ومن القراء، يكون هناك في الوقت نفسه ذباب الموائد

وقد جرّنا حديثنا عن الجزائر إلى سؤال البياتي عن مدى اطلاعه أثناء زيارته لها على الشعر الجزائري سواء المكتوب من طرف جيل الأمير عبد القادر ثم جيل الثورة التحريرية، ثم جيل ما بعد الاستقلال، وكيف ينظر إلى هذا الشعر وإلى هذا الأدب، وماهي العلامات البارزة في الشعر والنثر الجزائريين، فكانت إجابته كالتالي: “هناك في جيل الشباب أي جيل ما بعد الثورة الجزائرية خاصة إطلالات جديدة اطلعت عليها في مجالات الشعر والرواية والقصة القصيرة وهي لا تقل عمقا وإبداعا عن الإنتاج الأدبي في العالم العربي الآن.

وإنه من الصعب الآن أن نرتجل الحديث ارتجالا في هذا الشأن لأنه ليس أمامي أسماء، لقد التقيت بالكثير من الشعراء وخاصة في عاصمة الجزائر. ففي وهران، على سبيل المثال، التقيت بقصاصين وأهدى لي بعض منهم قصصهم المنشورة في الصحف اليومية وأعجبت بها إعجابا شديدا. أرجو معذرتي لأنني لا أستطيع تذكر الأسماء الكثيرة ليس بالنسبة إلى الجزائر فقط بل بالنسبة إلى العالم العربي ككل”.

وفي خاتمة حوارنا مع الشاعر عبدالوهاب البياتي، سألناه أسئلة مختصرة حول رأيك في أسماء بعض الشعراء وفيما أنتجوه إلى حدّ الآن على غرار أدونيس وأحمد عبدالمعطي حجازي ومحمود درويش وخليل الحاوي. فقال: “لقد سبق لي أن بينت أرائي في هذه الأسماء وسواها.

وليس هناك أيّ فائدة للقراء من الحديث في هذا الموضوع″. ولما أعلمناه بأن ثمة مَن يقول إن الشاعر محمود درويش هو الشاعر الوحيد الذي يحفظ الآن ماء وجه القصيدة الحديثة في العالم العربي.

وهناك رأي آخر يقول إن أدونيس هو الشاعر الوحيد الذي أثر في الأجيال الجديدة بما فيها تأثيره في محمود درويش، أجابنا البياتي باختصار شديد قائلا: “أتمنى أن يكون ذلك، وليس لديّ مانع″.

15