عبدالوهاب العريض: الصحافة فتحت لي أبواب الإبداع

مثل حكاية الفتى الغريب في أسطورة “شجرة القمر” يبحث العريض عبر نصوص مجموعة “بأسنان صاغها الليل” عمّا يسرقه من الحياة ليزرعه في القصيدة، وينبت به عوالم تتضاعف كلما لامسها بشعره، أو أيقظها بتنهيداته. “العرب” التقت الشاعر وكان لنا معه هذا الحوار عن مجموعته الشعرية الجديدة وخصوصية عوالمها.
الخميس 2015/06/18
شاعر لا يعرف معنى للكسل ولا استكانة للهدوء، فما إن يكمل مشروعا حتى يبدأ آخر

من خلال ثلاثة عشر نصا شعريا يطلق الشاعر والإعلامي السعودي عبدالوهاب العريض مجموعته الشعرية الثانية “بأسنان صاغها الليل” للقارئ عبر دار مسعى البحرينية مستلهما عوالمه من الربيع العربي، ومن خيبات الإنسان، ومن جوع الفقراء وأحلامهم البسيطة. محاولا أن يخفف من وجع القصيدة بالالتفاف حول حمى الأصدقاء الوجوديين الحقيقيين الذين يدخلون الشاعر من غربة العالم إلى سكينة نفسه، فنجد أنفسنا مع عوالمه أمام نص تأملي حزين موجوع من الذاكرة ومن الواقع معا.

كتابة الحدث

عن هذه المنطقة الشعرية من تجربته يحدّث العريض “العرب” قائلا “ربما تأخرت هذه المجموعة كثيرا، فهي شبه جاهزة منذ ثلاث سنوات. وكلما تأخرت قمت بالتخلص من قصائد أشعر بأنها مستهلكة. وهذا بسبب فوبيا النشر التي أعاني منها كما فعلت مع الديوان الأول الذي صدر بعد تردد طويل استمرّ ما يزيد عن 8 سنوات”.

ويضيف العريض متحدثا عن مجموعته “بأسنان صاغها الليل”: لست انفعاليا في الكتابة، فلا أكتب نصا بعد مشاهدة خبر على شاشة التلفاز، أو بعد لقاء جميل في مقهى، ولست من النوع الذي يكتب بعد الحدث بشكل مباشر، جميع الأحداث تجتمع بداخلي لتخرج دفعة واحدة في نص ربما بعد سنوات من حدوثه. فتجدني قد أكتب عن وجع عشته في العراق عام 2003 بعد عشر سنوات. ذاكرتي تحتفظ بكل اللحظات الجميلة التي تخرج لحظة الكتابة.

الشاعر العريض إعلامي وكاتب وشاعر وحقوقي لا يعرف معنى للكسل ولا استكانة للهدوء، فما إن يكمل مشروعا حتى تجده يشعل فتيل نار مشروع آخر. عمل منذ 1990 في الصحافة السعودية والعربية، وشارك في الكثير من المؤتمرات والمهرجانات العربية والدولية، يعمل حاليا مديرا لتحرير الشؤون الثقافية والرأي في صحيفة الشــرق السعودية.

وهو عضو في العديد من الجمعيات والمؤسسات، منها أدبي الشرقية، وأسرة الأدباء والكتاب البحرينية (سابقا)، ومنظمة الخليج لحرية الصحافة، وهيئة الصحفيين السعوديين، كما كان مديرا لتحرير الشؤون الثقافية بجريدة “الدولية” عام 2008 التي لم تر النور. يحدثنا العريض عن تجربته الصحفية والحقوقية الممتدة لأكثر من عقدين قائلا “بدأت الصحافة مع اجتياح الكويت عام 1990، وكنت حينها مراسلا ميدانيا في الحرب الأميركية على العراق، وشهدت بعدها سقوط صدام حسين لتكون لي زيارة ميدانية للعراق عام 2003. أنتجت الكثير من المواد المهنية التي أستطيع القول بأنها صقلت التجربة الميدانية لصحفي باحث عن الحقيقة من الميدان وليس العمل المكتبي”. ويضيف العريّض “فيما يخص العمل الحقوقي، فهذا اهتمام كل مثقف يحمل رسالة، لذا كنت أسعى إلى تطوير أدواتي ومفاهيمي الحقوقية والتمكن منها، لتنعكس على العمل الصحفي”.

الإبداع والصحافة

بعد مجموعة العريض الأولى “محبرة تنتحب” الصادرة عن دار فراديس عام 2008 انشغل بترتيب بيته الإعلامي الجديد في صحيفة الشرق السعودية التي انطلقت في 2011، والتي اختطفت منه شاعره لسنوات منشغلا بالتحرير وبالكتابة، راصدا ومحللا بجدارة للقضايا الثقافية والفكرية في السعودية وقضايا العالم العربي الساخنة. الأمر الذي أبعده عن الشعر واشتغالاته المحتاجة للكثير من العزلة.

الأيديولوجيات والأفكار القومية والعروبية انقضت، وأصبحت متحللة داخل الفرد، فلكل إنسان قناعاته
رغم ذلك، إلا أن العريض لم يهمل نصه ولا قصيدته كثيرا فقد كان ينشر نصوصا فوتوغرافية لسنوات في صحيفة اليوم، تحت عنوان “حزن يترجل”. العريض يقيم دائما حدا فاصلا بين الكتابة الإبداعية والعمل الصحفي. يقول: أحاول الفصل دائما بين الإبداع والعمل المهني اليومي، محاولا عدم تأثر النص بالكتابة الصحفية. الصحافة منحتني الكثير من الكتابة الإبداعية، وذلك من خلال مجموعة تم إنجازها بين التجربة الضوئية والنص، وكانت مجموعة شبه متكاملة تحت اسم “حزن يترجل”، وهي نصوص ترافق الصورة التي كنت التقطها أثناء سفري، فقد اهتممت كثيرا بتفاصيل الحزن لدى كبار السن، محاولا إيجاد الخيط الذي يأتي من خلال “التجاعيد”، وقد شملت تلك المجموعة كافة أرجاء الوطن العربي.

وفي سؤال للعريض بحكم طبيعة عمله مديرا لتحرير الرأي في صحيفة الشرق السعودية، كيف يرسم سقوف الحرية للكتّاب رافضا أو مجيزا لمقالاتهم؟ ألا يضعه ذلك في مأزق؟ وكيف ينعكس ذلك عليه كمبدع يبحث عن فضاءات حرة للنص والكتابة.

يجيب العريض “الكتابة الإبداعية تختلف كثيرا عن مقالة الرأي، حيث أن الرقابة على صفحة المقالات تحتاج إلى قراءة يومية لمستجدات الأمور في المنطقة وكذلك معرفة الواقع والخطاب المستخدم. سبق وأن تحدثت في ندوات محلية عن أن حرية التعبير في المملكة فاقت الكثير من الدول العربية والخليجية، وكنت أؤكد على أن القارئ يجد في الصحافة السعودية المقال الذي يستطيع من خلاله قراءة الواقع المحلي والعربي، وكذلك المقالات الفكرية، ونقد المؤسسات الحكومية المقصرة، ولكن يجب أن يكون الكاتب متمكنا من أدواته في النقد وفي إيجاد الحلول”.

ويتابع العريض في ذات الشأن “سقف حرية التعبير في السعودية تجاوز الكثير من الدول العربية التي لا تستطيع فيها أن تنتقد فيها حتى ما يبث في التلفزيون الرسمي”.

يرى العريض أن الأيديولوجيات والأفكار القومية والعروبية انقضت، وأصبحت متحللة داخل الفرد، فلكل إنسان قناعاته، ولكن يجب -حسب العريض- ألا يؤدلجها على الآخرين، ويسقط عليهم أحكامه الجاهزة دون أن يستطيع قراءتهم. يقول العريض: “هناك فجوة بين الأشخاص الذين يعيشون في ظلال الأيديولوجيا السياسية وكتاب تجاوزوا تلك المرحلة. كما أنهم لا يستطيعون رؤية المشهد بشكل حقيقي حتى لو ادّعوا بأنهم تغيروا”.

ويتابع: يكفيك أن تستمع لغة الخطاب الذي يتحدثون بها، ولو قمنا بالتدقيق أكثر في تغريداتهم “الإنترنتية” التي تأتي ساعات الفجر فسنجد خطابهم الخشبي لم يتغير.

العريض ليس من النوع الذي يكتب بعد الحدث بشكل مباشر، فجميع الأحداث تجتمع بداخله لتخرج دفعة واحدة في نصه

توقفنا مع العريض حول دور هيئة الصحفيين السعوديين في القضايا السعودية التي تستلزم أخذ موقف ورأي عام قد يختلف مع المزاج الرسمي العام. وسألناه إن كانت الهيئة تعتبر مظلة حقيقية بإمكانها حماية الصحفي السعودي. فأجاب “أعترف بأني عضو في هيئة الصحفيين السعوديين ولكن السؤال الأساسي: هل هناك هيئة غير المبنى والأعضاء الذين لم يتغيروا منذ التأسيس؟ للأسف، الهيئة لا تقف مع أي صحفي يقع في مشكلة مع مؤسسته التي يعمل بها. ولا زالت هيئتنا على شكل هيئة -صورة للخارج- كي نشارك في المؤتمرات وننظر للمؤسسات الصحفية في الصحف المحلية والعربية. لقد أصبحت هيئة لتقديم التعازي والتشريفات والاستقبالات الرسمية”.

نص لعبدالوهاب العريض:

حزن يترجل هندسة الشعراء

وبقايا تجاعيد عبرت من هنا

لا الوقت يعرفنا.. ولا القادم من بعيد يستطيع لمس تلك العجلة

ربما قصيدة يعيد كتابتها شاعر أعاقه الزمن عن الهرب

ولم تطله مقابر جماعية

وأندثر بين أحضان نهر يغتسل بالطهر كل صباح..

هكذا عادوا يرتبون القصيدة من جديد، وكأن بغداد هي كل العراق

عادوا يصيغون بعضا من حروفهم خلف شعارات تترجل مصفحات عابرة

والتجاعيد حفرت في الشعر العراقي كتابا جديدا..

حروف تصنع بقايا الوقت وتغتسل في النهر كل صباح..

15