عبدالوهاب المؤدب من مجالس الزيتونة إلى أعرق جامعات أوروبا

السبت 2014/11/15
مسلم صوفي ومفكر وباحث قالها صراحة "أوهام الإسلام السياسي"

قال سبينوزا: “مأساة البشرية هي الكتب التي لن تتحقق”، ربما هذه العبارة تختصر مشهد رحيل العقل التونسي عبدالوهاب المؤدب، الذي غيبه الموت في السادس من الشهر الجاري من العام الحالي، بعد صراع مع مرض عضال.

غاب وفي ذهنه عشرات المشاريع والرغبات والقصص التي يريد أن يخبرها للعالم. في عقله تمور ملايين الأفكار على نار الأحداث التي تمر بالعالم الإسلامي الذي كان مركز اهتمامه من جميع النواحي الأدبية والتاريخية والواقعية، كان مفكرا صوفيا وأديبا ومعد برامج إذاعي ومحرر مجلات ومتخصصا بجوانب من الفن والأدب المقارن ومدرساً جامعياً وباحثاً في أسباب الجهل والانحطاط، كل هذا في شخص واحد وفي عقل واحد فمن الطبيعي أن يزدحم بملايين الأفكار والآمال والأحلام بعد ثورة أدخلت بلاده، تونس، في التاريخ حسب تعبيره أي أنها بدأت خطواتها الأولى في الحركة والتضاد والصراع الداخلي وهذا يؤدي إلى حل وأمل في المستقبل القريب كما تنبأ.


حلم المؤدب


“رواية شاسعة جدا أذهب فيها من إسطنبول إلى حلب إلى دمشق إلى القاهرة إلى الإسكندرية إلى تونس إلى طرابلس إلى فاس إلى مراكش إلى مكناس تحت حدث الثورات العربية” هذا حلمه الذي أخبره للإعلامية المغربية عزيزة نايت سي في لقائه معها على قناة “فرانس 24”، ولم تعطه الحياة مزيداً من الوقت فخطفه الموت بعمر 68 عاماً بعد صراع مع مرضه، مرضه العضال يشبه بشكله السببي أمراض المجتمعات العربية والإسلامية. ربما لم تتسن لنا الفرصة لنعرف سبب مرض المؤدب، لكنه حاول تشخص أسباب أمراض المجتمع المسلم فكان أولها الخاتمية أي خاتمية الرسالة وهذا ما سبب الانغلاق على الذات والانقطاع عن العالم. انقطاعاً ولّد تدهوراً في الصحة العامة للفكر والثقافة والعلم وأباح الدين سلاحاً بيد المتطرفين الذين عاثوا في الأرض فساداً تحت راية الإسلام. فساد زاد من صعوبة التعريف بهذا الدين المُرحّب بكل الأديان، حسب رأي المؤدب الذي يتأدب بعرضه لهذه الصعوبات لحدود الخجل الصوفي الذي يتبناه مذهبا أخلاقيا وتسامحياً. فهو كابن عربي يقبل حتى الوثنية فتلك العبادة طاقة تزهر الكون وتزينه بالخير والمحبة. ابن عربي ذو الملامح الشعرية والأدبية والفكرية والفلسفية والفهم والتفسير للقرآن، يشبه بطريقة ما “دانتي” كما يرى المؤدب. هذا الشبه أو ذاك التقارب هو ما دفع المؤدب ليكون رسول الصوفية الجوانية والميراث القرآني والإسلامي السمح. رسولا ينقل هذا الميراث من حدود جامع الزيتونة حيث كبر وتعلم التلاوة إلى رحاب الجامعات الدولية في باريس وسويسرا وألمانيا. ينقله من حالة الغيب إلى حيز الحضور. حضوراً أدبياً شعرياً مقارناً. يميز الخير عن الشر والخطأ من الصواب ويميز الحب عن الكراهية ويروّج للعشق في الله على طريقة الحلاج والرومي وغيرهم.

لا ينفي المؤدب دور المستعمر ولكنه يصر على أن المشكلة لا تكمن هنا بل في مكان آخر فمصابنا ولد معنا وكبر فينا ولا علاقة للآخر به والحل أيضا يولد معنا ويكبر فينا ولا علاقة للآخر به

لم تكن البداية في التدريس الجامعي للأدب المقارن، فسبق التدريس عمل في مجالات مختلفة كان أولها في مجال النشر كمستشار ببعض الدور في باريس، ومن ثمة في إصدار المجلات الموسوعية الكتابية وطبعا جميعها بالفرنسية، وفي عام 1976 أصبح المؤدب من أبرز منتجي الإذاعة، حيث كان يقدم أسبوعياً برنامج “ثقافات الإسلام” على إذاعة “فرانس كولتور” فرنسا الثقافة، هذه الإذاعة التي حاول من خلالها نقل رسالته كوسيلة وأداة كغيرها من الأدوات في الأدب والفن والصحافة والبحث والتدريس، وقدم أيضا برنامجاً آخر على أثير “راديو ميدي1” وهي إذاعة مغربية موجهة لشعوب المغرب العربي. وكان المؤدب يدير أيضا مجلة “ديدال” الدولية.

هذا الرجل الموسوعي بالعمل والخبرات هو ابن عائلة تونسية عريقة ومتدينة، ولد في تونس عام 1946، لأب كان مدرسا لأصول الفقه وجدّ كان مسؤول كرسي القراءات في جامع الزيتونة وهنا كبر المؤدب، فتعلم القراءة والكتابة في عمر الأربع سنوات ومن ثم دخل المدرسة في عمر السادسة ولم ينقطع عن مجالس التجويد ومجالس الحديث وإحياء علوم الدين، وكغيره من أبناء عصره لجأ إلى الدراسة في فرنسا بعد الثانوية ووصلها عاشقا لآدابها وهناك بدأ مشواره، ودرس هناك الآداب في جامعة السوربون بباريس ثم درّس الأدب الفرانكوفوني في جامعة يال الأميركية ودرّس الصوفية في جامعة جنيف السويسرية ثم الأدب المقارن في جامعة باريس العاشرة “نانتير”.

تلك الدراسة والدراسات لم تمنعه من ممارسة حلمه بالكتابة الأدبية فبدأ منذ العام 1970 بكتابة الرواية والشعر، فصدرت له رواياته “فانتازيا” عام 1986، و”الغزالة والطفل” عام 1992، و”محطات يال التسعة والتسعون” عام 1995، وكانت له محاولاته النقدية ومنها “المنفى الغربي” صدرت عام 2005، و”الإسلام نصيب الكوني” صدرت عام 2006، و”الخروج من اللعنة”، و”الإسلام بين الحضارة والهمجية” صدرت عام 2007، كما كتب المؤدب في التاريخ المعاصر بالاشتراك مع مؤرخين فرنسيين بارزين مثل بنيامين ستورا وكوليت فلوس، ويبقى كتابه “أوهام الإسلام السياسي” أكثرا انتشاراً وترجمة والذي صدر عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001.

يعيد المؤدب انطلاق الأعمال المتطرفة الإسلامية التي تمثلت ذروتها في ضربات أيلول، إلى صعود الخميني في إيران في العام 1979 واجتياح السوفيت لأفغانستان كحدثين لهما نتائج عززت الأصولية الإسلامية وغذتها وساعدتها على نشر عقيدتها


أوهام الإسلام السياسي


كتاب أحال إليه كل الأسئلة عن فشل الجماعات الاسلامية في العالم العربي بعد الثورات أو نجاحها، وفيه وصف المؤدب حال العالم العربي بأنه الأسوأ في تاريخه رغم عدد سكانه، واتساع أرضه، وتعدد دوله وتنوعها، واقتسامه لغة مشتركة تختزن ما لا يحصى من الكنوز، وأخيرا رغم تاريخه المجيد. وتابع المؤدب بسرد الخيرات والهبات الطبيعية التي سقطت على هذا العالم أو نبعت فيه، ولا ينسى المرور على الطغيان الذي يسود عواصم هذه البلاد، ولكن رغم جميع ما سبق فإن واقع التنمية في تلك البلاد وما فيها ومن فيها لا يتجاوز ما تحققه أسبانيا بحسب التقارير والتحقيقات الاقتصادية المنشورة.

ليست المشكلة في حالة الانحطاط والتخلف بل بإرجاع أهلها أي المسلمين سبب مصابهم إلى المستعمر الذي احتلهم وجهّلهم، ولا ينفي المؤدب دور المستعمر ولكنه يصر على أن المشكلة لا تكمن هنا بل في مكان آخر فمصابنا ولد معنا وكبر فينا ولا علاقة للآخر به والحل أيضا يولد معنا ويكبر فينا ولا علاقة للأخر به. هذه العبارة التي تختصر ربما التوصيف العام لهذا العالم برأيه، طبعاً، قبل الثورات العربية التي يراها عبارة عن عتلة إن صح التعبير نقلت تلك البلاد من حالة الخمول التاريخي لتضعها في التاريخ أي ضمن حركة التاريخ بشكل مباشر وهذا الوضع لا يعطي النتائج بين ليلة وضحاها بل يحتاج إلى أكثر من مئة عام كغيرها من الثورات التي عصفت بالتخلف والجهل والطغيان كحال الثورة الفرنسية على سبيل المثال.

كان المؤدب مثال الموسوعي بالعمل والخبرات فقد ولد لأب كان مدرسا لأصول الفقه وجدّ كان مسؤول كرسي القراءات في جامع الزيتونة، فتعلم القراءة والكتابة في عمر الأربع سنوات ولم ينقطع عن مجالس التجويد ومجالس الحديث وإحياء علوم الدين

ويعيد المؤدب انطلاق الأعمال المتطرفة الإسلامية التي تمثلت ذروتها في ضربات أيلول، يعيدها إلى صعود الخميني في إيران عام 1979 واجتياح السوفيت لأفغانستان كحدثين لهما نتائج عززت الأصولية الإسلامية وغذتها وساعدتها على نشر عقيدتها. عقيدة تحتاج لفهمها إلى الغوص في الماضي الإسلامي لفهم البيئة التي هيأت لهذه العقيدة وأسست لها ويسرت وصولها وأعطتها مرجعيتها الدينية والفقهية، ويقارن هذا التطرف بالتطرف المسيحي الذي ضرب فرنسا في عصور الظلمات وكيف نشأ هذا التطرف وظروفه، يأخذنا المؤدب إلى مقارنة مشوقة وغنية تفيد بأن الدين ليس إلا سبيلا للعيش والفهم وعندما ينقضي عليه العصر يصبح خبرة يستعان بها للحياة ولكنه لا يعود سبيلا للحكم لأن الحكم له جوانبه المادية العملياتية وهي خلاصة الخبرات البشرية جميعاً وهنا يسقط شعار الإسلام هو الحل إلى الأبد فالإسلام بكل ما فيه من خبرة ومعرفة وتراكم في الإدارة بات من عصر سابق ويحتاج اليوم أن يتثقف بالعالم ويعود إليه كما في الماضي لا أن ينغلق على ذاته وهنا المقصود أهل الإسلام لا الدين بالمعنى الحرفي.

بالطبع لم يتوقف المؤدب عند كتابه السالف الذكر، فقد أصدر العديد من الدراسات، كما كانت له مساهمات في مجال الترجمة. وشغل منصب مدير النشر في دار “سندباد” بين 1974 و1987، فساعد بالتعريف بالأدب الصوفي، وبالأدب العربي المعاصر كأعمال الطيب صالح، ونجيب محفوظ، وصنع الله إبراهيم.

وترك المؤدب حوالي 30 كتابا وصنع شهرته في فرنسا بـ”انتمائه المزدوج” للإسلام ولأوروبا في آن واحد حسب العبارة التي تبناها بنفسه. فقال المؤدب في حواراته بأنه ازدواجي النسب فهو في نفس الوقت شرقي وغربي، مسلم وأوروبي، فرنسي وعربي.

المؤدب الذي فرح بعودته الروحية إلى بلاده بعد سقوط النظام السابق ودخول تونس عالم الديمقراطية أو خطوها الأول باتجاهها لكنه لم يفرح بالمشاركة في الانتخابات كما رغب. سقطت القباحة عن تلك البلاد يا أيها المؤدب ولكن الموت لم يعطك فرصة الفرح.

13