عبدالوهاب الملوح: من معطف السياب خرج كل الشعراء العرب المحدثين

في المجال الشعري في تونس هناك تجارب خارجة عن النمطية، لا تقدم الجاهز، وتغامر بحثا عن أفق كتابة جديدة.
الأربعاء 2018/04/04
لا يوجد مشهد ثقافي في تونس بل هناك سوق ودلالة

مدينة قفصة الواقعة في الجنوب الغربي لتونس، معين لا ينضب، فقد أنجبت على مدى تاريخها العريق أدباء وشعراء كثيرين مثلوا تجارب فارقة في تاريخ الأدب التونسي. لكن حال المدينة تغيّر كلّيا في السنوات الأخيرة. “العرب” تلتقي الشاعر والكاتب عبدالوهاب الملوح الذي يأبى مفارقة المدينة رغم تقلباتها، في حوار حول تجربته في المكان وقضايا الأدب التونسي الراهنة.

عليّ أن أشير إلى أن كتابات الملوح سواء في مجال الشعر أو النثر، لفتت انتباهي وانتباه القراء منذ التسعينات من القرن الماضي. لذا كنت ولا أزال حريصا على متابعته من خلال الصحف والمجلات التونسية والعربية. وما هو ملفت للانتباه عند هذا الشاعر المتوحّد بنفسه، الغارق في أحلامه وتأملاته، هو استناده إلى مراجع هامة وأساسية. فإلى جانب كبار الشعراء من العرب، سواء من القدماء أو المحدثين، فإنه يستحضر أهم شعراء الحداثة الأوروبية من القرن التاسع عشر وحتى هذه الساعة، كما أنه يقبل على قراءة الروايات العربية والأجنبية.

ومن شدة تعلّقه بمسقط رأسه قفصة، لا يحبّ الملوح مغادرتها حتى في أحلك ظروفها. فخلال السنوات السبع الأخيرة، شهدت هذه المدينة والمدن والقرى القريبة منها انتفاضات وتظاهرات احتجاجية خصوصا في منطقة “الحوض المنجمي”، إلاّ أنه ظل مصرّا على البقاء فيها. وعكس جل الشعراء التونسيين الآخرين، ينفر الملوح من حضور التظاهرات والمهرجانات الشعرية التي يكثر فيها الزعيق والنعيق، ويقلّ فيها الشعر أو هو ينعدم أصلا.

معطف السياب

الملوح يغامر بحثا عن أفق كتابة جديدة ومختلفة
الملوح يغامر بحثا عن أفق كتابة جديدة ومختلفة

في بداية حوارنا معه، يشير الملوح إلى التأثيرات الشعرية والأدبية التي كانت فاعلة فيه في بداية مسيرته. ففي مجال الشعر، قرأ بعمق أعمال الشعراء الأقدمين منجذبا بالخصوص إلى أبي نواس، وبشار بن برد، والمتنبي، والمعري، والشعراء الصعاليك، وأبي العتاهية… أما في مجال الشعر الحديث فقد فتن بتجربة بدر شاكر السياب الذي “من معطفه خرج كل الشعراء العرب المحدثين” بحسب تعبيره. كما اهتم بتجارب شعرية أخرى متمثلة بالخصوص في تجربة المصري محمد عفيفي مطر، واللبناني أنسي الحاج، والعراقي سعدي يوسف، والفلسطيني محمود درويش وغيرهم.

ويضيف الملوح قائلا إن ما لفت انتباهه في تونس في المجال الشعري هو التجارب غير النمطية، تلك التي لا تقدم الجاهز، وتغامر بحثا عن أفق كتابة جديدة ومختلفة، مثل تجربة الشاعر الكلاسيكي أحمد اللغماني، وتجربة البعض من شعراء الطليعة الذين برزوا في الستينات من القرن الماضي. كما اهتم بتجارب صالح القرمادي في مجال التقريب بين الفصحى والعامية، وأيضا بشعراء أمثال فضيلة الشابي والمنصف الوهايبي ورضا الجلالي وأولاد أحمد وآخرين…

ويشير الشاعر إلى أنه متعدد القراءات. فهو يقبل على قراءة الكتب الفلسفية، والكتب التاريخية، وأدب الرحلات، وجميع هذه الكتب تغذيه فكريا وروحيا.

وفي فترة الشباب قرأ بنهم أعمال طه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، والطيب صالح، وغائب طعمة فرمان، وآخرين. كما قرأ أعمال محمود المسعدي، والبشير خريف، وجماعة تحت السور خصوصا علي الدوعاجي. وهو يتابع باهتمام الإنتاج الروائي والقصصي في تونس، مؤكدا أن هناك تجارب مهمة في المجالين المذكورين. أما في مجال الرواية العالمية فقد قرأ بإعجاب أعمل ماركيز، وساراماغو، وبتريك زوسكيند، وألبير كامو، وفيرجينيا وولف.

ثقافة التسيب

عن اقتحامه للرواية في “كبابليل الآخرة”، يقول الملوح إن ذلك يعود إلى أمرين أساسيين يتعلقان بمفهومه للكتابة الإبداعية. الأمر الأول وهو عدم اقتناعه الكلي بنظرية الأجناس الأدبية. وهذا التفريق الصارم بين أنواع الكتابة (شعر، قصة، رواية.. إلخ) إذ أنه يفهم الكتابة على أنها هذا التجلي الفالت في طريقة معالجة قضايا الحياة بواسطة الكلمة المبدعة والأسلوب الفني الراقي. ويمكن أن تكون هذه المعالجة بشكل استعاري، إيحائي، مجازي، كما هو في الشعر الخالص أو عن طريق السرد والحكي والقصص.

ويرى ضيفنا أن أرقى أنواع المعالجات هي التي تتشكل من الاثنين، ولذلك قد نرى كتابات شعرية يطغى عليها الجانب السردي. ومن ذلك أوديسة هوميروس أو بعض معلقات العرب. وفي الشعر العربي الحديث ما تتميز به أشعار السياب وخليل حاوي والبياتي وسعدي يوسف ومحمود درويش. كما يمكن أن تعثر على كتابات روائية يطغى عليها الجانب الشعري كما هو الحال مع بروست وفرجينيا وولف ومارغريت دوراس وهرمان هسه. وعند العرب الكوني والطيب صالح وإدوار خراط. أما الأمر الثاني فهو أن الكتابة عند الملوح هي في الأصل تجريب فني. ويقتضي مبدأ التجريب محاولة الاشتغال بكل الأدوات الفنية لإنتاج عمل أدبي مختلف عن المألوف.

وبخصوص الثيمات التي تطرق إليها في “كبابيل الآخرة”، فإنها مركزة بالأساس على الوضع المتأزم الذي تمر به تونس منذ 14 يناير 2011 إلى الآن والموسوم بالانتهازية الثورية والعلاقة بين الإرهاب والتهريب والدين السياسي.

يظهر الملوح تشاؤما كبيرا إزاء الوضع الثقافي التونسي راهنا. فهناك، بحسب رأيه، تدمير ممنهج للثقافة التونسية وللمشروع الثقافي الذي شرع في وضع أسسه محمود المسعدي والشاذلي القليبي من بعده طبعا بمعية قلة من المثقفين الكبار بمختلف اختصاصاتهم. وهناك تشويه وفسخ للهوية الثقافية التونسية باسم حرية التعبير والتشاركية الثقافية. فقد عمل وزراء حكومات “الترويكا” على ذلك، وأفصح دليل هو ما حدث للمعالم الأثرية التي تم نهبها والتفويت في بعضها، إضافة إلى أن الإعلام يخدم مصالح ذاتية لبعض المحسوبين على الثقافة، علاوة على التسيّب الكلي في نشر الأعمال الثقافية وتوزيعها. لذا يعتقد الملوح أنه لا يوجد مشهد ثقافي بل “هناك سوق ودلاّلة”، على حد وصف المثل الشعبي التونسي الشائع. وهذا يحدث في جميع الميادين، في المسرح، في الأدب، في الموسيقى وفي السينما. كما يتم نهب الأموال العمومية باسم الثقافة وهي من ذلك براء.

مقالات تبحث في خصائص قصيدة النثر العربية
مقالات تبحث في خصائص قصيدة النثر العربية

وفي ختام حوارنا معه يشير عبدالوهاب الملوح إلى أن قفصة أنجبت العديد من المبدعين الذين لعبوا ولا يزالون يلعبون أدوارا مهمة في مختلف المجالات الثقافية. كما مرت بها شخصيات سياسية وإبداعية كبيرة مثل الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين وكاتب ياسين، وفيها ظهرت تجارب فنية ومسرحية مثل تجربة “المسرح الجديد”. ومنها أيضا جاء أب السينما التونسية عمار الخليفي والفنان التشكيلي إبراهيم الضحاك وحميدة وحّادة.

وقد زارها مظفر النواب ومحمود درويش. لذا يمكن القول إن هذه المدينة كانت محطة ثقافية ملهمة للكثير من الفنانين. أما الآن وكما هو الحال في جميع المدن التونسية، فقد العمل الثقافي دوره الإبداعي الريادي لحساب مجموعات لا علاقة لها بالإبداع أو الفن أصلا. لذلك فإنه يعتقد أن أغلب الفعاليات الثقافية بمسقط رأسه هي عبارة على ولائم ولمّات إخوانية لا توجد فيها أي إضافة للثقافة أو للإبداع.

ونذكر أن عبدالوهاب الملوح أصدر العديد من المجموعات الشعرية منها “رقاع العزلة الأخيرة”، و”الواقف وحده”، و”أنا هكذا دائما”، و”سعادة مشبوهة”، و”راقصة الباليه”… وقبل سنتين صدرت مختارات من قصائده مترجمة إلى اللغة الفرنسية.

وفي مجال البحث الأدبي أصدر في العام 2015 كتابا بعنوان “فخاخ الدهشة”، وهو يتضمن دراسات ومقالات تبحث في خصائص قصيدة النثر العربية. وفي مجال الترجمة أصدر “رسائل إلى الحبيبة” لفرناندو بيسوا. وله تحت الطبع في مجال الترجمة “يوميات حدادّ” لرولان بارت، و”الإنسان بهجة” لكريستال بوبالز، كما كتب الملوح مسرحيات لاقت نجاحا لدى الجمهور.

15