عبده وازن كاتب يعيش في حديقة الحواس قرب ظل الشجرة

السبت 2015/01/24
عبده وازن شاعر الطمأنينة التي تصنع كونا

لو لم يكتب عبده وازن سوى "حديقة الحواس" كتابه الذي صدر في العام 1993 وصادره الأمن اللبناني، لكان ذلك كفيلا بأن يضعه بين القلة الخالدة من الكتاب الذين أحدثوا انقلابا حقيقيا في الكتابة العربية.

كان ذلك الكتاب محاولة في الوصف، ولكنه الوصف الذي يراقب تقنياته الرفيعة في التقاط الجمال الهارب من حضوره الجاهز. سيكون على وازن يومها أن يرعى كائنات هاربة من مصائرها إلى اللغة.


بشارة الخروج من الحرب


كم كان العالم يومها متاحا من خلال اللغة أو إلى جوارها، هل كان وازن في كتابه “حديقة الحواس” يجرب نوعا من التناص الشعري مع العالم الذي يسعى إلى التعرف عليه وإعادة صياغته من جديد؟ أعتقد أن ذلك الكتاب كان يمثل بشارة الخروج من الحرب ونبوءة الدخول إلى حرب أخرى في الوقت نفسه.

كانت بلاغة الحرب قد تمكنت من اللغة، وكان وازن يقف وحيدا في مواجهة عري اللغة الذي سيتركه غريبا يراقب مثل بطل كافكوي باباً قد لا يؤدي إلى شيء بعينه. إنه الباب الذي هو واحد من “أبواب النوم” الذي صار يطرقه في العام 1996 في كتاب شعري لن يخفي عزوفه عما يمكن أن تقوله البداهة الشعرية، “كنت هناك كما لو أنني آخر” لم يقلها وازن غير أن شعره ينطوي عليها.


رسالته إلى أب غادر مبكرا


في كتابه “غرفة الأب” الذي صدر قبل سنتين كان عبده وازن المولود في بيروت في العام 1957 حريصا على أن يشعرنا أنه قد وجد في عودته إلى غرفة أبيه مناسبة للإفصاح عن تفاصيل سيرة شخصية، يبقى الأب رمزا لها. “كأن البيت لا يكتمل من دون غرفة تسمى غرفة الأب” الحياة نفسها لن تكتمل من غير أب. لقد كتب وازن رسالة إلى أب يحبه. أب لا يُلام ولا يستحق أن يُقتل حتى على مستوى المجاز الفني.

ولأن وازن لا يحب أدب الرسائل فقد كان يفلت بين حين وآخر من المصيدة التي نصبها لنفسه ليكف عن توجيه الكلام المباشر لأبيه فيسرد وقائع عائلية، الكثير منها جرى في غياب ذلك الأب الذي غادر مبكرا بالمرض القلبي نفسه الذي استطاع الكاتب أن ينجو منه، لأنه لم يتأخر عن الفحص والتشخيص والعلاج، وهي التجربة الإنسانية التي دونها في كتابه “قلب مفتوح”. من أجل ذلك الأب كتب سيرته ومن أجله تذكر حياته ومن أجله صار يحثنا على النظر إلى مستقبله، إنسانا وكاتبا.

سيكون ذلك الكتاب تعليميا لو نظرنا إلى مفردات الوفاء التي تتخلله باعتبارها هدفا للكتابة، وقد تكون كذلك. كان السؤال الوجودي بالنسبة للأب وللإبن معا هو تتأخر أو لا تتأخر، وليس على طريقة شكسبير تكون أو لا تكون. مرض القلب والطيبة هما وصيتا الأب الذي لا تزال صوره بالأسود والأبيض قادرة بكثافة ما تنطوي عليه من رؤى أن تصنع زمنه.

كما يبدو، فإن وازن وبعد أن أصبح أكبر من أبيه عمرا، صار يجد في نفسه الجرأة على أن يعترف بأسراره الشخصية لأبيه بما لم يكن يجرؤ على القيام به من قبل.

في ما عدا مشهد جنازة الأب التي شارك فيها الابن فإن وقائع كثيرة عاشها الأب استطاع وازن أن يلتقط تدفقها الحيوي من خلال تلصصه على صور الأب في شبابه التي كانت مخبأة في الخزانة. سيمد الابن يده إلى تلك الخزانة كلما احتاج إلى حضور الأب بطلا وحيدا، يفر من خلاله من الأفكار التائهة التي عمد إلى الاسترسال في الخوض بين أسئلتها الحائرة.

بلاغة الحرب كانت قد تمكنت من اللغة، وكان وازن يقف وحيدا في مواجهة عري اللغة الذي سيتركه غريبا يراقب مثل بطل كافكوي باباً قد لا يؤدي إلى شيء بعينه

وكلما غاب الأب عن المشهد، تكون الحاجة إليه أكثر إلحاحا. أمن أجل مزيد من الغواية كان وازن يمارس لعبة إخفاء أبيه عن المشهد؟ كان ممتعا أن يتنقل الكاتب بحرية بين كل الأفكار التي تخترق سكون عزلته، مهملا وبطريقة مدروسة النظر إلى المرآة التي تظهر فيها صورة أبيه. “كل هذا يتعلق به” لم يقلها وازن، غير أن القارئ الذي يشعر بالشوق للقاء الأب ثانية لا بد أن يغفر لوازن رغبته في أن لا يحدق دائما في تلك المرآة.

في سيرته التي كتبها بجرأة لم تكن تلك الأم ظلا لرجل غادر قبل موعده. كانت شخصية الأم بمثابة الأنوثة الكاملة التي عبأت وازن بكل عطرها المسترخي في التاريخ ذهابا إلى الجنة. كما لو أن الكاتب اتخذ من مناسبة كتابة رسالته إلى الأب ذريعة ليذهب إلى أمه. يقف في حضرتها ويناجي ذكرياتها التي خاض فيها بإسهاب. وهي طريقته في المراجعة النقدية لظواهر أدبية، كان يجد فيها مناسبة لتكريس معان تقع خارجها، كما فعل في كتابه “ديوان الحلاج” حيث كانت أشعار الحلاج بمثابة فرصة للتعفف على التصوف المسيحي الذي كان الشاعر القتيل مطلعا عليه. في كتابيه عن محمود درويش وأمين معلوف مزج وازن بين حسه الصحفي وحصافته النقدية، وهو ما أهله لإنتاج كتابين في فن الحوار الصحفي.

ففيهما لم يكن وازن محاورا صحفيا بارعا فحسب بل كان أيضا ناقد أدب ضليعا في الكشف عما لم يقله الشاعر والروائي في كتبهما.

درب وازن نفسه على التروي في التقاط المنسيات. صارت أصابعه تقع بيسر على الثغرات. أكان ذلك بسبب دربة صحفية اكتسبها من كدح يومي في جريدة النهار ثم في الحياة؟ كانت حيله في الشعر كثيرة، غير أن حيله في مراقبة الواقع صحفيا لم تكن أقل. ربما لا يفصل وازن بما يتسم به من صدق بين الحالين.


رجل الموقف العادل في مهنيته


مثلما لعبده وازن طريقته الخاصة في الكتابة فإن له طريقته المتشددة في العيش. إنه رجل بيت لا يغادره إلا من أجل العمل. حياته الحقيقة هناك، في بيت يقول لي إن نيله جائزة الشيخ زايد عام 2012 بسبب كتابه “الفتى الذي أبصر الهواء” قد أضفى عليه واقعية لم يكن يحلم بها. لقد أعادته الجائزة إلى فكرة غرفة أبيه المتخيلة.

لم تكن البداهة شعرية هذه المرة. كان تكريمه من خلال تلك الجائزة بمثابة تكريم للجهد الخلاق الذي بذله طوال ثلاثين سنة، عاشها وازن بهلع مَن يرغب في تكريس حياته للشعر وهو يعرف أن الشعر لا يطعم خبزا. غير أن عمله في الصحافة وقد استغرق كل حياته لم يكن محايدا في مهنيته.

كان لديه ما يقوله دائما من أجل القضايا التي يعتقد أنها عادلة. يكتب عن تلك القضايا بروح الشاعر الذي لم يفارقه يوما ما.

عبده وازن يبدو حريصا في كتابه "غرفة الأب" على أن يشعرنا أنه قد وجد في عودته إلى غرفة أبيه مناسبة للإفصاح عن تفاصيل سيرة شخصية يبقى الأب رمزا لها


الشاعر في عزلة بيته


أصدر عبده وازن بدءا من عام 1982 كتبا شعرية هي “الغابة المقفلة” و“العين والهواء” و“سبب آخر لليل” و“حديقة الحواس” و“أبواب النوم” و“سراج الفتنة” و“نار العودة” و“حياة معطلة” وأخيرا “الأيام لكي نودعها”. نتاج شعري يشير إلى حياة عاشها الشاعر متأملا مفردات حياته الشخصية، التي هي مرآة لعالم كان وازن حريصا على تكريس معادلته التـي تعلـي مـن شـأن العيـش المبـاشر. فكان عليه ألا يستسلم لنداء الأقليات وهو العربي الذي بدأ مشروعه من هاجس عروبته. من يقرأ عبده وازن سيكون سعيدا في أن يقيم في بيت تحول من خلال الشعر إلى كون سعيد.


أشعار من عبده وازن



حصى


إذا توارت الخطى

المرسومة أمامنا عل التراب

يمكننا أن نمشي في الهواء

كما تفعل الملائكة

عندما يفقدون حصى الطريق

في الهواء لا نحتاج أن ننظر أمامنا

وحدها عيوننا تحملنا

إلى صور لم نسكنها مرة


توأمان


لا أسأمك أيتها الشجرة

مهما طال جلوسي تحت أغصانك

الروح تبحث عن روح لها شقيقة

تذكرها جيدا

وإن كانت تجهلها

هل نسيت أيتها الشجرة

إنا كنا توأمين

في أبد نسيناه هناك

خلف سفوح يقظتنا؟


ظل


في حكاية الظل

أن الشجرة لا تبصره

مهما غاب وعاد

الظل روح الشجرة

قبل أن يولد

14