عبده وازن.. من الشعر إلى السرد لاستعادة الذات والمكان الأليف

الأربعاء 2014/01/22
يقتحم وازن التابوهات التي تمثل خطا أحمر عند كتاب السيرة في الشرق

القاهرة - يقدِّم عبده وازن في روايته الجديدة «غرفة أبي» الصادرة عن منشورات ضفاف، بيروت. ومنشورات الاختلاف، الجزائر 2013، نوعا من السيرة الذاتيّة الخالصة حتى لو أطاح بميثاق القراءة الذي أقرّه فيليب لوجون من خلال التوصيف النوعي للرواية بأنها “رواية ـ سيرة” كنوعٍ من التمويه، حيث تتطابَق الهُوِيَّات الثلاث داخل النَّص، ليصير الكاتب هو الرَّاوي وهو الشَّخصية المرجعية في آن واحد، مُستحضرًا في ذلك التاريخ العام والشَّخصي.

يقتحم عبده وازن التابوهات التي تمثِّل خطا أحمر عند كُتَّاب السِّيرة في الشَّرق عامة والعَرب خاصة، فنرى الكاتب يكشف تفاصيلَ دقيقة عن حياته وعن العائلة، كالعلاقة الجنسية لعمته قبل الزّواج، وعن العمِّ العاشق، وهجره لأبنائه وزوجته، إلى عشيقةٍ، وحبّ أمه لشاعر سكير، علاوة على حديثه الشَّخصي عن مشاغبات المراهقة ومغامراتها.

نافذة الحيرة


لا يقتصر النَّص على تقديم أجزاء من سيرة الكاتب، التي بدأها في عمله الأوَّل «قلب مفتوح»، الذي انطلق فيه فضاء السَّرد والتخييل من مكانٍ ضيق هو «سرير المرض»، إلى رحابة التخييل، وهو ما يتشابه هنا مع فضاء الغرفة المحدود، والتي تتجاوز حدودها بيروت كاملة، وإنما يعدُّ النَّصُّ مع كونه استكمالاً لبعض جوانب السِّيرَة، بمثابة رحلة استعادَة لجوانب شتى مفقودَة، كالأمان المتوهَّم، وزَمنٍ آَسِرٍ في صور؛ أيام البهحة وأماكنها، وساعى البريد، والرِّسالة الورقيّة، والكتابة على الورق الأبيض، والكتابة بالقلم بعد اعتماده على الحاسوب.

مرورًا باستعادة ذات الأب/ الغائب بفعل الموت من خلال صور الأبيض والأسود، وصولاً إلى استعادة الذَّات التي يريد أن يتعرَّفَ عليها، وعلى الأخصِّ فترة الطفولة والمراهقة وتشكيل الوعي الفكري، مُتخذًّا من غرفة الأب نافذةً يُطِلُّ منها وبها على ذاته بتساؤلاته الحائرة تارة، والمـُـقْلِقَة تارةً أخرى، عن الإله وعن الأب الأوَّل (آدم)، وعن اليقين والطمأنينة، وعن الفحولة والذكورة، وعن علاقة الأنثى بالرجل، وأيضًا عمَّا حَدَثَ ولماذا حَدَثَ؟ دون أنْ يأتي السؤال مباشرة، وإنْ تضمنته مقارناته وتوازياته بين زمن الأب وزمن الابن وجيله، وبهذه المقارنات والتوازيات التي يصنعها الرَّاوي بين زمنين؛ زمن الأب المـُسْتَعَاد وَالمــُفْتَقَدَ في آنٍ واحدٍ، وزمن الابن المشوَّه بكل تقنياته وتعقيداته، يُقدِّمُ لنا في شبه مرثية سيرة المدينة التي «صَالحتْ بين اليابسة والبحر» في فترة من تاريخها، ثم شوَّهتها الحرب، وما أحدثته في المصائر التي أصابها الحقد.

تتقاطع سيرة الأب مع سيرة المدينة «بيروت» مع سيرة البطل وجيله، في تناغم يعكس المآل الذي صارت إليه الأوطان بفعل الحروب

هكذا تتداخل السِّير وتتقاطع سيرة الأب مع سيرة المدينة «بيروت»، مع سيرته وجيله، في تناغم يعكس المآل الذي صارت إليه الأوطان بفعل الحروب، والأجيال بغياب الأب، بصورته الوجودية أو الرمزية، ومن ثمّ يتّجه إلى الرَّب السَّماوي الذي لا يترك أبناءه ليصيروا أيتامًا، بل هو أب رُوحيّ لِكُلِّ ناشد للتطهُّر من الخطيئة، ولكلِّ مصلوبٍ، ولو على خشبة وهمه.

سيرة الغائب

فِعْلُ الاستعادة للأب وللوطن وللذّكْريات الجميلة مُتَحقِّقٌ بالوقائع وبالتراسل مع الخطابات الثقافية التي تحمل في مضامينها صورة الأب، وبالشواهد التي تجعل من النَّصِّ وثيقةً هَامّةً على فترةٍ من فترات تأجُّج الصِّراع والانقسام في لبنان، منذ أن شهدتْ ساحتها الإنزال الأميركي الشهير على شاطئ الأوزاعي، وحرب 58، ثم ما تلاها من الأزمات والتحوّلات حتى الحرب الأهلية التي دارت من عام 1975 إلى عام 1990، وينفذ من الحرب والمعارك والشهداء إلى التأريخ للمدينة التي كانتْ، بأماكنها كساحة البرج وحرج الدكوانة والجميزة، وسينما ريفولي التي ظلت صامدة أعوامًا في جحيم المعارك، وشوارعها كشارع المتنبي لاحقًا، وكيف تحوَّلت إلى شاهدٍ على صراع الأيديولوجيات؛ السِّياسيَّة والدينيَّة والحزبيّة والطَائفيَّة، بعدما كانت مَزارًا وشاهدًا على زمن الودِّ والصَّفاء بين المتناحرين لاحقًا.

في علاقة جدلية طرفاها البُنُوَّة اليتيمَة تبحثُ عن الأُبُوَّةِ الغَائِبَةِ، يستعيدُ الرَّاوي سيرة الغائب بفعل الموت، متحاورًا مع كافة الخطابات الأدبيّة، التي اتَّخذت مِن تيمة الأب إطارًا لها، سواء أكانت عربيَّة، كما وردت في مذكرات الروائي سهيل إدريس، وفي رواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري، وفي مذكرات إدوارد سعيد «خارج المكان»، أو عالمية كما في أعمال التشيكي فرانز كافكا والروسي دوستويفسكي والأيرلندي صموئيل بيكيت والأميركي بول أوستر والفرنسي جان بول سارتر والبريطاني روديارد كيبلنج. والاستعادة هنا لا تعني التماهي معها، بل على العكس فالنَّصُّ جاءَ مُعَارِضًا لها في استخدامه لصورة الأب، فالابن هنا ليس كما كان لدى أوديب الذي يبحث عن قتل الأب فعليًا، أو حتى قتله بالمجاز للتحرُّر مِن سلطته كما دأبت خطابات عديدة، وإنما هو يقوم بالعكس فيستعيده أو يحييه على الورق في تشابك فنيّ مع نصوص دالَّة، أَثْرَت العمل وأعطتْ له زخمه بالتلاقح والتناسل في ما يشبه لوحة تتناغم فيها ثقافات شتى عربية وغربية انصهرت دون أنْ تُضْفي عليها طابعها، بل على العكس كان لها استقلاليتها وفرادتها مما جَعَلَ من نصّ وازن مائزًا بتفاعله معها، في نقاشٍ حميمٍ وكيفَ رأى فيها جمالاً تارةً، وبنظرة مغايرة تارة ثانية، حيث انحاز دوستويفسكي للابن على حساب الأب، بينما أراد الفرنسي «جورج باتاي» الهروب من أَسْرِ الأب في روايته «أُمّي»، فسحقته عقدة أوديب وانشغل طيلة الوقت بمحاربة شبح أبيه، وفي حين سعى سهيل إدريس في «الحي اللاتيني» إلى تقديم طقس الاعتراف بديلاً عن أبيه، إلا أنَّه فضحه بالكتابة عن مضاجعته لصبي، وربما كان محمد شكري في «الخبز الحافي» هو الأكثر وضوحا في تلك العلاقة بين الأب والابن الذي يكن له كراهية مطلقة.

كما أنَّ التلاقح يأتي على سبيل التقنية، فيَأخذُ النَّص في معظم أجزائه، شكل الرَّسائل، حيث يقيم الراوي بها حوارًا متخيَّلًا بينه وبين الأَب كنوعٍ من التعويض والحرمان عن الطفولة، متخِذًّا منها وَسيلةً للقاء الذي لم يتحقّق، أو تحقَّق لكن تفاصيله غائبة، فيتلاقح مع نصوص استخدمت ذات التقنية ليس بدءًا مِن توحُّد المواقف على نحو استحضاره راوي «بيكيت» في كتاب «حبّ أوَّل» وبحثه عن تاريخ ميلاد أبيه، إلى الكُتَّاب الذين كتبوا الرسائل كـ(بودلير ورامبو وجبران وريلكه وكيركغارد وفرناندو بيسوا وكافكا) أو على نحو رسالة «فاكلاف» هافل لحبيبته «أولغا»، أو حتى ما وقع تحت تأثيرها كرسالة كافكا لأبيه.

الكتابة المضادة

يميل النَّصُّ في بعض جوانبه إلى التوازي حيث يوازي بين النص الأصلي وهو سيرة الأب وعلاقة الابن به وهو وريثه في غرفته وفي مرض القلب أيضًا، فالرَّاوي يستعيد شخصية أبيه بناءً على الصُّور القليلة التي يختزنها في ذاكرته، وتلك الصُّور التي تحتفظ بها أمه في صندوق خشبي كتذكار من أبيه. معتمدًا على المونولوج الطويل المفتوح كتقنية أسلوبية، في حديث النفس إلى النفس، فالأب هو أشبه بالمرآة التي يعيد فيها تشكيل تفاصيل حياته، وهو ما نلمسه في الإلحاح غير الطبيعي بقوله: «لكنني أكتب جاهلاً تماماً إن كنت أكتب إليك أم إلى نفسي» ، أو من قبيل «أسأل نفسي أمام المرآة ولا أسألك كأنني أُحَدِّثُ نفسي كما لو كنت أمام مرآة»، حتى يصل إلى اليقين «أنا المتكلم وأنا المخاطب».

وقد يتنَّوع الخطاب ما بين سرد مذوَّت وخطاب غيري حيث يستحضر المروي له الأب يخاطبه مباشرة كأنه حاضر يستمع إليه. النَّصُّ في أحدِ مستوياته يبدو وكأنَّه ينتهجُ مبدأَ الكتابةِ المضّادة لكافة ِالمفاهيم التي ظلَّت أشبه بإكليشهات ثابتة بدءًا من تحطيم مقولة فرويد عن قتل الأب مجازيًا وإحيائه بفعل الكتابة، إلى كسر حالة المداورة خلف مصطلح السيرة والكتابة بلا محاذير، وصولاً إلى معارضة النَّص لمقولة التصدير لـ«نوفاليس»: «لا يشعرُ الفتى بالأمان إلا في غرفة أبيه»، حيث لا أمانَ في غرفة الأب بل رحلة من القلق وعدم اليقين، فتتجاوز الغرفة دورها الطبيعي فيما تبعثه في النفس من أمانٍ ورَاحةٍ إلى نافذة مُشَرَّعة يُطِلُّ منها على الواقع والتاريخ والفكر والأدب، وشرفة للتعبير عمَّا يشعر به إزاء ما حلَّ وما كان، حتى أنَّ الأمان المفترض الذي كان يبحث عنه الكاتب راحَ يتبدَّد في رحلة بحثه عن ذاته في صورة أبيه.


ذاكرة الأم

يأتي النَّصُّ في بنائه مستفيدًا من كَوْنِ الكاتب في الأصل شاعرًا، فيأتي كلوحةٍ واحدةٍ أو دَفْقَةٍ شعورية، لا يتخلّلها تقاطعات أو حتى فواصل تعيق حركة السَّرد المتنامي، وإنما نحن أمام سَرْدٍ تتابعي لا يهتم بترتيب الأَحداثِ حيث وقوعها، بقدر ما هو يعتمدُ على نَثْرِ هذه الأحداث والتخلُّص من عبئها، ومن ثمَّ يخلو النَّص من التقسيمات الكلاسيكية من فُصولٍ أو وَحداتٍ، أو حتى تنجيمات، اللّهم إلا وقفات تُظْهر اختلاف زمن الكتابة، وهو ظاهر بصورة واضحة في التداخلات الزمانية، حيث ثمة استرجاعات تأتي كحكايات مُستعادَة مِن ذاكرة الأمّ، فيرويها الابن بلسانه الآن، ومثلما كان النَّص وثيقة سِياسيّة على أحداث الحرب والانقسامات، فإنه يبدو في أحد جوانبه وثيقة اجتماعية لما حفل به من عادات وتقاليد مثل عادات الزواج وقصص ليلة الدخلة التي كانت تنتهي بعودة الزوجة لبيت أبيها في بعض الأحيان.

ومنها مشهد الجنازة والطقسية التي لازمته، وما أتبعها من عادة كنس البيت بعد خروج الجنازة لطرد الموت، ومائدة الأربعين التي تتداخل في مشهد حيوي مع مأدبة العشاء التي أقامتها كاترين إيفانوفنا لزوجها الميت في رواية «الجريمة والعقاب» والتي انتهت إلى «كارثة تحمل على الضحك كما على الأسى، فالشجار الذي نشب في نهايتها بدا أشبه بخاتمة مأساوية لم يكن يتوقعها حتى كاتبها».

كُلُّ هذا جاء عبر لُغَةٍ مميّزة جامعة بين بلاغة الشّعْر ورهافته، وحيوية النَّثْر وسلاسته، مُعبِّرَة وموحية في آنٍ مع اكتنازها لدلالتها في بعضها، عارية وهاتكة للزيف في بعضها الآخر، وهو ما أهَّلها إلى أنْ تقترب بالنص إلى تخوم الشعر، مع الاحتفاظ بإنسيابية السَّرد ومرونته على مدار النّص بأكمله.

15