عبد الحق المريني و"ملحمة محمد الخامس"

الاثنين 2013/12/02
محمد الخامس.. تاريخ نضالي ومواقف حازمة

الرباط - صدر للباحث عبد الحق المريني، مؤرخ المملكة المغربية، كتاب جديد بعنوان "ملحمة محمد الخامس" عن منشورات وزارة الثقافة المغربية. وتضمّن تقديم هذا الكتاب شهادة للحسن الثاني وشهادتين للملك محمد السادس فيها تسليط للضوء على بعض معالم شخصية الملك الراحل محمد الخامس ومناقبه وجوانب من كفاحه، وما ميّز أسلوبه في الحكم وفي تعامله مع أبنائه وأفراد شعبه.

في شهادة الملك الحسن الثاني عن أحد المفاتيح الأساسية في ممارسة الحكم والتي كانت جزءا من أسلوب والده ومبعث فخره واعتزازه واعترافه بالجميل جاء قوله: "فلعلي أكون من أكثر أفراد هذه الأمة اعترافا بالجميل وتقديرا للعمل المثمر الذي يتطلب من جلالته تفكير الحكيم، وبذل الكريم، وجهد الصابر، وسماحة الحليم، في سبيل إسعاد هذه الأمة أفرادا وجماعات".

مذهب الحريّة

وهو أيضا ما عبّر عنه في شهادة أخرى، وهو بعدُ وليا للعهد حين قال في خطاب له، أمام والده يوم 16 نوفمبر- تشرين الثاني من العام 1951، عند اشتداد الأزمة بين القصر الملكي والإقامة العامة الفرنسية "علمتنا الصبر على الشدائد واستصغار العظائم، وحببت إلينا الأمور الصعبة والوقوف مع الحق في السر والعلانية".

ولتقريب ذلك الترابط الوجداني الذي يشكل العصب الأساس في علاقة الحاكم بأفراد شعبه، تواصل الشهادة التأكيد على أن الملك كان "يفكر في كل فرد من أفراد الشعب بنفس الشعور الذي يفكر به في أبنائه: يفكر لجاهلهم حتى يتعلم، ولمريضهم حتى يصح، ولفقيرهم حتى يستغني، ولمظلومهم حتى ينصف، وهو من أجل ذلك في تفكير دائم لمصلحة الأمة جميعها وفي عمل دائب لعز الشعب وسؤدده".

وعن القيم المثلى التي جسدها الملك محمد الخامس، من خلال شهادة الملك محمد السادس، تأتي "في طليعتها الحرية التي جعل منها قوام مذهبه السياسي، وناضل من أجل المحرومين منها، بدون تمييز عرقي أو ديني أو فئوي، متضامنا مع حركات التحرير مغاربيا وأفريقيا، دون أن ننسى موقفه الشهم المشهود إلى جانب العالم الحر في التصدي للنازية والفاشية".


التاريخ والمواطنة

وبنبرة عالية عن قيمة المعرفة التاريخية، التي من شأنها أن تفرز معدن الرجال الذين صنعوا ملاحم هذا البلد وتحفز الجيل الصاعد على صناعة حاضر يليق بماضيه، يواصل الكتاب تحت عنوان "محمد الخامس الملك المجاهد (1909-1961)"، استحضار وتتبع مختلف المحطات التي قادها سيدي محمد بن السلطان مولاي يوسف بن مولاي الحسن، مخصصا صفحات لتربيته وتوليه العرش ووطنيته وجهاده ونفيه إلى مدغشقر وكورسيكا، ثم عودته الظافرة إلى عرشه وشعبه، التي أصبحت عيد العودة من المنفى (16 نوفمبر) وعيد الانبعاث (17 نوفمبر) وعيد العرش (18 نوفمبر).

ومن خلال أسلوب رشيق وطيع، يزخر هذا النص التاريخي بمتوالية من الأحداث وكثير من الاستشهادات والوقفات، من منظور شخصيات عالمية واكبت هذه الأحداث أو قرأتها بتمعن مستخلصة معانيها ودلالاتها، مستحضرا في ذلك وموثقا لمراجعه ومصادره، ومستعينا أيضا بملاحق أورد ضمنها أبرز المحطات في حياة الملك الراحل حسب تسلسلها التاريخي بدءا من ميلاد جلالته في 30 آب- أغسطس 1909 إلى وفاته في 26 فبراير- شباط 1961، موجزا في سطور سياسة الملك المجاهد محمد الخامس.

بهذه القراءة الاسترجاعية لأحد أهم محطات تاريخ المغرب، يكون الأستاذ عبد الحق المريني قد سعى إلى المساهمة في ترسيخ تلك المعرفة التاريخية التي هي الجسر الأساس لبلوغ أحد مراتب النضج في استيعاب مفهوم المواطنة، والتي قال جلالة المغفور له الحسن الثاني بصددها "من كان له تاريخ مثل تاريخ المغرب، ومن عرفه حق المعرفة، لا يمكنه أن يخرج عن الطريق أو يزيغ عن السبيل والصراط المستقيم، فالتاريخ هو مرجع، والتاريخ هو حافزنا".

والكتاب إذ ينتصر لحقائق التاريخ في سرد سيرة الملك محمد الخامس، فإنه لا يغفل عن الانتصار لجمالية الكتابة التأريخية، حيث تنهض الكتابة فيه على أسلوب فنيّ فيه من سلاسة الغة الشيء الكثير.

14