عبد الحكيم بلحاج.. زعيم صنعت نجوميته قناة الجزيرة

السبت 2013/10/05
بلحاج (وسط الصورة).. أحد منفذي الأجندة القطرية التي فشلت في اختراق المجتمع الليبي

تونس- في خضم الوضع المرتبك الذي تعيش على وقعه تونس، منذ أشهر، برز، في اليومين الماضيين، اسم جديد ملأ الدنيا واحتلّ صدارة "هشتاغات" تويتر وتعليقات "الفايسبوك". و"الشخصية" الحدث في تونس هذا الأسبوع، كانت عبد الحكيم بلحاج أحد الذين لمعت قناة الجزيرة القطرية أسماءهم.

لا حديث في الساحات التونسية طيلة الأيام القليلة الماضية إلا عن عبد الحكيم بلحاج وحقيقة ما يتردّد عن مشاركته في اغتيال قيادات في المعارضة التونسية وعلاقته بتنظيم أنصار الشريعة المتشدّد وبعناصر قيادية في حركة النهضة الحاكمة.

هذا الجدل أثير على خلفية اتهامات وجّهها الحقوقي والمحامي التونسي، الطيب العقيلي، إلى القيادي الليبي وأطراف في الحكومة التونسية من حركة النهضة، يقول إنها مبنيّة على أدلّة ووثائق تكشف تورّط المذكورين في عمليات الاغتيال والتصفيات السياسية التي تعرّض لها المناضلان شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

ومن بين الوثائق التي بنى عليها عضو هيئة المبادرة الوطنية من أجل الكشف عن الحقيقة اتهاماته وثيقة قال إنها نسخة من وثيقة مسربة أرسلتها الإدارة العامة للأمن العمومي بوزارة الداخلية بتاريخ 4 يناير- كانون الثاني تتضمن تعليمات بتحديد مكان عبد الحكيم بلحاج على الأراضي التونسية "لضلوعه في التحضير لأعمال إرهابية في البلاد يشارك فيها ثوار من مدينة الزنتان الليبية ومهربون من البلدين".

وتقول المعلومات التي كشف عنها العقيلي في مؤتمر صحفي أن "عناصر إرهابية تتبع تيار أنصار الشريعة، المصنف على أنه تنظيم إرهابي ويرأسه سيف الله المحجوبي الملقب بأبي عياض الصادرة في حقه بطاقة جلب، تلقت تدريبات في ليبيا بإشراف الجماعات الإسلامية المقاتلة (…) التي يتزعمها عبد الحكيم بلحاج".

وذكر في هذا السياق أن بلحاج زار تونس عدة مرات التقى خلالها بقياديين من حركة النهضة، منهم رئيسها راشد الغنوشي، وأمينها العام حمادي الجبالي، وكذلك سمير ديلو، وزير حقوق الإنسان. واعتبر العقيلي أن تلك اللقاءات تجعل حركة النهضة الإسلامية في موضع الشبهة بالضلوع في العمليات الإرهابية التي شهدتها تونس.

وكان اسم الليبي عبد الحكيم بلحاج قد تردّد كثيرا في تونس في محاضر البحث المتعلقة بعمليات تهريب السلاح إلى تونس، وفي شبكات تجنيد وتدريب وتسفير عدد من الشبان التونسيين إلى سوريا للقتال في صفوف "جبهة النصرة".


بلحاج ينفي


ردّت وزارة الداخلية التونسية وحركة النهضة على هذه الاتهامات بالنفي، وهو نفس الموقف الذي تبنّاه القيادي الليبي، المثير للجدل، مشيرا في حديث مع فضائية "TNN الإخبارية التونسية إلى أنه سيرفع قضية في الغرض، وهو صاحب القضية الشهيرة التي رفعها ضدّ الحكومة البريطانية بدعوى تورطها في ترحيله سرا بشكل غير قانوني وتعرضه للتعذيب في عهد العقيد معمّر القذافي.

وانتقد عبد الحكيم بلحاج، الذي تولى القيادة العسكرية في طرابلس مع حلف الناتو ضمن جهود الإطاحة بالقذافي، الإعلام التونسي الذي قال إنه لم يكلّف نفسه عناء الاتصال به للاستفسار والتحري والتثبت من التهم المنسوبة إليه. وشدّد على أنه لا يعرف شكري بلعيد ولا البراهمي، وليس من ديدنه الدعوة لاغتيال الناس الأبرياء، معربا عن أسفه لحصول عمليات إرهابية أدت إلى زعزعة أمن تونس.

ونفى رئيس حزب الوطن الليبي أية علاقة له بتنظيم أنصار الشريعة موضحا أنه لم يلتق مطلقا بزعيم التنظيم سيف الله بن حسين المكنى بـ "أبو عياض".

هذه ليست المرّة الأولى التي توجّه مثل هذه الاتهامات إلى عبد الحكيم بلحاج، حيث سبق وأن اتهمته الجزائر بـ"ارتباطه بنشاطات إرهابية"، كما اتهمته السلطات الأسبانية بالضلوع في تفجيرات مدريد عام 2004 حيث تم إيقافه في نفس العام في العاصمة الصينية بيكين.

وتتهم أكثر من جهة بلحاج بارتباطه بتنظيم القاعدة، لكن بلحاج نفى كل هذه الاتهامات ونفى صلته بتنظيم "القاعدة"، الذي قال إنه دعاه إلى الانضمام إلى صفوفه في أفغانستان، "ولكنه رفض بسبب خلاف في التوجهات".

وسبق لبلحاج أن قال في تصريحات لوسائل إعلام فرنسية، إنه سافر إلى السعودية، ثم أفغانستان "حيث شاركت في مجال الإغاثة والعمل العسكري".


من هو عبد الحكيم بلحاج


عبد الحكيم لخويليدي أو عبد الحكيم بلحاج، أحد أبناء الحركة الإسلامية بليبيا، واحد من شبان الجهاد الأفغاني الذين غادروا ليبيا سنة 1988 إبان تصاعد العداء ضد السوفييت في العالم خلال حربهم ضدّ الأفغان.

رحلة الهروب من ليبيا قادت بلحاج إلى حوالي 20 دولة من أبرزها باكستان وأفغانستان وتركيا والسودان، رافق خلالها بعض "أمراء الجهاد"، وعلى رأسهم عبد الله عزام.

عُرف عن عبد الحكيم بلحاج انتماؤه المبكر إلى التيار الإسلامي قبل أن يؤسس بنفسه الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة التي تزعمت معارضة حكم العقيد القذافي.

في سنة 1993 استقر عبد الحكيم بلحاج في مدينة بنغازي شرق ليبيا حيث مقر الحركة السنوسية مستفيدا من كره سكان المنطقة لنظام القذافي وشرع في تجنيد عدد من شباب المنطقة لمشروعه السياسي الرامي إلى قلب نظام الحكم في ليبيا، وأوعز إلى فتيانه دخول اللجان الثورية للحصول على التدريب والأسلحة للقيام بانتفاضة مسلحة على نظام العقيد الممسك بزمام الأمور.

وبعد سنتين من العمل السري اكتشفت السلطات الليبية مكانا للمقاتلين بالشرق الليبي كان معدا للتدريب. وقد كان اكتشاف الجماعة بداية خريف ساخن بينها وبين العقيد القذافي الذي استخدم طيرانه العسكري لضرب مواقعها ببعض الجبال وأجهض خططها الانقلابية.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر صعدت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في المنطقة اللهجة ضد الإسلاميين عموما والعائدين من أفغانستان خصوصا، وخلال هذه الفترة كان بلحاج يخطّط للسفر من ماليزيا إلى السودان، لكنه وقع في أيدي المخابرات الأميركية سنة 2004، لتسلّمه إلى خصمه اللدود العقيد معمر القذافي لينتهي به الأمر إلى السجن.

وفي السجن سمح لعبد الحكيم بلحاج بلقاء رفاقه داخل معتقلات القذافي لقيادة حوار شامل حول الأسس الفكرية للجماعة ومراجعة الكثير من المفاهيم، وكان سنده ورفيقه في الحوار الشيخ الصلابي القيادي بجماعة الإخوان المسلمين.

وأفرج سنة 2010 عن بلحاج، الذي قضى قبل ذلك سنوات في سجن غوانتانامو، بعد إعلان هدنة مع نظام القذافي برعاية نجله سيف الإسلام القذافي.

وبعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وفي ظل الاضطرابات الأمنية التي تهز ليبيا والاتهامات التي تلاحق عبد الحكيم بلحاج بدعم الميليشيات المسلّحة، خاصة وأنه كان قائدا عسكريا ويسيطر على كميات هائلة من السلاح المنتشر في البلاد، قال البعض إن بلحاج يقود فيلقا كبيرا من الثوار السابقين الذين لا يزالون يحملون السلاح، وهو يطمح، بعد أن خلع البدلة العسكرية، إلى منصب سيادي في الحكومة الليبية القادمة، بعد الحكومة الانتقالية، التي ترأسها عبدالرحيم الكيب ثم خلفه علي زيدان.

وقد يبدو هذا الاحتمال قريبا جدا من الواقع، خاصة بعد إجراء مقارنة بين صورة المقاتل العسكري التي ترسّخت عنه خلال ثورة 17 يناير، وصورة السياسي المدني رئيس حزب "الوطن الحر" الذي يرفع شعار "حزب الوطن وسطية ـ حرية ـ عدالة وتنمية".

وفي هذا السياق يقول بلحاج: "كنت أترأس آلاف الثوار وحين تركت المجلس العسكري وجهتهم جميعا إلى وزارتي الدفاع والداخلية في ليبيا وصرت مدنيا"، وهو تصريح يرى خصومه أنه غطاء مدني وسياسي ليمارس من خلفه، أمير الجماعة السلفية المقاتلة أنشطته ذات التوجّه الإسلامي المتشدّد بحرية.

ويتوجّس مراقبون خيفة من قوّة بلحاج التي اكتسبها في المعسكرات "الجهادية" سابقا، حيث يعتقد كثيرون بأن تجاربه تلك، على مدى أكثر من خمسة عشر عاما، قد تدفعه إلى جرِّ ليبيا إلى مزيد من الخطط السرية، مع أتباعه الجهاديين، من أجل فرض نظامٍ إسلاميّ متشدّد كما كان يحلم.


صناعة قطرية


وفيما يحاول بلحاج أن يقدم نفسه أحد قواد معركة "تحرير طرابلس"، فإن مراقبين قالوا إن دوره كان ثانويا ليس إلا، وإنه كان ينفذ أجندات قطرية تهدف إلى استقطاب أكثر ما يمكن من الميليشيات لتكون ورقة بيد الدوحة في ليبيا ما بعد القذافي.

وقال المراقبون إن بلحاج فشل في أن يحقق الهدف القطري، وهو تشكيل حكومة ذات خلفية إسلامية، ولم يفلح تنسيقه مع الإخوان والمجموعات المتشددة المختلفة في أن يسيطروا على ليبيا الجديدة التي اختارت عبر الانتخابات رموز التيار الوطني المعتدل مثل محمود جبريل.

وما أن فشل الحلم القطري بالسيطرة على مفاصل ليبيا الجديدة حتى تخلت الدوحة عن بلحاج كورقة اساسية ما اضطره إلى تشكيل حزب سياسي بلا تأثير.

13