عبد الحليم خدام وكلمة السرّ

كلمة السرّ كانت دائما في مكان آخر. كان يملكها أحيانا ولم يملكها في معظم الأحيان.
الأحد 2020/04/05
رجل الهامش

غاب قبل أيّام في باريس، عن 88 عاما، عبدالحليم خدّام. كان خدّام (أبوجمال)، الذي شغل بين العامين 1970 و2005 موقعي وزير الخارجية ونائب رئيس الجمهورية السورية، إحدى واجهات التركيبة المعقدة التي أنشأها النظام الذي أسّسه حافظ الأسد والذي استطاع توريثه إلى نجله بشّار. كان شرسا في تعاطيه مع الآخرين. كان الرجل الذي اختاره حافظ الأسد لتنفيذ مهمات معيّنة، خصوصا في لبنان حيث لعب دور المفوّض السامي بين 1975 و1998.

بقي خدّام، السنّي الذي لا ينتمي إلى إحدى المدن السورية الكبرى التي كان الأسد الأب يكن لأهلها ورجالاتها كرها شديدا، يتحرّك في الهامش الذي رسمه له مؤسّس النظام الذي لا يزال قائما إلى اليوم، أقلّه شكليا.

كان يمتلك كلمة السرّ أحيانا ولا يمتلكها في معظم الأحيان، حتّى عندما وجد نفسه على الرفّ بعد لعبه الدور المطلوب منه كرئيس شكلي للجمهورية مباشرة بعد وفاة حافظ الأسد. كان مطلوبا منه اتخاذ إجراءات محدّدة من أجل أن يرث بشّار الأسد والده. أشرف على كل الترتيبات السنّي الآخر مصطفى طلاس، وزير الدفاع، الذي نفّذ التعليمات مؤكّدا مرّة أخرى أنّه الخادم المطيع لسيّده منذ ما قبل “الحركة التصحيحية” في السادس عشر من تشرين الثاني – نوفمبر 1970.

لم يجد “أبوجمال” نفسه سوى في وضع المُجبر على توقيع كلّ المراسيم المطلوب صدورها عن رئاسة الجمهورية كي تصبح سوريا جمهورية وراثية على غرار كوريا الشمالية. كان “أبوجمال” يدرك أنّه كان يوقّع قرارا صدر بإعدامه سياسيا، إذ كان يعرف أنّ كلّ الملفّات التي كان يتولاها، بما في ذلك ملفّ لبنان، انتقلت عمليا منذ العام 1998 إلى بشّار الأسد والمجموعة المحيطة به.

عرفت عبدالحليم خدّام في صيف العام 1973. فهمت من خلال المناسبة التي شاهدت فيها “أبوجمال” يدخل الأراضي اللبنانية برفقة عدد من رجال الشرطة العسكرية السورية أنّ لدى حافظ الأسد رسالة واضحة يريد توجيهها إلى كلّ لبنان. فحوى الرسالة أن النفوذ السوري صار ثابتا في البلد الجار وأن القرار في البلدين هو قراره.

في صيف 1973، جاء خدّام إلى “بارك أوتيل” في بلدة شتورا البقاعية لعقد محادثات مع فؤاد نفّاع وزير الخارجية اللبناني وقتذاك. كان الهدف المعلن للمحادثات إعادة فتح الحدود بين البلدين. أغلق الجانب السوري الحدود بعد محاولة الرئيس سليمان فرنجية في أيّار – مايو من تلك السنة ضبط الوجود الفلسطيني المسلّح في الأراضي اللبنانية وذلك بعدما اعتبر الفلسطينيون نفسهم دولة ضمن الدولة وبعدما أصبحت مخيمات اللاجئين بمثابة جزر مستقلّة كلّيا عن الأراضي اللبنانية.

كان ردّ الفعل السوري مفاجئا لسليمان فرنجية الذي ربطته علاقة بحافظ الأسد واعتبره حليفا له. لم يدر في خلده أن لدى الرئيس السوري الجديد حسابات تتجاوز العلاقات ذات الطابع الشخصي بين رجلين وعائلتين. كان إغلاق الحدود السورية، مع ما يعنيه ذلك من خنق للبنان اقتصاديا، من أجل إفهام سليمان فرنجية أن العلاقة بحافظ الأسد ليست علاقة الندّ للندّ. هناك رئيس واحد لبلدين هو حافظ الأسد.

قام عبدالحليم خدّام بالاستعراض الذي كان عليه القيام به في “بارك أوتيل” عبر الشرطة العسكرية السورية التي كانت تؤدي له التحيّة لدى دخوله فندقا لبنانيا، في حين تمّ الاتفاق على إعادة فتح الحدود، بموجب الشروط السورية في مكان آخر وعبر أشخاص آخرين.

ما كشفه لي ضابط لبناني، كان يشرف في “بارك أوتيل” على ترتيبات أمنيّة معينة لتأمين الاتصالات بين الوزير اللبناني وقصر الرئاسة في بعبدا، أن الاجتماع المهمّ انعقد بين نجل سليمان فرنجية الوزير والنائب طوني فرنجية ورفعت الأسد شقيق حافظ الأسد. عُقد ذلك الاجتماع في فيلا يملكها رجل الأعمال اللبناني المعروف بطرس الخوري في مكان غير بعيد عن “بارك أوتيل”.

لا شكّ أن عبدالحليم خدّام كان يمتلك نفوذا في سوريا، خصوصا في عهد حافظ الأسد، لكنّ هذا النفوذ كان في إطار رسم له بدقّة متناهية. كان يعرف كلمة السرّ في بعض الأحيان فقط. لذلك، لم يتردّد في القول في إحدى المقابلات بعد انشقاقه عن النظام في العام 2005 إن الجيش السوري دخل إلى الأراضي اللبنانية في العام 1976 من دون استئذان أحد وكان دخوله أوّلا عن طريق “جيش التحرير الفلسطيني” الذي كانت لديه وحدات في الأراضي السورية. لم يكن هذا الكلام يمت إلى الحقيقة بصلة. ما أثبتته الوثائق الرسمية لاحقا أن الجيش السوري دخل إلى لبنان بناء على طلب من وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر وبموافقة إسرائيلية وذلك من أجل “ضبط مسلّحي منظمة التحرير الفلسطينية” على حد تعبير كيسنجر نفسه.

في كلّ ما له علاقة بالقضايا الكبيرة ذات الطابع المصيري، أُبقي عبدالحليم خدّام على الهامش. كان يرفع صوته في وجه السياسيين اللبنانيين تنفيذا لتعليمات صادرة له. تقلّص دوره إلى درجة كبيرة في عهد بشّار الأسد وانسحب ذلك على علاقة رفيق الحريري بالرئيس السوري الجديد.

لم يستطع خدام سوى تحذير رفيق الحريري في الأسابيع التي سبقت اغتياله من أن شيئا ما يعدّ له وأن من الأفضل أن يغادر لبنان. في العمق، إن في عهد حافظ الأسد أو في عهد بشّار الأسد، كانت القرارات الكبيرة تتخّذ في مكان آخر لا مكان فيها للسنّي، أكان عبدالحليم خدّام أو حكمت الشهابي (رئيس الأركان) الذي أبعد باكرا عن أي موقع نافذ تمهيدا لخلافة بشّار الأسد لوالده.

امتلك عبدالحليم خدّام ما يكفي من الشجاعة للمجيء إلى بيروت بعد محاولة اغتيال مروان حمادة في أوّل تشرين الأوّل – أكتوبر 2004  ثم للتعزية باغتيال صديقه رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط – فبراير 2005. تبيّن أن عبدالحليم خدّام إنسان طبيعي لديه مشاعره أيضا، علما أنّه بقي في كلّ وقت أسير الدور المرسوم له… وهو دور اقترب من الصفر مع ازدياد روابط اللحمة بين بشّار الأسد من جهة وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى.

انكشف “أبوجمال” لدى خروجه من دمشق إلى باريس ليلعب دور المعارض. لم يمتلك أي مقومات تسمح له بأن يكون معارضا. صار خارج المياه التي كان مسموحا له أن يسبح فيها وأن يمارس بعض هوايته من نوع إذلال السياسيين اللبنانيين الذين لم يكن راضيا عليهم تنفيذا لأوامر عليا صادرة إليه. كلمة السرّ كانت دائما في مكان آخر. كان يملكها أحيانا ولم يملكها في معظم الأحيان.

5