عبد الحميد الغرباوي: القصة القصيرة جدا اغتيال للحكي

الجمعة 2014/11/14
الغرباوي: النقد لا يحفز ولا يحبط ولكنه يشهد إذا أراد الانتصار لحقيقة الأدب

لا يمكن العبور عينا أو فكرا على الساحة الثقافية المغربية والعربية الآن، دون أن يلفت نظرك اسم هذا الرجل الوسيم والأنيق المسمى “عبدالحميد الغرباوي”. كاتب والقاص المغربي وهو من مواليد الدار البيضاء بتاريخ 4 مارس 1952. لم يتمم تعليمه الثانوي، وهو يشتغل مدرسا بالتعليم الخاص بالبيضاء. التحق الغرباوي باتحاد كتاب المغرب سنة1983. لتتوالى بعد ذلك إصداراته، “عن تلك الليلة أحكي”، “برج المرايا” و”ميناء المطر الأخير” وغيرها من الآثار البارزة في تاريخ الأدب المغربي والعربي عامة، وطالت مساهمته في إثراء المشهد الثقافي العربي حتى الترجمات.

قد تتساءل، حين تراه مغيرا بعينيه خلف غليونه، من هو؟ ولأية مهمة يصلح؟ لكن حين تقترب منه، ولو قليلا، ستراه على حكاية، بل هو الحكاية ضمن المساحة الحرة ـ القلقة. لنقترب قليلا على صراط من بياض ونلعب كما إخوة يوسف غير الحقودين، مع هذا الطفل الذي لا يشيخ. يهمني أكثر على هذه الحافة، دم الكتابة: كيف تشكل؟ واختار مجراه؟


خفة الفراشة


لا بدّ هنا، أن نقرّ أن الكاتب عبدالحميد الغرباوي متعدد الاشتغال والاهتمام بحقول أدبية وفنية مختلفة، تغذت على الكثير من الروافد الإيصالية والتواصلية. منها أولا انخراطه في الإعلام الورقي، منذ منتصف السبعينات من القرن السالف، كمشرف على الصفحة والملحق الثقافي لجريدة البيان. فالرجل بهذا، قدم الكثير من الأصوات الإبداعية التي غدت فيما بعد أقلاما محترمة، وأقداما للركض أيضا. والهام، وعلى صلة، أن ذلك ساهم في دمغ وتطوير تجربته السردية آنذاك. الكاتب الغرباوي لم يتخشب أو يتقوقع في الإعلام الورقي كما فعل آخرون، بل ساير وانفتح على الإعلام الإلكتروني إلى أن أصبح فاعلا في مساحاته بشكل كبير.

يكفي أن نذكر مواقع أسسها أو ساهم في عطائها: واتا، منتديات ميدوزا، المحلاج، أوتار شعرية، بهذا، فالرجل دخل هذه النوافذ للتواصل الفعال أولا وأخيرا، ولتعبيد مسافات المقروء، عوض الاستسهال الذي طال الفضاء الافتراضي.

الغرباوي لم يتخشب أو يتقوقع في الإعلام الورقي بل ساير وانفتح على الإعلام الإلكتروني إلى أن أصبح فاعلا في مساحاته

الكاتب عبدالحميد يحكي باستمرار، وهو الأصل، في كتابة القصة أو الرواية أو القصيدة، بل اللوحة التشكيلية. هكذا سيعلن عن مجيئه سنة 1988 بمؤلف قصصي تحت عنوان “عن تلك الليلة أحكي “، وتتوالى المجاميع القصصية والرواية بوتيرة أسرع، نذكر إضافة إلى ما ذكرناه سلفا: “عري الكائن “، “نون النسوة”، “رأس الخيط”، “لا أنت رأيتنا ولا نحن رأيناك”، و”عزف منفرد على إيقاع البتر”.

وامتد الاهتمام به إلى أدب الأطفال، بل إلى الترجمة الأدبية أيضا. أظن أن هذا التعدد، يفيد أولا في تشكيل إبداعي مدعوم بكل تجليات الأدب والفنون. فلا بد من إحساس فوار، ومقروء ثري، واستغوار تأملي، وتراسل حواس، وامتداد بصر، وزوايا نظر. فتعدد مشارب هذا الرجل جعل منه ذا رؤية عميقة ملمة بزوايا النظر المختلفة نحو الكتابة والعالم، نحو الإنسان والكون، ما جعل منه يحدو كتاباته إلى أقاص مختلفة عن ما هو سائد، ويتخذ لنفسه موقعا في المشهد الأدبي المغربي والعربي تجربة تستحق التمحيص والدرس والمتابعة.
وقد نتعلّم أن الأمر لا يتحقق بالثقل المادي المرصوص، بل بتلك القدرة والمقدرة التي تحول الجسد إلى فراشة تتنقل بين حقول عدة برشاقة وخفة مهندسة، في حفاظ على طبقات الزجاج في المجاز.

الكاتب عبدالحميد لا يشتغل ضمن تلك الحقول بسذاجة غافلة، بل في إثارة للأسئلة الحارقة، في متابعة لمنعطفات أنواع الكتابة. أي الوعي بالامتداد والتحول في النوع الأدبي، منها على سبيل التمثيل القصة القصيرة جدا التي يعتبرها اغتيالا للحكي، لأن النقد طبل لها، إذا لم يتم الاعتراف بصعوبة تشكيلها الجمالي. في هذه الحدة العميقة، يقر الكاتب أن كل مؤلف هو محطة -في مسيرته- لها قلقها وأسئلتها. وبالتالي، فالكاتب لا يراكم الأغلفة دون إضافة ولا خصوصية، بل التجارب وتنوع الأسئلة.

الغرباوي كتب القصة والرواية والقصيدة ورسم اللوحة التشكيلية بحثا عن أفق


سوق الجهلاء


أما عن خصائص الكتابة السردية عند هذا الرجل، فتتمثل في المفارقة التي تسعى إلى الاشتغال على التفاصيل، والغريب في المعيش اليومي.

قصد تمرير أفكار كبرى حول الهياكل والكليات، بنفس ساخر يخلط بين الواقع والمتخيل، استنادا على لغة لا تتوغل إلا بمقدار، دون تجريب أعمى يخرب بلا بناء ولا معنى. من هنا، فنصوصه تسمح بحدّ كبير من المقروئية. لكن التأمل فيها، يجعلك تدرك بساطة الرجل التي تنثر القلق حبة حبة، إلى أن يشتعل الاشتباك. وهو أهل لفرقعة أيّة رمانة، ولو على رأس صاحبها.

أريد التأكيد هنا، أن الحضور الأدبي بهذا الحجم والشكل، يواكبه حضور الكاتب هنا وهناك في ملتقيات أدبية على لغطها، ليقرأ قصصه، ويدلي بكلماته الصغيرة التي تثير الفتن الجميلة من أجل القليل من المعنى، عوض الخبط والتيه الجماعي أحيانا. فتجربة الكاتب المتنوعة، تنم عن مراس حقيقي، وتجذر لا يمكن التنكر له. لهذا لا أفهم الحيف الذي يطارد هذا الرجل ولكن الاعتراف والإنصاف مرتبط بفضاء ثقافي مليء بالعقد والتراكمات الفردية والموضوعية. لكن النقد لا يحفز ولا يحبط كما يقول عبدالحميد الغرباوي. ولكنه يشهد إذا أراد الانتصار لحقيقة الأدب غير الآنية ولا المؤدلجة.

بعد هذا المتحصل، أتصور هذا الرجل الدائم العطاء والاشتغال، أنه لا ينام إلا واقفا أو مفتوح العينين باستمرار في أحواض الساحرات. يأتي بهيا متدفقا لأغلب ملتقيات الأدب، وأحيانا أتصوره يسكن غليونه، في مداعبة -بتلك الأصابع التي تكتب- لناره الهادئة.

أذكر أننا على هامش أحد الملتقيات الوطنية في القصة القصيرة جدا، تجاذبنا بعض أطراف الحوار حول الكتابة القصصية بين الامتلاء والفراغ، بين قمتها وحضيضها، واصفا النقد بسوق جهلاء، فالتبست النصوص وتشابهت إلى حدّ التكرار المقيت.

وبعد عودتي إلى بيتي، أعدت النظر في الكثير من مجاميع الكاتب عبدالحميد. وسألت نفسي في ركن قصيّ: لماذا تأخرت في الكتابة عن الكاتب المغربي الأصيل عبدالحميد الغرباوي؟

15