عبد الخالق بن ميمون: في الـ40 بدأت الكتابة ونشرت في الـ60

تعد مدينة شفشاون (شمال المغرب)المغربية تحفة من جبال الريف بكل المعايير، بجبالها وشلالاتها وسواقيها، وأزقتها وسكانها، بشعرائها ورساميها، بل حتى بسمائها وهوائها. هي صورة مصغرة لأندلس لم يغير الدهر معالمها. مدينة صغيرة معلقة بين الأرض والسماء، محمية بحواجز طبيعية، وبين شوارعها التي لا يمكن حفظها كل مرة يمكنك اكتشاف أناس وتفاصيل جديدة، ومن ذلك عبدالخالق بن ميمون الذي كان لنا معه هذا الحوار.
السبت 2016/05/21
شخصية مغمورة وكتاب وليد

حين أزور مدينة شفشاون أشعر أنني أدخلها لأول مرة لأني كلما أيقنت أني حفظت دروبها أتيه حين أنوي أن أسلك طريقا مختصرا. العجيب في الأمر أني عند كل متاهة أصادف شخصية عجيبة أو أعثر على شيء نادر.

هذه المرة وأنا أسلك مختصرا إلى “باب السوق” عثرت على مكتبة صغيرة تعج بكتب، مقررات دراسية، مجلات وصحف قديمة، اسمها “مكتبة القاضي بن ميمون”. أثارت انتباهي بادئ الأمر مقررات دراسية للغة الفرنسية للتعليم الأولي، قديمة لكنها جيدة من حيث الشكل وغنية من حيث المضمون.

كتاب وكاتبه

لما سألت صاحب المكتبة عن ثمنها فوجئت بالمبلغ الزهيد الذي طلبه بل أكثر من ذلك أنه اقترح علي نسخا غير مستعملة، وبينما هو ينقب عنها بين الكتب لفت انتباهي كتاب جديد الطبع بعنوان “شفشاون لؤلؤة الشمال”، فبدأت أتصفحه باهتمام لأني طالما بحثت عن مؤلف عن هذه المدينة التي تفوح بعبق التاريخ وأمجاد الحضارة الإسلامية، وقبل أن أسأله باغتني الكتبي بأن الكتاب ليس للبيع لأنه آخر نسخة وقد قرر الاحتفاظ بها.

يتحدث كتاب “شفشاون لؤلؤة الشمال” عن مدينة شفشاون وعن أعلامها، متعرضا إلى محطات ووقائع تاريخية لهذه المدينة وشخصيات تركت بصمتها في مختلف المجالات، علماء، أدباء، شعراء، فنانون، مناضلون، سياسيون. يوثق هذا الكتاب القيم لمراحل وشخصيات – منها من لا يزال على قيد الحياة – لعبت أدوارا مهمة في تاريخ المغرب مثل: فردوس الجبل، سلالة الميمونيين في القرويين، بن ميمون ابن ميمون قائد الأسطول البحري في عصر الموحدين. كما يأتي على سيرة الدكتور عبدالسلام الهراس، والفقيه العلامة عبدالسلام احرازم، وأول قاضية بشفشاون فادية بن ميمون، والفنان محمد أغبالو.

عبد الخالق بن ميمون يرى أن ثلاثة أشياء لا يمكن تعلمها: الصوت الطروب والكرم وكتابة الشعر

يعطي الكتاب لمحات من ذاكرة شفشاون (البواردية)، ويذكر طبائع أهلها بين التماطل والتهاون، كما يقدم سيرا للأسر الأندلسية بها، ويذكر بعدد من الظواهر البارزة فيها مثل الأبواب السبعة لمدينة شفشاون، وظاهرة بيع المنازل للأجانب، وغيرها. كما يذكّر بشخصيات مهمة في تاريخها مثل الفقيه عبدالسلام الحضري، والسيدة عائشة الحرة والشريف العلمي صاحب النوازل، راسما معالم البعد الثقافي لهذه المدينة العريقة، إذ يأتي على ذكر ما يناهز 200 شخصية والعشرات من النوادر واللمحات عن شفشاون.

رغم التهميش والتجاهل

فتحت باب الحديث مع صاحب المكتبة وأنا أثني على مؤلف الكتاب لأني منذ مدة وأنا أبحث عن كتاب يتحدث عن هذه المدينة التي ما من أحد زارها إلا وعشقها وفكر في زيارتها مرة أخرى. ابتسم الكتبي وقال لي إنه هو المؤلف عبدالخالق بن ميمون وإنه عانى الأمرين ليصدر هذا الكتاب وأنه قام بطبع مئة نسخة فقط على حسابه الخاص، لأنه لم يجد من يساعده على إصداره ولم ترض أي مطبعة بأن تتكلف بطبعه.

العجيب أنه ما من أحد تصفحه إلا وطلب نسخة منه حتى أن النسخ نفدت كلها في أقل من أسبوع ومازال الطلب على نسخ أخرى. تبادلت أطراف الحديث مع بن ميمون وكلما تقدم الحديث إلا وبرزت موهبة تؤثث لشخصية نادرة محافظة من حيث أسلوب العيش، منفتحة على التاريخ والأدب والفن، شخصية زاهدة خارج الزمن وذاكرة قوية. شخصية اختارت البساطة رغم أنها تجمع بين الفقيه التقي، الشاعر الكلاسيكي، الكاتب المؤرخ، والفنان والموسيقار.

وأنا أتأمل الرفوف والجدار المقابل للمكتبة لمحت مقالات صحافية وصورا تقريبية قديمة لكنها في حالة جيدة ومحفوظة بعناية. من بين ما رأيت مقال يرجع إلى الثمانينات علمت بعدها أنه أول حوار نشر لعبدالخالق بن ميمون بمجلة مرايا (تصدر بالقنيطرة)، ثم مقال آخر عنه بمجلة أسبانية “روتاس ديلموندو” (بمعنى الطريق إلى العالم)، مقال آخر بمجلة برتغالية، صورة تقريبية للشيخ القاضي علي بن ميمون الذي علمت أنه اختلف مع السلطان عند نزوح اليهود من الأندلس حيث قال له إنه يرفض أن يقبِّل يدا يقبِّلها اليهود، ثم هاجر إلى العراق ثم إلى سوريا وتوفي هناك بدمشق، صورة للسيد عبدالخالق وهو يعزف على آلة العود مرسومة بقلم الرصاص، علمت بعدها أن من رسمها أسترالي يحب الفن ويزور شفشاون على الأقل مرتين في السنة.

كنز ثمين

رغم نيتي المغادرة ذلك اليوم إلا أن الحديث مع عبدالخالق جعلني أقرر المبيت ليلة أخرى وإجراء حوار مطول مع هذه الشخصية رغم أنه لم تكن بحوزتي عدة التصوير ولا التسجيل. استعنت فقط بهاتفي المحمول ولو أنه ليس آخر ما أنتجت التكنولوجيا، بقلمي ومسودتي، وأجريت حوارا معه شق علي أن أقطعه، هذا مختصر منه.

كتاب في الستين

عن فكرة تأليف هذا الكتاب يقول عبدالخالق بن ميمون “لا بد أن أشير إلى الظروف القاسية التي صاحبت تأليف هذا الكتاب ويجب أن أعترف لك أن هذا العبد الفقير إلى الله لم يلق أي دعم من أي نوع كان ويمكنني أن أصرح بهذا حتى في حفل توقيع الكتاب حين تصدر الطبعة الثانية. إن أهل مدينة شفشاون بخلاء، لا تتوقع أي مساعدة حتى لو كنت مريضا على فراش الموت، لكن ما أعانني في ذلك حماسي وحبي لهذه المدينة ولأهلها”.

يفسر ضيفنا التأخير في إصدار أول كتاب وفي سن متأخرة، قائلا “لقد قضيت 25 سنة أجمع الوثائق من الصحف والكتب والمجلات وهو الزمن نفسه الذي عشته بهذه المكتبة، وقلت في نفسي كيف لي أن أترك هذه الوثائق عرضة للنسيان أو الضياع؟ فهاجسي الأول كان هو التوثيق قبل كل شيء وأن أُجمّع تلك المعلومات ولو على شكل مسودة. ولكني حين فكرت أن هناك من سبقوني للكتابة قلت في نفسي لِمَ لا أكتب أنا أيضا؟”.

يتابع بن ميمون “حلم الكتابة كان دائما يراودني إلا أنه لم يكن لدي رصيد كاف لذلك، وحتى الآن فإني مع ذلك أتأسف لأن الرصيد في نظري ما يزال ضعيفا مقارنة مع الزخم العلمي والثقافي الذي عرفته وتعرفه مدينة شفشاون، وقد لامني بعض الناس عند قراءة الكتاب بدعوى أنه يتوجب أن يضم الكتاب المزيد من المعلومات فقلت لهم أمدوني بالوثائق لكي أغني المضمون. هناك من سلموني بعض الوثائق، لكنهم يخشون ضياعها فاضطررت لنسخها في الحال وإرجاعها لأصحابها. كما لا أخفي عليك أنه من جهة أخرى المحفز الحقيقي للكتابة هو الندم على الدراسة، حيث إني كنت طفلا مشاغبا لا يفكر في المستقبل وكان ميولي للتكنولوجيا بالأساس حيث كنت أهوى ميكانيكا السيارات وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة الكتاب وقد صنعت سيارة صغيرة وكان عمري عشر سنوات. هواية توجيه السيارات ضيعت تفكيري وكنت ضعيفا في مادة اللغة الفرنسية الشيء الذي ضيع علي فرصة نيل شهادة الباكالوريا سنة 1983، حيث أنه في ذلك العهد، على حد قول الملك الحسن الثاني، من لا يتكلم الفرنسية يعتبر جاهلا، في حين أنه بجهة الشمال اللغة الأجنبية المتداولة كانت وما زالت هي الأسبانية. أنا من مواليد 1953 يعني أنني أقارب الستين، وهذا سن مميز لأن المرء لا يبلغ أشده ولا يكتمل عقله إلا ابتداء من سن الأربعين”.

بالرجوع إلى تجربة إصدار هذا الكتاب، وإن كانت محفزة لنشر كتب أخرى أم على العكس، يقول ضيفنا “نعم هي كذلك، فبحول الله تعالى لدي ديوان شعري قيد الطبع، بعد معاناة شعرية عشتها بيني وبين نفسي، حيث لدي إخوة شعراء، وسبق لي أن شاركت في عدة تظاهرات شعرية إلى جانب شعراء من شفشاون، ولدي قصائد عن مدن مغربية عريقة، عن أعلام وطنية وأيضا عن الزهد والتصوف. إلى جانب الشعر فإني بصدد كتابة سيرة ذاتية مختصرة، لكن ما يهمني أكثر من الشعر والسيرة الذاتية هو التاريخ والتوثيق. فالشعر في نظري نخبوي وليس متاحا لعامة الناس على رأي المثل البولوني، ” ثلاثة أشياء لا يمكن للمرء أن يتعلّمها: الصوت الطروب والكرم وكتابة الشعر”. والميثاق الذي سيكون بيني وبينك هو أن أهديك نسخة منقحة من “شفشاون لؤلؤة الشمال” حين تصدر الطبعة الثانية ويمكنك أن تعمل على ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، كما أتمنى أن أصدر ديوان الشعر، فالشعر لا يتطلب شهائد بل موهبة، هناك العديد من أصحاب الشهائد العليا بينما هم لا يعرفون حتى كيف يتكلمون، في حين أن العديد ممن لم تخول لهم الظروف متابعة دراستهم موهوبون في ذلك.

كتاب "شفشاون لؤلؤة الشمال" يعطي لمحات عن تاريخ المغرب وذاكرة المدينة وأعلامها وطبائع أهلها

هنا يستشهد عبدالخالق بن ميمون بحنا مينة الذي كان مستواه الرابعة من التعليم الابتدائي أيضا واستطاع الكتابة حين بلغ الأربعين سنة، وبعباس محمود العقاد ذي المستوى الابتدائي، كما يستشهد بمحمد شكري الذي لم يبدأ تعليمه إلا حين بلغ من العمر عشرين سنة. لذا هو لا يؤمن بالشهائد بل بالموهبة، مستشهدا كذلك بكتاب عصاميين معاصرين ومنهم السيد علي الريسوني. ويأمل بن ميمون أن يحقق شيئا ما في حياته وأن يجعل من هذه المكتبة مكتبة نموذجية.

عن المكتبة، وإن كان يفكر في توسيعها، يجيب ضيفنا “السؤال نفسه طرحه علي الأستاذ عبدالحميد عقار الذي اقترح مساعدتي على إصدار مؤلفي الجديد، وأذكره بالمناسبة فقد اقترح علي أيضا أن يتصل بجمعية ما لتساعدني على تحديث وتوسيع هذه المكتبة إلا أني أجبته بالرفض القاطع، فأنا راض كل الرضا عن الحالة التي هي عليها، أحبها هكذا على طبيعتها فإذا حاولت أن أغيرها ستفقد روحها، وإن كان هناك إنسان يريد مساعدتي فليفعل ذلك بتزويد هذه المكتبة بمراجع ومؤلفات. فبالنسبة إلي هناك عبارة أرددها يوميا مع زوجتي ومع الجميع، أنه إذا حرمتموني من هذه المكتبة فكأنكم تقتلونني، فروحي كلها في هذه المكتبة وأمنيتي أن أموت شهيدا وسط الكتب كالجاحظ، فكيف يُعقل أن أفرط في هذه الكتب مقابل أي شيء آخر وهي هدية أعتبرها كنزا ثمينا، والحق أقول إنه رغم ضعف حالتي المادية إلا أنني أحس بالانزعاج حين يشتري أحد مني كتابا وأقول في نفسي لماذا لا أحتفظ به في الأرشيف، وهذا ما جعلني كما ترى أراكم أرشيفا مهما بهذه المكتبة وأجعل منها تحفة ينتفع بها الغير.

15